هآرتس: قصر الاحلام الإيراني مدمر الان، ونحن نشهد لعنة الجيل الثالث للثورة

هآرتس 23/1/2026، شلومو بن عامي: قصر الاحلام الإيراني مدمر الان، ونحن نشهد لعنة الجيل الثالث للثورة
يبدو ان “لعنة الجيل الثالث”، وهو التعبير الذي يستخدم في عالم الأموال والذي بحسبه يميل الجيل الثالث للثروة الى فقدان ارث اسلافه، وينطبق هذا أيضا على الثورات عبر التاريخ التي لها تاريخ انتهاء صلاحية: اما ان تنهار بضجة كبيرة مثلما حدث للثورة السوفييتية، او انها تخضع لعملية تغيير داخلية وتصبح بنية سياسية اقتصادية مختلفة مثلما حدث مثلا للثورة الشيوعية لماو تسي تونغ في الصين، التي انحدرت الى ما هي عليه الان من فوضى رأسمالية الدولة تحت ظل الحكم المستبد للحزب الشيوعي.
الثورة الإسلامية في ايران، التي وصلت الى الحكم في 1979 على انقاض نظام الشاه المؤيد للغرب، حتى لو اجتازت الازمة الحالية الا انه لا يمكنها التملص من القانون الحديدي لانهيار الثورات. الثورة التي صمدت بفضل القتل الجماعي تفقد شرعيتها وتحول البقاء للمدى البعيد الى امر غير ممكن. الثورات تستمد شرعيتها من القطيعة الجذرية التي تحدثها مع الماضي، لكن في الجيل الثالث يظهر بوضوح فقدان زخمها وتآكل شرعية افعالها لدى الشعب. عادة ما ينطلق الجيل الثوري الأول من دافع أخلاقي سامي، واستعداد لا هوادة فيه للتضحية. اما الجيل الثاني فيرث السلطة والنفوذ ولكنه يفقد الحماس الثوري ويميل الى تحويل الثورة من ذروتها المثالية الى نظام مؤسسي.
حتى ان الثورة في المكسيك في 1910 اطلقت على الحزب الحاكم بعد أيام الازدهار لامليانو سباتا وبانتشو فيا “الحزب الثوري المماسس” – وهو اسم لم يعد يعكس نقاء الثورة. يرث الجيل الثالث من النخبة الثورية امتيازات اسلافه ولكن بدون روح التضحية، الامر الذي يفتح المجال لعبادة جوفاء، ومن الالهام الثوري الذي تجسد منذ البداية في قيادة بطولية وحكم مركزي قسري لم يبق الا الاكراه.
يكمن جوهر ازمة الشرعية التي تعصف بالانظمة الثورية في الانفصال بين الأجيال الجديدة والطبقة الحاكمة المتميزة، وهي طبقة لا تختلف عن نخب النظام القديم الا في ادعاءاتها الثورية، وفشلها الواضح في تحويل اليوتوبيا الثورية الى واقع يبرر استمرار التضحية بالحرية الشخصية للشعب.
لم يعد نضال النخبة الثورية حرب من اجل مثل سامية، بل من اجل الحفاظ على النظام القائم، بما في ذلك السلطة والفساد التي تتجسد فيه. تواجه كل ثورة صعوبة في تحقيق الطموحات الطوباوية، وفي الجيل الثالث تتضاعف هذه الصعوبات اذ تقارن الأجيال الشابة الآن معاناتها مع الحياة في مجتمعات منفتحة ومزدهرة، وتثور على الخطاب الثوري الاجوف الذي يتجسد في مؤسسات تحمي النخب المنغلقة.
الكتاب الكلاسيكي لكاريان برينتون بعنوان “تشريح الثورة” الصادر في 1938 يصف نمط من التطور السائد في الثورات. تبدأ الثورات بحماس “سنحطم العالم القديم” ونهايتها هي انها تستهلك نفسها، مع تبني خصائص للنظام الذي أطاحت به في البداية.
نابليون بونابارت، الابن العزيز للثورة الفرنسية الذي صعد من الهامش الاجتماعي والجغرافي الى القمة، توجه البابا كامبراطور وكانه يقول ان مصدر الشرعية في نهاية المطاف هو النظام القديم وليس ارث الثورة. وينطبق نفس الامر على الثورة الشيوعية في الصين. فقد اطلقها ماو تسي تونغ وادارها الجيل الثاني بالإرهاب الموجه من اعلى – واطلق عليها ماو اسم “الثورة الثقافية” – ثم نقلها الجيل الثالث بقيادة دينغ شياو بينغ، الزعيم الابعد نظرا في تاريخ الصين الحديثة، الى أسس رأسمالية الدولة.
اليكسيس دي توكفيل كتب في كتابه عن الثورة الفرنسية بعنوان “النظام القديم والثورة”، ان الثورة حتى قبل بداية انحدارها كانت تكرر أنماط النظام القديم. ولم يكن من قبيل الصدفة ان أوصى زبيغنيو بريجنسكي، مستشار الامن القومي لجيمي كارتر، كارتر بقراءة كتاب برينتون لفهم الثورة الإسلامية في ايران بشكل افضل. لقد وصف برينتون وضع بدأت فيه التصدعات في الظهور بين المعتدلين والمتطرفين مباشرة بعد شهر العسل الذي اعقب وحدة الثورة.
هكذا كان الامر في الثورة الفرنسية التي في ايامها الأولى منحت العالم قوانين عالمية مثل الإعلان عن حقوق الانسان والمواطن، ولكن بعد ذلك سقطت في ايدي الراديكاليين الذين بدعم الجمهور اعدموا الملك وفرضوا نظام إرهابي شمولي عبر “لجنة سلامة الجمهور”. ديناميكية مشابهة شهدتها الثورة السوفييتية في الانتقال من سياسة لينين الاقتصادية الجديدة (نيب) – وهي عودة تكتيكية الى اقتصاد السوق من اجل التغلب على إخفاقات الشيوعية – الى التجميع القسري للمزارع وحكم الإرهاب الذي فرضه ستالين.
هكذا فانه في الأيام الأولى للثورة الإيرانية لعب المعتدلون دور مهم في صياغة الثورة في بدايتها، ضمن أمور أخرى، على امل ان لا يصلوا الى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة. وقد كان خطأ إدارة كارتر هو رفضها فهم هذه الإشارات، وهو تكرار نموذجي لخطأ الرئيس ايزنهاور فيما يتعلق بالثورة الكوبية في 1959. ولم يصبح فيدل كاسترو شيوعي ويتحالف مع الاتحاد السوفييتي الا بعد ان رفض البيت الأبيض اشاراته.
النظام الثوري في ايران بدأ مسيرته بالالتزام بالقيم الديمقراطية وحقوق الانسان والعدالة الاجتماعية. وسعت حكومة التكنوقراط الانتقالية التي شكلت في حينه برئاسة مهدي بزركان الى توجيه الفوضى الثورية نحو مسار يفضي الى دولة حديثة تقدمية خالية من الفساد، وهو ما لا يتوافق تماما مع اجندة العناصر الراديكالية في الثورة. وكانت صدمة اطاحة وكالة المخابرات المركزية الامريكية برئيس الوزراء الديمقراطي الإيراني محمد مصدق، الذي تجرأ على تاميم صناعة النفط في بلاده في 1953، بمثابة دافع للراديكاليين لحشد الدعم الشعبي ضد خيانة الغرب.
المعتدلون فقدوا السيطرة على الثورة تحت ضغط رجال الدين وجيشهم الخاص، حرس الثورة الإيراني. لقد اقصي المعتدلون من مناصب السلطة، وقمعت الاحتجاجات السياسية بوحشية، وأقر مجلس الخبراء (المجلس) الذي كان يتكون في معظمه من رجال الدين، دستور جديد يقول على الحكم الديني مثلما تصوره أبو الثورة روح الله الخميني، الذي كان يتمتع في حينه بسلطة مطلقة.
رئيس الحكومة المؤقت بزركان والرئيس الأول للجمهورية أبو الحسن بني صدر تمت اقالتهما (الاثنان كانا يرغبان في انهاء ازمة الرهائن في السفارة الامريكية بسرعة كجزء من مسعى أوسع لبناء جسر مع الغرب). ومنذ ذلك الحين انطلقت موجة مناهضة للامبريالية وذات نزعة أخلاقية مطلقة انطلاقا من سيادة الله، وموجهة نحو الشعب عبر رجال الدين.
في الحرب بين ايران والعراق (1980 – 1988) التي فقدت فيها ايران مئات الالاف من أبنائها اكتسب مبدأ التضحية الذي كان أساس الثورة مكانة مقدسة. وعند انتهاء ووفاة الخميني أسس الجيل الثاني للثورة نفسه تحت قيادة علي خامنئي وتحول الى جهاز بيروقراطي يقوم حكمه على التشدد في تطبيق العقيدة. كان الخميني يقول ان “الإسلام اما سياسة أو لا شيء”. أما الوسائل فكانت مراقبة المواطنين والقمع وتنظيم الانتخابات ضمن حدود ضئيلة من الانحراف عن العقيدة. وما زال التوتر قائم بين المتشددين والمعتدلين في ايران حتى الآن.
لقد كان للجمهورية الإسلامية عدد من الرؤساء “المعتدلين”، مثل محمد خاتمي في بداية العقد الأول في القرن الواحد والعشرين، الذي ابتكر فكرة “تحالف الحضارات” (ما زال هناك قسم بهذا الاسم في الأمانة العامة للأمم المتحدة)، والرئيس الحالي مسعود بزشكيان، الذي يعمل بجهد على تحقيق التفاهم مع الغرب.
الثورة الفرنسية علمتنا ان نشر رسالة الثورة الى دول أخرى من خلال حروب الغزو كان وسيلة مجربة وفعالة لحماية الثورة في الداخل. وفي الاتحاد السوفييتي سابقا، ففي حين استخف ستالين بطموحات خصمه تروتسكي، إقامة ثورة دائمة في ارجاء العالم، استغل زخم انتصاره على المانيا النازية لبناء حزام واقي من الدول الشيوعية التابعة على حدود الوطن الثوري بواسطة الغزو والاكراه.
هذه الفكرة تبنتها الجمهورية الإسلامية، ويمكن رؤية في الإخفاقات الشاملة لإيران في هذا المجال سبب مهم – حتى لو كان ليس السبب الوحيد – لازمة الثورة الإيرانية. ومثلما أظهرت التجربة السوفييتية فان ضعف مكانة النظام في امتداداته الخارجية هو تهديد لا يقل خطرا على شرعيته بسبب فشله في إدارة التحديات الداخلية.
في السعي المحموم للهيمنة الإقليمية فان الجمهورية الإسلامية اغفلت العقد غير المكتوب السائد في معظم الدول العربية في الشرق الأوسط: استقرار النظام مقابل دعم السلع الأساسية. وقد اجبر التوتر الاقتصادي الناتج عن الانفاق المبذر على المليشيات التابعة لها والاحتياجات المحلية، ايران على خفض الدعم للغذاء والوقود. وهكذا فانه بسرعة تحولت الاحتجاجات في 2022 بسبب خفض الدعم، بقيادة شباب الطبقة العاملة، الى مظاهرات ضد النظام الديني الإيراني كله.
“الحركة الخضراء” في العام 2009 شكلت نقطة تحول في ايران، اذ تحدت التركيز الإلهي للثورة لصالح مواضيع قضايا مدنية بحتة. وفي هذا التطور لخطاب الاحتجاج مهدت الحركة الطريق للمجتمع ما بعد الثوري التي يسعى اليها الجيل الثالث الآن. هذا هو جيل المواطنين الذين ولدوا بعد الثورة وحرب التضحية بين ايران والعراق، وهو منفتح اكثر من الأجيال السابقة على الثقافة العالمية والشبكات الرقمية، ويواجه الخطاب الاجوف للثورة بقيمة الاستقلال الفردي. لقد ركزت المظاهرات في اعقاب موت الشابة مهاسا اميني في 2022 – بعد اعتقالها بعنف على يد “شرطة الاداب” بسبب عدم ارتداء الحجاب في الأماكن العامة – على حقوق المرأة، متحدية بشجاعة السلطة الدينية، بل والاسس الأيديولوجية التي تقوم عليها الجمهورية الإسلامية.
احتجاج الحجاب كان بمثابة مقدمة مثلما يحدث الان، حيث عبر عن صعوبات جيل الـ زيد، رغم عدم افتقاره للجانب الاقتصادي، وركز على القيم التي يطمح اليها الجيل الجديد: العلمانية، الحرية والتوق الى الفرص التي يوفرها هذا العصر لنظرائهم في الغرب. احتجاجات الجيل الثالث تسقط النظام في شرك الشرعية الذي لا مناص منه الا بتغيير جذري، حيث يتحول مبدأ القدسية الدينية الى مبدأ واجب الحكومة في توفير الرعاية والرفاه لمواطنيها. بالنسبة للمحتجين، فقد الإسلام القدرة على استقطاب الأنصار، ويعتبر احراق عشرات المساجد في المظاهرات في هذا الشهر الدليل على علمانية هذا الجيل وتطلعاته للنظام المستقبلي. في نفس الوقت أدى التدهور الاقتصادي والفساد وتمترس النخبة الثورية في عوالمها الخاصة الى تقويض ادعاء الثورة بالتفوق الأخلاقي على حكم الشاه.
احتجاجات هذه الأيام تحدث على خلفية عقوبات دولية قاسية، وأزمة خلافة للزعيم الأعلى العجوز. خامنئي، المريض والضعيف والمتعصب وكان الثورة ما زالت في ذروة الازدهار، يجسد شخصية النظام في صورته النهائية. يبقى من غير الواضح مدى الوحدة او الانقسام في داخل النخبة الدينية والحاكمة، وهنا يكمن مستقبل الثورة. الثورات لا تنهار فقط تحت ضغط الاحتجاجات الشعبية، بل تسقط أيضا عندما تنقسم النخبة الحاكمة نتيجة تناقضات داخلية لا يمكن إصلاحها. هكذا جاءت البريستوريكا في الاتحاد السوفييتي على خلفية تشرذم النخبة الحاكمة ومحاولة متسرعة لادخال إصلاحات عجز النظام عن استيعابها. كان امام ميخائيل غورباتشوف خيار القمع على الطريقة القديمة (بما في ذلك في الدول التابعة في أوروبا الشرقية)، لكنه رفض ذلك بحق على اعتبار انه ينتمي لزمن لن يعود. وما زالت الجمهورية الإسلامية تملك خيار القمع على غرار كوريا الشمالية، لكن التهديد بالتدخل الخارجي ما زال له تاثير رادع.
عندما تنهار منظومات مستبدة بدون خارطة طريق ديمقراطية موثوقة فان النتيجة تكون تفكك خطير. في الحالة الراهنة لا يقتصر الخطر على ايران فقط، بل هو يمتد الى كل المنطقة، لا سيما اذا تم فرض الانتقال من الخارج وانزلقت ايران الى حرب أهلية على غرار الحرب السورية، أو ما هو أسوأ. عندها سيحمي قادة النظام في طهران مصالحهم، وليس نقاء الثورة الإسلامية، بنفس الحماسة التي تميزت بها سلالة الأسد وحزب البعث في سوريا. وقد يؤدي ذلك الى استيلاء شخص قوي من حرس الثورة أو الجيش على السلطة، رغبة في الحفاظ على جوهر النظام، حتى لو كان ذلك تحت ستار مختلف.
نحن نميل الى نسيان ان المنافسة بين الدول العظمى اليوم تشبه سعي امبراطوريات القرن التاسع عشر الى الموارد الطبيعية، التي يعتبر بعضها – المعادن النادرة – مهم جدا للصناعة الرقمية. بالنسبة لترامب فان اخضاع احتياطي ايران من النفط والمعادن النادرة الى استراتيجيته التي ترمي الى احتواء الصين، اكثر أهمية بكثير من تطلعات الشعب الإيراني الى الديمقراطية.



