هآرتس: نتنياهو يدعي بان الحرب ستجلب الحرية لإيران، هذا نفاق

هآرتس 13/3/2026، ميخائيل سفارد: نتنياهو يدعي بان الحرب ستجلب الحرية لإيران، هذا نفاق
في هذه الأيام من الحرب الإسرائيلية – الامريكية ضد ايران لا يوجد في إسرائيل استوديوهات إخبارية. يبدو ان جميع القنوات قد استولت عليها مجموعة (باستثناء قليل) تتالف من دعاة الحرب الذين يعجبون بكل ما له صلة بالجيش الإسرائيلي أو البعد الأمريكي، أو يفتنون برائحة البارود ويثارون جنسيا تقريبا من عروض القوات الجوية.
في ظل هذه الظروف فانه ليس من الغريب انه خلال مئات ساعات البث، وفي ظل الوحشية المتواصلة للمذيعين والمحللين (أنا لا استخدم بدائل جندية لان معظمهم من الرجال)، لم يطرح احد سؤال بسيط وهو هل هذه الحرب قانونية؟. هذا السؤال يطرح في ارجاء العالم ويطلب من كل خبراء قوانين الحرب الإجابة عليه لان الراي العام العالمي يريد ويحتاج معرفة ما يقوله القانون عن استخدام القوة الزائدة التي تتسبب بمئات أو ربما بآلاف القتلى. لكن في إسرائيل يبدو ان محرري الاخبر لا يهتمون بهذا الامر.
حسنا الجنوب المحزن هو انه يوجد اجماع نادر بين خبراء قوانين الحرب في العالم على ان هذه الحرب غير قانونية.
هناك قواعد تحدد متى يسمح ببدء الحرب وهذه القواعد كتبت بالدماء، الكثير من الدماء. لقد صممت قوانين استخدام القوة واعتمدتها البشرية بعد آلاف السنين من الاهوال التي نتجت جميعها عن الحروب، لا سيما الحرب العالمية الأولى والثانية التي دمرت القارات وجبت حياة ملايين الناس.
لقد شمل قانون الأمم المتحدة من حزيران 1945 حظر ثوري في ذلك الحين على استخدام القوة في العلاقات الدولية. والاستثناءات الوحيدة لهذا الحظر هي استخدام القوة الذي يقره مجلس الامن التابع للأمم المتحدة، الذي يعبر بالتالي (مع بعض التحريف، الذي بعضه شديد) عن اجماع واسع بين دول العالم، واستخدام القوة الذي يندرج تحت تعريف الدفاع عن النفس. وهناك جدل حاد بين الفقهاء حول ما اذا كان الدفاع عن النفس يقتصر على الرد على هجوم على المدافع أم ان “الدفاع الاستباقي عن النفس”، أي الدفاع المصمم لمنع عمل عسكري متوقع، يشمله التعريف أيضا.
حسب رأيي، في العصر النووي يصعب قبول فكرة وجوب انتظار وقوع هجوم من اجل الدفاع عن النفس. من جهة أخرى يشكل توسيع تعريف الدفاع عن النفس ليشمل الهجوم الاستباقي خطر جسيم. اذ سيقول أي معتدي بانه يستبق الهجوم، وسنعود الى عالم يكاد يخلو من أي قيود على استخدام القوة. لذلك، كي يعتبر الهجوم الاستباقي دفاع عن النفس يجب ان يستند الى ادلة قوية تثبت قدرة الطرف الاخر على الهجوم ونيته فيه وعدم وجود أي بديل لمنع الهجوم باستثناء الهجوم الاستباقي والان.
لقد شنت إسرائيل وامريكا حرب بدون الحصول على موافقة مجلس الامن أو تحالف دولي واسع النطاق (الامر الذي لم يكن ليحول الحرب الى حرب قانونية، لكن ربما كان سيزيد من شرعيتها السياسية)، لكن هل يمكن اعتبار هذه الحرب عمل دفاع عن النفس من ناحية إسرائيل؟ ايران تريد تدمير إسرائيل، وقد اعلن قادتها ذلك لسنوات وقاموا بتسليح عناصر إرهابية في المنطقة وفي ارجاء العالم وهم يعملون على امتلاك القدرة النووية، فهل هذا يكفي قانونيا لتبرير شن الحرب ضدها؟. السؤال لا يقتصر على ما تريده ايران فقط، بل يتعداه الى ما كانت تنوي فعله وما يمكنها فعله في المدى القريب.
نتذكر انه قبل ثمانية اشهر فقط تفاخر ترامب بان المشروع النووي الإيراني قد تم “تدميره”، وقال بنيامين نتنياهو انه تحقق نصر تاريخي “سيدوم لاجيال” واننا ازلنا التهديد الوجودي الذي تشكله ايران على إسرائيل. في نفس الوقت حسب تقارير حديثة كانت ايران مستعدة للتوصل الى اتفاق يمنعها من تطوير السلاح النووي (حتى لو صممت على حقها في تخصيب اليورانيوم). بكلمات خرى، يبدو ظاهريا انه عشية الحرب لم يكن هناك أي تهديد إيراني، وبالتاكيد ليس تهديد مباشر. ولكن في كل الحالات فان أي محاولة لتصوير الحرب بانها حرب دفاعية تنهار امام خطاب المعتدين المحيطين بها والذي يثبت بانها كانت تهدف الى تغيير النظام في ايران. وبالتالي، لا يمكن اعتبارها حرب دفاعية بأي معيار مقبول لهذا المفهوم.
منذ بضع سنوات يبدو ان العالم يسعى الى العودة الى الواقع السياسي والعسكري الدارويني الذي ساد قبل الحربين العالميتين، اللتين تسببتا للبشرية بأكبر الفظائع، واقسمت بعد ذلك بان لا تعود اليها ابدا. ان حقيقة ان الجمهورية الإسلامية الإيرانية يحكمها نظام شرير، ديكتاتورية أصولية قمعية يتمنى أي انسان اسقاطها، هو امر غير ذي صلة. اذا كان يجوز شن حرب لا تندرج تحت تعريف الدفاع عن النفس ولم يوافق عليها مجلس الامن فانه لا وجود لقواعد، وكل شيء مباح. واذا كان مسموح لترامب ونتنياهو فهو مسموح لبوتين وقادة ايران أيضا، وهكذا نكون استبدلنا سيادة القانون بسيادة السلاح.
الى جانب العداء للقانون الدولي فان ترامب ونتنياهو، اللذان شنا الهجوم على ايران، لهما قاسم مشترك آخر وهو أنهما قادا عملية كثيفة وقوية لتقويض أسس الديمقراطية في دولتيهما، اضعاف وتفكيك جهات الرقابة، تعيين اتباع غير مؤهلين في اكثر المناصب حساسية، شن هجمات لا هوادة فيها على أوساط الاكاديميا والاعلام والثقافة والقضاء، ناهيك عن استخدام العنف السياسي والفساد. الكثير من العنف والكثير من الفساد.
خلال قرون (في الولايات المتحدة) وخلال عقود (في إسرائيل) تم بذل جهود جبارة لانشاء بنية نظامية وثقافة حكومية، حتى لو لم تكن تخلو من المشاكل، تقوم على فصل السلطات ومجتمع مدني يعمل كمركز رقابة على الحكومة وعلى نظام قضائي مستقل ومهني وضمان للحرية السياسية لاصوات المعارضة. كل ذلك اصبح هدفا لهجوم ترامب ونتنياهو السياسي والقانوني. وهكذا فانه الى جانب تقويض القانون الدولي قاما بشن هجوم شرس على فكرة الديمقراطية الليبرالية وفكرة الدستورية.
ومثلما تداخلت فكرة الديمقراطية الليبرالية مع النظام العالمي الذي يقوم على القانون الذي انشيء بعد الحرب العالمية الثانية، أيضا سار التراجع الديمقراطي وتقويض مكانة القانون الدولي جنبا الى جنب.
كل ذلك لم يزعج نتنياهو، الشخص الذي تتم محاكمته بمخالفات فساد كثيرة في إسرائيل، والمطلوب لمحكمة الجنايات الدولية بسبب مسؤوليته المزعومة عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. جرائم ضد الإنسانية ارتكبتها إسرائيل في قطاع غزة، والذي ساهم في العقود الثلاثة الأخيرة في حرمان ملايين الفلسطينيين من الحرية والاستقلال، والقمع الوحشي الذي يقود دولة إسرائيل نحو نظام مستبد ومناهض للديمقراطية من اجل بقائه السياسي. في تصويره للحرب ضد ايران بانها حملة تهدف الى جلب الحرية وحقوق الانسان للايرانيين فان هذا يسمى في اللغة العبرية نفاق، وفي لغة الايديش يسمى وقاحة.



