هآرتس: عندما تحاول إسرائيل ان تحكم الفلسطينيين، تقرب جولة العنف القادمة
هآرتس 6/2/2026، شاؤول اريئيلي: عندما تحاول إسرائيل ان تحكم الفلسطينيين، تقرب جولة العنف القادمة
منذ تشرين الأول 2023، تجري امام انظارنا عملية خطيرة وعميقة تغيب عن انظار الكثيرين: الشعب الفلسطيني يفقد تمثيله السياسي بالفعل. ليس بقرار رسمي حاسم، أو اعلان من الأمم المتحدة، بل نتيجة تضافر حرب مدمرة وانهيار مؤسسي فلسطيني وتفضيل واع من جهات خارجية لادارة الواقع بدلا من البت في تقرير مصير الشعب الفلسطيني. القضية الفلسطينية – التي دارت لعقود حول الحقوق الوطنية والسيادة وصنع القرار السياسي – تتم إعادة صياغتها بشكل متزايد كمشكلة تقنية: من سيوزع المساعدات؟ من سيفرض النظام؟ من سيدير شؤون السكان المدنيين؟ من سيفعل ذلك بدون ان يطلب من السكان الفلسطينيين انفسهم الاختيار أو الموافقة أو تحمل المسؤولية؟.
هذا الحرمان من التمثيل ليس نتيجة الفوضى، بل هو نتيجة توجه متعمد. لقد وجد نتيجة فشل القيادات الفلسطينية، أيضا نتيجة موقف استراتيجي لإسرائيل والميل الدولي لتفضيل الاستقرار الوهمي على حل سياسي حقيقي. النتيجة هي حدوث تحول مخفي، لكنه جوهري، من النظر للفلسطينيين كشعب له حقوق قومية معترف بها في كل ارجاء العالم الى النظر اليهم كمجموعة سكانية لا يوجد لها قيادة واضحة، والتي يجب ادارتها.
حتى تشرين الأول 2023 كانت الساحة الفلسطينية تعاني من ازمة تمثيل شديدة، لكن لم يكن هناك فراغ، فقد استمر الاعتراف الدولي بـ م.ت.ف كممثل شرعي للشعب الفلسطيني، ومارست السلطة الفلسطينة حكم مدني وامني محدود في الضفة الغربية، بينما سيطرت حماس على قطاع غزة وقدمت نفسها كبديل وطني وايديولوجي، حتى لو كان متطرف وعنيف. النظام السياسي كان منقسم وجامد ويفتقر الى الشرعية بسبب غياب الانتخابات، ولكنه مع ذلك وفر اطار تمثيلي واضح، مع وجود جهات يمكن من خلالها المطالبة بالمساءلة.
الحرب في قطاع غزة دمرت هذا الاطار. فحماس، التي اختارت مسار متطرف انطلاقا من الافتراض ان هجوم استثنائي سيعيد القضية الفلسطينية الى صدارة المشهد السياسي ويفرض تغيير سياسي في صالحها، فقدت القدرة على ان تكون العنوان التمثيلي للحكم. فمؤسساتها انهارت وأجهزتها تدمرت وتم القضاء على قيادتها العليا أو أجبرت على العمل بالسر. ورغم احتفاظها في الوقت الحالي بقدرة عسكرية ما والسعي الى إعادة بناء مؤسساتها بمساعدة تركيا وقطر، الا أنها لم تعد تمثل أي سلطة مدنية أو سياسية، ولا يمكن محاسبتها امام الشعب الذي تدعي تمثيله.
من جهة أخرى، انكشفت السلطة الفلسطينية بكل ضعفها. فهي لم تؤثر في مسار الحرب، ولم تقدم أي افق سياسي. وقد اشارت الاستطلاعات التي أجريت في كانون الأول 2023 الى انهيار حاد في ثقة الشعب الفلسطيني بمحمود عباس والسلطة الفلسطينية، إضافة الى مطالبة واسعة النطاق باجراء الانتخابات الشاملة وتغيير القيادة. في الواقع تستمر السلطة الفلسطينية بالوجود بفضل التنسيق الأمني مع إسرائيل واموال الضرائب من إسرائيل والتبرعات والضغط الدولي – وليس بفضل تفويض من الشعب.
هنا يدخل الى الصورة لاعبين من الخارج وتبدأ المشكلة الحقيقية. فلم تعد الولايات المتحدة والدول العربية والمجتمع الدولي يسألون من الذي يمثل الفلسطينيين، بل كيف يحكمونهم. لقد تحول النقاش من الحقوق الى التنظيم، ومن السيادة الى إعادة الاعمار، ومن الحل السياسي الى آلية مؤقتة. تتم مناقشة مستقبل قطاع غزة من منظار “الإدارة المدنية” وقوة الاستقرار، وليس من منظار الانتخاب والتمثيل والمسؤولية.
تجمعت سلسلة من الخطوات التي اتخذتها إسرائيل والولايات المتحدة والدول العربية منذ تشرين الأول 2023 وشكلت عملية جردت الفلسطينيين بالفعل من القدرة على تمثيل انفسهم بشكل مستقل: القضاء على سلطة حكم حماس واضعاف السلطة الفلسطينية وم.ت.ف ومحاولات دولية لتشكيل قيادة فلسطينية “ملائمة اكثر”. ان الخطط المتعلقة بمستقبل قطاع غزة – حكومة تكنوقراط وقوة دولية – لا تقدم أي حل سياسي حقيقي، بل بديل افتراضي. والقاسم المشترك بينها كلها هو غياب آلية تمثيل فلسطينية منتخبة أو متفق عليها. الفلسطينيون ليسوا شركاء. وليس لديهم أي خيار أو تفويض أو التزام من قبلهم بالحلول المقترحة.
إسرائيل ليست متفرجة. فالحكومة اليمينية الحالية ترفض بشكل علني عودة السلطة الفلسطينية الى قطاع غزة، وتعارض أي افق لسيادة فلسطينية. وفي ظل غياب قيادة فلسطينية شرعية فان ادعاء “عدم وجود شريك” يتحول من وصف (مشوه) للواقع الى سياسة ترسخ هذا الواقع. ان الفراغ التمثيلي لا يعتبر خلل عابر، بل هو مكسب سياسي في نظر الحكومة.
التاريخ في هذه الحالة ليس مجرد تشبيه ادبي، بل هو بمثابة جرس انذار. فكما حدث في احداث 7 أكتوبر، أيضا نكبة 1948 (التي بدأت برفض الفلسطينيين لقرار التقسيم وشن الحرب لالغائه) أدت الى فقدان الشعب الفلسطيني لتمثيله السياسي. لقد تفكك المجتمع الفلسطيني وتم القضاء على قيادته أو نفيها وانتقلت مسؤولية “القضية الفلسطينية” من الفلسطينيين الى الدول العربية، سواء بتوقيع اتفاق الهدنة في 1949 أو في نقاشات مؤتمر لوزان للمصالحة في نفس السنة حول قضية اللاجئين الفلسطينيين. وقد ترتب على ذلك فقدان الصوت السياسي وفقدان المسؤولية أيضا.
في ظل غياب جسم فلسطيني معترف به وملتزم، لم تكن هناك جهة مخولة لاتخاذ قرارات والطلب منها العمل حسب معايير المجتمع الدولي. وبدلا من ذلك أصبحت القضية الفلسطينية أداة في يد الأنظمة العربية التي تصرفت بحسب مصالحها الخاصة وليس وفق مصالح الفلسطينيين. كان الفلسطينيون حاضرين بالفعل، لكنهم غائبون ككيان سياسي مستقل، الامر الذي انعكس في قرار الأمم المتحدة 194 من العام 1948 وقرار 242 من العام 1967.
كان غياب الفلسطينيين ككيان مستقل، إضافة الى رفضهم الاعتراف بإسرائيل، نتيجة لموجة عنف. ففي خمسينيات وستينيات القرن الماضي، مع محاولة اللاجئين للعودة، ظهر الفدائيون أيضا: عمليات تسلل وهجمات ضد إسرائيل. في ذلك الحين لم تكن هناك قيادة فلسطينية مسؤولة يمكن مطالبتها بضبط النفس، أو قيادة ترغب أو تقدر على الالتزام بترتيبات سياسية. وقد عانت الدول العربية من اعمال الجيش الإسرائيلي الانتقامية ردا على ذلك.
لم يحدث أي تغيير في تمثيلهم الا عندما اعترف المجتمع الدولي بـ م.ت.ف في تشرين الثاني 1974، كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني (قرار مجلس الامن رقم 3236). الاعتراف لم يحل الصراع، لكنه رسخ اطار للمسؤولية. فمنذ اللحظة التي أصبحت فيها م.ت.ف كيان سياسي، اصبح لزاما عليها تحمل تبعات قراراتها والتعامل مع متطلبات النظام الدولي. وقد بلغت هذه العملية الذروة في 1988 عندما وافقت م.ت.ف رسميا على قرار مجلس الامن 242 و338، واعتمدت مبدأ التسوية السياسية في اعلان الاستقلال الفلسطيني في الجزائر. وبعد ذلك في اتفاقات أوسلو في 1993، واعترفت بدولة إسرائيل في حدود 1967. هذا لم يحدث لان الفلسطينيين تنازلوا عن كل تطلعاتهم، بل لان لهم قيادة معترف بها ويطلب منها تحمل مسؤولية دولية، التي بالضرورة أدت الى حل وسط. النتيجة التاريخية واضحة: شعب بدون قيادة معترف بها لا يمكن ان يكون شريك في أي اتفاق، أيضا هو غير ملزم بالقواعد. في مثل هذه الحالة لا يعتبر العنف خلل، بل نتاج بنيوي.
من هنا فان مصادرة تمثيل الفلسطينيين منذ تشرين الأول 2023 ليست فقط مشكلة أخلاقية أو فشل سياسي، بل هي خطر استراتيجي. فعلى الصعيد السياسي ينتج عن ذلك فراغ خطير واحتمال لزيادة الفوضى والتطرف. وعلى الصعيد القانوني ينتج عن ذلك ترسيخ وضع إسرائيل كقوة احتلال ووضع الفلسطينيين كضحايا بحاجة الى الحماية الدولية. ان محاولة حكم الفلسطينيين بدون الاعتراف بتمثيلهم لا تؤدي الى الاعتدال، بل تعيد خلق الظروف التي أدت الى العنف في السابق.
الفراغ يدفع المجتمع الفلسطيني نحو التطرف، تشتت السلطة، صعود المليشيات المحلية واضعاف أي اطار وطني موحد. وتظهر بوادر ذلك بالفعل في الضفة الغربية، مع تفكك صلاحيات السلطة الفلسطينية في مخيمات اللاجئين والمدن الشمالية. قانونيا يرسخ نزع التمثيل مكانة إسرائيل كقوة احتلال مسؤولة. وبقدر غياب سلطة فلسطينية فاعلة وعدم وجود حكومة محلية معترف بها في قطاع غزة، يزداد الادعاء بان مسؤولية السكان تقع على عاتق إسرائيل، حسب القانون الدولي. ومحاولة إسرائيل إدارة قطاع غزة “من بعيد” أو بواسطة جهات خارجية، لا تعفيها من هذه المسؤولية.
أيضا في الساحة الدولية يزداد القلق حول مكانة م.ت.ف كممثل للشعب الفلسطيني. فقد اكدت قمة الرياض العربية في تشرين الثاني 2023 على ان م.ت.ف هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، ودعت الى وحدة حدود بين الضفة الغربية وقطاع غزة. ولكن في الواقع يتم اتخاذ القرارات بدون استشارة الفلسطينيين، وينظر اليهم كمشكلة إنسانية وليس كشعب له حقوق سياسية. ويزيد هذا الوضع من شعور الفلسطينيين في الشتات بالاغتراب عن الحلول المطروحة. فملايين اللاجئين الذين كانوا ينظرون لـ م.ت.ف كرمز، يجدون انفسهم الان مستبعدين من النقاش حول مستقبلهم. الاحتجاجات الجماهيرية في ارجاء العالم منذ تشرين الأول 2023 تعكس ليس فقط التماهي مع قطاع غزة، بل تعبر أيضا عن المطالبة بالتمثيل الذي تم سحبه منهم.
يجب على إسرائيل، الولايات المتحدة، الدول العربية والدول الأوروبية، الادراك بان استمرار السيطرة على شعب ليس له تمثيل، لا يعفي من المسؤولية، بل يعمل على تعميقها. فهو لا يحقق الامن، بل يؤجل القرار ويمهد الطريق لجولة عنف أخرى. ان حرمان الفلسطينيين من التمثيل لا يحيد التطرف، بل التنازل المسبق عن احتمالية مطالبتهم بتحمل المسؤولية. ان تجاهل دروس التاريخ اليوم ليس نتيجة سذاجة أو ضرورة، بل هو خيار متعمد. وهذا الخيار يؤدي الى الخلف وليس الى الامام، ليس الى حل، بل الى تكرار فشل مؤكد. فبدون تمثيل لا توجد مسؤولية، وبدون مسؤولية لا يوجد التزام.
هذا الوضع يستدعي حلول إبداعية. ان تجديد شرعية التمثيل للفلسطينيين يحتاج الى اجراء اصلاح شامل في م.ت.ف واجراء انتخابات عامة بمشاركة كل الفصائل واللاجئين في الشتات، وإعطاء اهتمام خاص للجيل الشاب المثقف والذي يسعى الى التغيير. ان الفشل في تحقيق الوحدة الفلسطينية قد يؤدي الى استمرار “إدارة الصراع” من قبل جهات خارجية، وعلى رأسها إسرائيل، وتاجيل حله الى اجل غير مسمى.
من الواضح ان الشعب الفلسطيني لم يتنازل عن تطلعاته المشروعة والعميقة للتمثيل والتحرر، ولكن الأدوات لتحقيق ذلك تم سلبها منه، الامر الذي حول مبدأ م.ت.ف الفلسطينية الأساسي – استقلالية القرار – الى حبر على ورق. فهل سينجح الفلسطينيون في تشكيل قيادة موحدة جديدة تستعيد الشرعية الدولية بعد الدمار في قطاع غزة والازمة في الضفة الغربية؟. هذا سيتضح في السنوات القادمة.



