هآرتس: ليس مهما عدد المستوطنين المقاتلين، وانما عدد الذين ينضمون بالفعل للجيش
هآرتس 29/3/2026، شاؤول اريئيلي: ليس مهما عدد المستوطنين المقاتلين، وانما عدد الذين ينضمون بالفعل للجيش
خلال سنوات ترسخ في الخطاب الإسرائيلي تصور مريح وهو ان المستوطنات الموجودة خلف الخط الأخضر هي فضاء له التزام امني مرتفع، ويتسم بكل خصائص الخدمة العسكرية. الصورة النمطية للمستوطنين هي صورة جمهور مؤيد، مساهم، مقاتل ويسيطر على مركز قيادة الجيش الإسرائيلي. لكن البيانات تظهر صورة معقدة اكثر. فالامر لا يقتصر على فئة واحدة، بل على ثلاث فئات مختلفة كل واحدة منها لها نمط خدمة مختلف.
الخلل الرئيسي لا يكمن في طبيعة الخدمة العسكرية، بل في هوية المجندين أصلا. هنا يظهر الخلل بوضوح. ففي مدن علمانية مثل اريئيل ومعاليه ادوميم يتجاوز معدل تجنيد الرجال والنساء المعدل الوطني، 69 في المئة و56 في المئة على التوالي. ولكن في موديعين عيليت وبيتار عيليت، حيث يعيش 32 في المئة من الإسرائيليين في الضفة الغربية، ينعدم معدل التجنيد. هذا ليس مجرد اختلاف كمي، بل واقعين مختلفين للمشاركة في النظام نفسه. في المجتمع المتدين القومي ينخفض معدل تجنيد النساء بشكل واضح أيضا، نتيجة الانتقال الى مسار الخدمة الوطنية.
هذا يقود الى الاستنتاج الأول: الخطاب العام يركز على السؤال الخطأ. ليس على كم هو عدد المقاتلين في يهودا والسامرة، بل على كم هو عدد المجندين؟. البيانات تظهر ان عدد المجندين في يهودا والسامرة هو اقل من عدد المجندين في تجمع مشابه في إسرائيل.
عندما يدرس المجندين تتغير الصورة. تتراوح نسبة المقاتلين من بين المجندين في مدن يهودا والسامرة حول المتوسط الوطني، 50 في المئة. في المجالس المحلية (22 في المئة من اجمالي الإسرائيليين) والمجالس الإقليمية (35 في المئة من اجمالي الإسرائيليين) تتشابه الأرقام، بل تتجاوزها أحيانا، حيث تصل نسبة المقاتلين من بين المجندين في المجالس الدينية القومية الى 77 في المئة. بكلمات أخرى، بمجرد التجنيد يصبح أداء الخدمة متشابه بين المجموعات ويتجاوز المعدل الوطني.
ويؤكد الرقم الأكثر اثارة للدهشة هذا الامر. فبين النساء المجندات في المدن الحريدية (التي يعتبر عددها ضئيل جدا) تتجاوز نسبة المقاتلات المعدل الوطني (7 في المئة)، بل وتتجاوز نسبة المقاتلات في المدن العلمانية. لا يغير هذا الرقم الصورة العامة، لكنه يبين الى حد ما ان المشكلة لا تكمن في قدرة الفرد او رغبته، بل في نطاق المشاركة.
اما الاستنتاج الثاني فهو واضح: عندما يجند الحريديون فانهم لا يقلون قتالية أو أهمية. تكمن الفجوة قبل التجنيد ليس بين المجندين انفسهم، وتظهر صورة مشابهة في مؤشرات الضباط، رغم ان معدل الضباط في المدن الأربعة في الضفة الغربية اقل من المتوسط الوطني (8.5 في المئة)، الا ان الفجوة بين المجموعات تتقلص مقارنة مع معدل التجنيد. بل ان معدل الضباط اعلى في المجالس المحلية الـ 13 والمجالس الإقليمية الـ 6. وفي مجالس الحريديين يقترب معدل الضباط (من بين المجندين) من المتوسط الوطني. هذا يعني انه حتى في مسارات القيادة لا يوجد استبعاد تام لمجموعات معينة، بل مشاركة محدودة.
اما الاستنتاج الثالث فيتعلق بوضع المتدينين القوميين. فهم بارزون بشكل خاص في الخدمة القتالية والقيادية. ففي المجالس الإقليمية يتجاوز معدل المقاتلين والضباط المتوسط الوطني، الامر الذي يمثل مساهمة كبيرة في العمود الفقري القتالي والقيادي في الجيش الإسرائيلي. بكلمات أخرى، اذا كانت هناك مجموعة ما زالت تجسد الصورة القديمة لـ “الالتزام الأمني العالي”، فهي المجتمع الديني القومي. مع ذلك، هي لا تمثل كل المستوطنين، بل فقط ما يزيد قليلا عن الثلث.
وتتعلق النتيجة الرابعة بالفجوة بين النساء، وهي اعمق من الفجوة بين الرجال. ففي حين تشهد مشاركة الرجال انتشار واسع نسبيا، اذا لم يكن متساويا، يوجد انقسام حاد بين النساء: معدل التجنيد مرتفع جدا في المجتمع العلماني ومنخفض جدا في المجتمع الديني القومي، ويكاد يكون معدوم في المجتمع الحريدي. مع ذلك ترتفع نسبة الضابطات بين المجندين المتدينين القوميين، وهذا يعني من جديد النمط نفسه: انتقائية عالية تنتج جودة خدمة عالية ضمن فئة صغيرة.
اما النتيجة الخامسة فتتعلي بالاختلاف بين أنواع السطات، لكن هنا أيضا يتبين أن هذا يعكس التركيبة الاجتماعية: المجالس الإقليمية ذات الكثافة السكانية العالية من المتدينين القوميين تظهر اعلى معدلات الخدمة، لا سيما في أوساط الرجال. وتتصدر المجالس المحلية العلمانية معدل التجنيد، في حين تظهر المجالس الحريدي معدل تجنيد منخفض، لكنها لا تختلف بشكل جذري في معدل المقاتلين والضباط بين المجندين.
امام النتيجة السادسة والاوسع فهي تتعلق بالتغير الديمغرافي. فلم يعد الاستيطان في الضفة الغربية حكر على الجمهور المتدين القومي، لان نسبة الحريديين في المنطقة اعلى بثلاثة اضعاف من المعدل الوطني، حيث تبلغ 38 في المئة من اجمالي الإسرائيليين في الضفة الغربية. وفي نفس الوقت تتراجع نسبة العلمانيين، والنتيجة هي انخفاض معدل المشاركة العامة للسكان الإسرائيليين في الضفة الغربية.
هذا ينعكس في الاتجاهات الممتدة لسنوات في الضفة الغربية: انخفاض معدل التجنيد، القتال، الرتب العسكرية بين الرجال. اما بين النساء فلا يوجد انخفاض في التجنيد، بل هناك زيادة في القتال. بكلمات أخرى، الصورة هنا أيضا معقدة لكن الاتجاه واضح: تراجع ملحوظ في مؤشرات الخدمة.
الاستنتاج السابق، وربما الأهم، الصورة العامة للمستوطنة كمساحة للالتزام الأمني لا تصمد امام اختبار البيانات. فهناك جماعات تقود وجماعات تشارك جزئيا وجماعات تكاد لا تشارك على الاطلاق. انها فسيفساء اجتماعية وليست كتلة متجانسة. وتتجاوز أهمية هذه الفجوة المجال العسكري. تعتبر الخدمة العسكرية احد آليات التماسك الرئيسية في المجتمع الإسرائيلي. وعندما تشارك فيها مجموعات كبيرة بدرجات مختلفة، ينشأ توزيع غير متكافيء للعب، وتظهر فجوة بمفهوم الشراكة المدنية، ومن هنا جاء الخلاف الحاد في داخل الائتلاف الحكومي حول قانون التجنيد الاجباري.
في نهاية المطاف البيانات لا تقدم صورة عن “من يساهم اكثر”، بل تشير الى تغيير جذري في التركيبة الاجتماعية للمستوطنة في الضفة الغربية وتداعياتها. لم تعد المستوطنة مثلما كانت، ومحاولة الاستمرار في وصفها بصور قديمة تخفي الحقيقة. وربما ان من يصممون على تجاهل هذه الاختلافات يفضلون رواية بسيطة على واقع معقد. تكمن المشكلة في ان الواقع، مثل البيانات، لا يتوافق مع الرواية المريحة.
مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook



