ترجمات عبرية

هآرتس: وقف النار يدخل إسرائيل الى فخ

هآرتس 9/4/2026، عاموس هرئيلوقف النار يدخل إسرائيل الى فخ

أدى اتفاق وقف اطلاق النار الذي تم التوصل اليه في فجر يوم الاربعاء بين الولايات المتحدة وايران الى توقف الحرب في الخليج لمدة اسبوعين بعد خمسة اسابيع ونصف. والنتائج حتى الان غير مشجعة على اقل تقدير. فعند بدء الهجوم في 28 شباط الماضي حددت حاشية رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ثلاثة اهداف رئيسية للحملة وعرضتها امام المراسلين: اسقاط النظام في ايران، القضاء على المشروع النووي والقضاء على خطر الصواريخ البالستية. وحتى الآن لم يتحقق أي واحد من هذه الاهداف (مع انه لا يمكن استبعاد احتمالية استئناف الحرب بعد اسبوعين في اعقاب انهيار وقف اطلاق النار). فالنظام ما زال موجود ولم يتم التوصل الى حل بشان الـ 440 كغم من اليورانيوم المخصب وبرنامج الصواريخ ما زال ينشط، على الاقل بشكل جزئي.

من جهة اخرى، تضررت مكانة اسرائيل في امريكا بشكل كبير، ويتوقع أن تواجه اتهامات بجر الرئيس ترامب الى حرب لا حاجة اليها. لقد تكبدت الجبهة الداخلية الاسرائيلية خسائر كبيرة، الامر الذي استدعى الجيش الى استخدام قدرات حيوية على نطاق واسع لتقليص هذه الاضرار، وفي الشمال وجدنا انفسنا في مواجهة عسكرية مع حزب الله، الامر الذي هدد سكان الشمال وهدد اعادة اعمار منطقة الجليل.

كما نشر هنا عشية الحرب وخلالها فانه لا توجد أي علاقة مباشرة بين القدرة العسكرية العالية والنتيجة الاستراتيجية المامولة. فمن الصعب ترجمة التفوق الجوي المطلق للولايات المتحدة واسرائيل على ايران وسلسلة الضربات الشديدة التي تعرض لها الايرانيون الى نصر حاسم في هذه الحملة. ربما تأتي نقطة تحول بعد ذلك، لكنها غير واضحة حتى الان. ومثلما حدث في السابق في غزة يحاول من يؤيدون نتنياهو وابواقه تاجيل الجدول الزمني مرة تلو الاخرى بوعود فارغة تقول بان الحل اصبح وشيكا.

 المشكلة تزداد تعقيدا عندما يكون الهدف هو تغيير النظام في دولة واسعة. وحسب ما نعرف الان فان القيادة الجديدة في طهران، التي قتل معظم اسلافها في عمليات اغتيال نفذتها اسرائيل، لا تعتبر الضعف العسكري الذي اظهرته ايران هزيمة. فيكفي الصمود لبضع جولات امام آلة الحرب الامريكية والاسرائيلية كي تعلن النصر وتحكم القبضة على الشعب، الذي يكن لها في معظمه العداء. النظام في ايران لا يعطي أي اهتمام لوضع الايرانيين الصعب.

لم تكن الحرب على ايران بدون مبررات. فقد انزعجت اسرائيل بشدة من التهديد المتزايد للصواريخ البالستية والمسيرات، التي استأنفت ايران انتاجها بكمية كبيرة (تجاوزت التقديرات الاستخبارية الاولية) بعد حرب الـ 12 في حزيران الماضي. في كانون الثاني الماضي اندلعت موجة اضطرابات واسعة النطاق في ايران، هزت البلاد وشكلت تهديد مباشر على الحكومة. وشكل النظام نفسه خطر واضح ومستمر على اسرائيل وجيران ايران في الخليج وعلى المصالح الامريكية في المنطقة. ويبدو ان ترامب ونتنياهو اعتقدا ان الضغط الخارجي سيشعل الاحتجاجات من جديد ويتيح فرصة معقولة لاسقاط النظام.

 لكن هنا تجلى الكثير من القصور الذي تشترك فيه الادارة الامريكية الحالية مع النظام في اسرائيل برئاسة نتنياهو: الميل للرهان على رغبات لا اساس لها، خطط سطحية غير مدروسة، تجاهل آراء الخبراء واللجوء الى اسلوب القمع لاجبارهم على ملاءمة مواقفهم مع رغبة القيادة التي قامت بتعيينهم. وفي اللحظة المناسبة، قبل بضع ساعات من دخول وقف اطلاق النار الى حيز التنفيذ، نشرت “نيويورك تايمز” تقرير مفصل حول عملية اتخاذ القرار التي سبقت اندلاع الحرب. واعتمد معدو التقرير على معلومات واسعة في داخل الدائرة المقربة من ترامب، وصولا الى الموقع الدقيق للمشاركين في الاجتماع. ويقولون ان نقطة التحول كانت في 11 شباط، عندما زار نتنياهو البيت الابيض للمرة الاخيرة.

 قدم رئيس الحكومة للرئيس الامريكي خطة عمل حول ايران، بينما شارك رئيس الموساد دافيد برنياع وكبار المسؤولين في الجيش الاسرائيلي عن بعد في نقاشات غرفة عمليات ترامب من خلال الشاشات. تحدث الاسرائيليون عن نصر شبه مؤكد: سيتم تدمير برنامج الصواريخ البالستية في غضون اسبوع، ولن يتمكن النظام الضعيف من اغلاق مضيق هرمز، وسيكون الضرر الذي سيلحق بالمصالح الامريكية في دول الخليج ضئيل. بل وحتى ان نتنياهو تلاعب بسيناريو الخلافة وعرض على ترامب رضا بهلوي، نجل الشاه، كحاكم محتمل لايران في المستقبل. وقد وضع الضيوف ايضا خطط اخرى لم تنفذ في الحرب: استئناف المظاهرات الكبيرة في ايران، دخول المليشيات الكردية للحدود من العراق بتشجيع من الموساد وتقديم دعم عسكري من اجل تقويض النظام. استجاب ترامب بايجابية لجهود نتنياهو التحريضية. اما كبار القادة المحيطين به فكانوا اقل حماسة. وقد وصف رئيس الـ سي.آي.ايه الاقتراحات الاسرائيلية لتغيير النظام بانها “سخيفة”، ووصفها وزير الخارجية بانها “هراءات”، اما رئيس الاركان المشتركة فعلق قائلا: “الاسرائيليون يبالغون دائما”.

تقرير صحيفة “نيويورك تايمز” يثير الاهتمام. قد تكون هذه اكبر ضربة لمكانة اسرائيل في واشنطن منذ فضيحة التجسس التي تورط فيها جونثان بولارد قبل 40 سنة. مع ذلك تتراجع شعبية الحرب والرئيس في الرأي العام الامريكي. في غضون ذلك بدأت الشك يتسلل الى نواة مؤيدي ترامب المتطرفين، اعضاء حركة “ميغا” بشأن دوافع نتنياهو في الحرب.

 قد يكون لنتنياهو اسباب وجيهة للخوف على استمرار علاقته مع ترامب. فحتى اليوم اظهر الرئيس الامريكي مودة كبيرة له ودعمه في كل خلاف تقريبا وفي كل انعطافة. ولكن ترامب لا يحب الخسارة، وبالتاكيد لا يحب الاعتراف بها. اذا تم تصوير الحملة في ايران في الولايات المتحدة على انها فاشلة فسيبحث عن كبش فداء، مثلما يبحث نتنياهو بالفعل عن خطاب للتنصل من المسؤولية مثلما فعل بعد مذبحة 7 اكتوبر. فالاتهامات المتكررة في قنوات دعايته ضد رئيس الاركان ايال زمير (والتلميحات، حتى لو كانت نادرة، تجاه رئيس الاركان) تمهد الطريق لاستمرار الحرب اذا توقفت بدون تحقيق المزيد من الانجازات.

“يوم عظيم للسلام العالمي”

الرسالة الوحيدة التي نشرها مكتب نتنياهو في فجر اليوم هي نص قصير باللغة الانجليزية يعرب عن دعمه لاعلان ترامب عن وقف اطلاق النار. أما من يتحدثون العبرية فيجب عليهم الانتظار. بعد اقل من يوم على تهديد الايرانيين بزوال الحضارة، كتب الرئيس في بيان له: “هذا يوم عظيم للسلام العالمي! لقد سئم الجميع! ستكون تحركات ايجابية واموال طائلة يمكن جنيها! قد يكون هذا هو العصر الذهبي للشرق الاوسط!!!”.

كعادته، ترك ترامب تفاصيل الاتفاق لغيره. يمكن لترامب أن ينسب له انجاز واحد وهو فتح مضيق هرمز في فترة وقف اطلاق النار، وليس كجزء من اتفاق شامل مثلما طلبت ايران في البداية. مع ذلك، يجب التذكير بان اغلاق مضيق هرمز الذي فاجأ الرئيس (الذي اعترف ايضا بانه توقع استمرار الحرب لثلاثة ايام فقط)، كان اجراء تم التدرب عليه في كل سيناريوهات الحرب الامريكية لعقود، وان المضيق كان مفتوح عندما اندلعت الحرب. لقد حددت ايران نقطة ضعف الولايات المتحدة، وهي تهديد الاقتصاد وسوق النفط العالميين، وضغطت عليها بطريقة يمكن ان تكون جزء من تحييد الضغط العسكري المستخدم عليها. افادت التقارير بان الولايات المتحدة تفحص السماح للايرانيين بتحصيل رسوم تبلغ 2 مليون دولار من كل سفينة تمر في المضيق، حتى اثناء فترة وقف اطلاق النار المؤقتة.

في الاسبوعين القادمين، بواسطة باكستان، سيتبين اذا كان يمكن التوصل الى اتفاق نهائي. من الواضح ان هذا الاتفاق لن يشمل تنازل الحرس الثوري ورجال الدين عن الحكم، لن يحدث تغيير النظام ألا بواسطة حرب، أو على الارجح بسبب تداعيات داخلية قد تشعل الاحتجاجات من جديد بعد رؤية حجم الدمار الكبير الذي لحق بايران في الحرب.

 من ناحية اسرائيل يبقى سؤال آخر مفتوح ومقلق وهو جبهة لبنان. لقد شن سلاح الجو الاسرائيلي هجوم على مقرات حزب الله وبنيته التحتية في ارجاء لبنان ظهر أمس، وتم الابلاغ عن قتل اكثر من 100 شخص هناك. وقد امتنع حزب الله عن اطلاق النار على اسرائيل منذ وقف اطلاق النار، لكن ايران هددت بالفعل بالانسحاب من الاتفاق ردا على ذلك بادعاء ان وقف اطلاق النار يجب ان يشمل لبنان ايضا (ترامب يقول ان الاتفاق لا يسري على لبنان، لكن المسالة سيتم حلها في القريب). وسائل اعلام دولية اعربت عن تقييمها بان نتنياهو يعمل على تقويض الاتفاق الذي قام بطبخه ترامب، من خلال تاجيج الوضع في لبنان. وما زال الغموض يخيم على أمن سكان الجليل، في حين نشر الجيش الاسرائيلي خمس فرق (حتى لو كان ذلك بتشكيل جزئي)، في عملية برية في جنوب لبنان. هذا الوضع يعتبر حقل الغام سياسي مهم جدا، يجب على الحكومة التعامل معه بحذر، بعد وعد نتنياهو بالسيطرة على قاطع امني في لبنان والبقاء فيه.

 مساء أمس عند اقتراب انتهاء العيد بدأ مهندسو الوعي بتوزيع رسالتهم الجديدة من شارع بلفور، في محاولة لاقناع الناس بان اسرائيل حققت نصر آخر هنا تحت قيادته. هذه المرة ستكون مهمتهم اصعب من العادة. فقد تمكن نتنياهو حتى الان، من خلال مناورات سياسية معقدة، من التهرب من المسؤولية عن المذبحة في غلاف غزة (حيث غادر معظم كبار المسؤولين في الجيش وفي الشباك المتورطين في هذه الكارثة وذهبوا الى البيت منذ فترة طويلة). هذه هي المرة الرابعة على التوالي، مرة في غزة ومرة في لبنان ومرتين في ايران، التي يكشف فيها زيف ادعاءاته بتحقيق النصر الكامل. ان مزاعمه بتحويل اسرائيل الى “قوة اقليمية تكاد تكون عالمية” لا تتلاءم مع الفخ الاستراتيجي الذي سقطت فيه، أو مع واقع حياة الاسرائيليين الذين خرجوا من الملاجيء والقواعد العسكرية في ارجاء البلاد في الفجر، وهم يتشبثون بأمل ضعيف، أن هذه هي المرة الاخيرة.

مع ذلك، الطموح المفرط، الايراني والامريكي، قد يكون بمثابة لغم يفجر المفاوضات التي تقوم اصلا على اساس هش من عدم الثقة. ومثال على ذلك سعي ايران الى الحصول على اعتراف دولي بسيادتها على مضيق هرمز. ربما تتمكن امريكا ودول الخليج من التعايش بسلام مع مطالبة ايران لدفع “رسوم عبور”، تفرضها بالفعل على كل ناقلة نفط تمر في المضيق. هذه المطالبة مطروحة بالفعل على طاولة البرلمان في ايران كمشروع قانون يتضمن التنسيق مع سلطنة عمان، التي تشاركها في ساحل المضيق. ولكن اعطاء ايران سيادة تمكنها من اغلاق المضيق وفتحه متى ارادت وتهديد الملاحة المدنية في أي لحظة وتحديد شروط عبور السفن الحربية، كل ذلك سيؤدي الى تبعية كاملة للدول المصدرة للنفط والغاز، بل ولكل العالم.

مثال آخر هو مطالبة ايران برفع كل العقوبات والغاء قرارات الامم المتحدة التي تتعلق بتطوير المشروع النووي. ولكن هل ستكون ايران مستعدة للتعاون في اتفاق جديد يلزمها ببنود معاهدة عدم انتشار السلاح النووي التي وقعت عليها، أو ببنود تشبه بنود الاتفاق النووي الاصلي الذي فقد قوته؟. في جولات سابقة للمحادثات بين ايران والولايات المتحدة اقترحت ايران خفض نسبة تخصيب اليورانيوم الذي ما زالت تملكه، من مستوى 60 في المئة الى 3 في المئة حسب الاتفاق الاصلي. ايضا وافقت على الاعلان، استجابة لطلب الولايات المتحدة، بانها لا تطمح الى امتلاك سلاح نووي.

لكن ايران الان تنظر الى القضية النووية من منظار استراتيجي جديد. فهي تعتبر اتفاق وقف اطلاق النار كانتصار لها. فبالنسبة لها قد يعطيها الضغط الذي فرضته على شريان الطاقة في الخليج الفارسي مكاسب في المجال النووي ايضا، ويردع على الاقل امريكا واسرائيل عن مهاجمتها في المستقبل. في السابق استخدمت ايران البرنامج النووي كورقة ضغط لرفع العقوبات الاقتصادية، وهو الاستخدام الذي ادى الى التوقيع على الاتفاق النووي.

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى