هآرتس: وقف اطلاق النار؟ هذه الشائعة لم تصل الى سكان غزة

هآرتس 22/1/2026، ميخائيل سفارد: وقف اطلاق النار؟ هذه الشائعة لم تصل الى سكان غزة
قبل بضعة ايام سمعت مقدم نشرة الاخبار الرئيسية في قناة تلفزيونية وهو يقول بانه بعد سنتين من الحرب اسرائيل اخيرا تعود الى روتين الحياة. كانت هذه مقدمة تقرير عن من يخدمون في الاحتياط وعائلاتهم “الذين بالنسبة لهم الحرب لم تنته”. هاتان الجملتان تشيران الى ان هناك تناقض بين “الروتين” الذي اخيرا تعود اليه اسرائيل، وبين “الحرب” التي لم تعد موجودة، ولكنها بالنسبة لرجال الاحتياط لم تنته حقا. هذا النص المبتذل يثير اسئلة عميقة مثل ما هي الحرب؟ هل حقا انتهت؟ بالنسبة لمن؟.
لقد مرت ثلاثة اشهر منذ تم الاعلان عن وقف اطلاق النار، وآخر المخطوفين الاحياء اعيد والجيش الاسرائيلي انسحب الى الخط الاصفر. ولكن يتبين ان كلمة “وقف” في تعبير “وقف النار”، رغم انه يشير الى قطع حاد وواضح، فانه بالفعل مفهوم مرن ونسبي. في ظل “الوقف” للنار قتل حتى الان في القطاع اكثر من 460 شخص واصيب حوالي 1200 شخص (حسب بيانات وزارة الصحة في غزة)، وكل ذلك بالنار المتوقفة كما يبدو للجيش الاسرائيلي. في المقابل، اسرائيل استكملت تدمير النصف الشرقي من القطاع بتدمير ممنهج لكل المباني فيه. معبر رفح لم يفتح بعد، واعادة تاهيل الـ 33 مستشفى من بين الـ 36 مستشفى الموجودة في غزة والتي تضررت في السنتين الاخيرتين، لم يبدأ بعد، واكثر من 2 مليون شخص من سكان القطاع ما زالوا يعيشون في عوز شديد، الكثيرون منهم في خيام لا تستطيع الصمود امام امطار ورياح الشتاء.
ما هو الامر بالضبط اذا؟ وقف لاطلاق النار أو استمرار للحرب؟ في الوقت الذي لم تصل فيه لمئات القتلى الفلسطينيين وابناء عائلاتهم الشائعة عن وقف اطلاق النار، والـ 2 مليون فلسطيني في غزة، فان الحصار والنقص هي تجربة حربية متواصلة، فانه بالنسبة لكثير من الاسرائيليين منذ اللحظة التي اعيد فيها المخطوفين الاحياء، توقفت مظاهرات السبت في ميدان المخطوفين وميدان بيغن وانتهت التجربة الحربية. ربما اذا هذه لم تعد هذه حرب “بين”، بل حرب “ضد”، لكنها ما زالت حرب. من هنا فان محرري نشرات الاخبار الذين صاغوا النص الذي بحسبه اسرائيل عادت الى الروتين بعد الحرب، لم يتعمقوا بما فيه الكفاية في واقع القطاع أو في معنى كلمة “حرب”. لان هناك نوعان مختلفان في الحروب. ولكن عندما نفحص نشاطات اسرائيل العسكرية فانه لا يمكن تجنب التوصل الى استنتاج بان الروتين لم يحل محل الحرب، بل الحرب اصبحت روتين. منذ اللحظة التي عاد فيها المخطوفون الاحياء فان ما بقي من اهتمام الاسرائيليين بغزة تلاشى (باستثناء الذين يسيل لعابهم على الضم، الطرد والاستيطان)، والحرب تغلغلت داخل روحنا وتقلصت الى نوع من الطنين الثابت الذي يتعودون عليه الى ان يتوقفوا عن سماعه.
الحرب التي هي ليست فقط القصف في غزة ومحاصرتها، بل ايضا قتل الفلسطينيين في الضفة الغربية والتطهير العرقي والتهجير القسري لتجمعات فقيرة في غور الاردن وفي جنوب جبل الخليل، والاقتحامات العنيفة للمستوطنين بالزي العسكري أو المدني أو نص نص للقرويون الموجودين في اطراف الضفة ومصادرة ممتلكاتهم الضئيلة. كل ذلك هو الآن روتين اسرائيلي. روتين من التفوق اليهودي، روتين من القمع والاهانة، روتين من حرب ضد كل ما هو فلسطيني.
الروتين كما هو معروف ليس اخبار. الروتين يبعث على الملل. في يوم الاحد الماضي مثلا، قتل ثلاثة غزيين بنار الجيش الاسرائيلي في القطاع. وفي المساء السابق في منتهى السبت قتل شاكر فلاح جعبري (58 سنة) بنار الجنود في الخليل. في يوم الخميس قتل حسب وكالة انباء “السوشييدت بريس” تسعة اشخاص، بينهم ثلاث نساء، في قصف اسرائيلي في دير البلح. تقريبا في كل ايام الاسبوع يقتحم المستوطنون تجمعات فلسطينية ضعيفة وصغيرة في مناطق مختلفة في الضفة الغربية، وفي غزة آلاف المرضى والمصابين يواصلون المعاناة وحتى الموت بسبب منع العلاج الطبي الذي ينبع من سياسة اسرائيل. كل ذلك هو امثلة على الروتين، روتين، روتين، روتين. الاخبار تنشغل بما هو جديد، وهذه ليست جديدة. المخطوفون الاحياء عادوا. ترامب اعلن بان السلام قد حل، يمكن ان نتصفح ونرى. ليس هناك ما نراه، يمكنكم الانصراف.
هذه هي المرحلة النهائية وربما الحاسمة، من تدهور المجتمع الانساني وتحوله الى مجتمع يسوده الظلام واللاانسانية. عندما تصبح الفظائع التي نرتكبها امر عادي الى درجة انها تختفي تماما من وعينا، لان ضحاياها هم نفس الكيان عديم الحجم والوزن الانساني الذي يسمى “فلسطينيون”، فان هذه علامة على اننا وصلنا الى هذه المرحلة.
في المجتمع الاخلاقي فان قتل الناس، خاصة المشتبه ببراءتهم، يعتبر حدث كبير جدا. في هذا المجتمع يشكل أي قتل كهذا ضجة لا يمكن تجاهلها، ويلزم الراي العام بالانتباه اليه. أما في مجتمعنا فان قتل الفلسطينيين ومعاناتهم وصوتهم، تتم تصفيتها بواسطة آلية عنصرية لالغاء الضجة، التي تحولت الى شبه معيار اسرائيلي، ثم يتم رميها في غياهب النسيان. ولكن حتى في بحر الجرائم هناك امواج تتلاطم على الشاطيء ومد وجزر وجثث تطفو وتنجرف الى الشاطيء. ان جرائم السنتين الاخيرتين لن تبقى في اعماق المياه، منسية لمجرد ان الروتين عاد الى حياة الكثير من الاسرائيليين، وان العالم برئاسة ترامب قد اصيب بالجنون ولم يعد يطالب اسرائيل بأي محاسبة على افعالها. الظلم لا يختفي من تلقاء نفسه، بل هو يبقى في الهواء كتلوث ويسمم الواقع الى ان يتم الاعتراف به، والى ان يتم تفعيل آلية العدالة من اجل القضاء عليه.
كلما واصلنا اقناع انفسنا بان الحرب قد انتهت وان الحياة عادت الى طبيعتها، وكلما واصلنا تجاهل الملايين الذين دمرنا حياتهم، وكلما واصلنا تدمير ما تبقى، فان تعافينا يصبح اكثر صعوبة وربما مستحيل. عندها ستثبت صحة مقولة فرقة الحمى القلاعية “هنا تنتهي قصتنا”.



