هآرتس: طريق العودة الى القطاع: 5 كيلو متر من التحقيقات، التهديدات والاهانة

هآرتس 11/2/2026، يردين ميخائيلي، روان سليمان ونير حسون: طريق العودة الى القطاع: 5 كيلو متر من التحقيقات، التهديدات والاهانة
بعد فترة طويلة من الاغلاق، اعيد فتح معبر رفح في الأسبوع الماضي امام حركة مرور محدودة في الاتجاهيه، في اطار تنفيذ المرحلة الثانية في اتفاق وقف اطلاق النار الذي اعلنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وحتى يوم الاحد عبر 284 شخص في معبر رفح، نصفهم الى ذهبوا الى مصر والنصف الثاني دخلوا الى القطاع. هذا حسب بيان صادر عن قوة المراقبة الأوروبية الموجودة في المعبر.
الآن بعد أسبوع على بدء تشغيل المعبر تتيح لنا شهادات سكان غزة وافلام الفيديو وصور الأقمار الصناعية فهم الية دخول قطاع غزة، وتشارك في هذه الالية ست جهات على الأقل وهي مصر والسلطة الفلسطينية وممثلون عن الاتحاد الأوروبي ومليشيا أبو شباب التي تعمل برعاية ودعم إسرائيل وجنود الجيش الإسرائيلي والأمم المتحدة.
يمتد المسار كله مسافة 15 كم، التي يخضع فيها الغزيون العائدون الى القطاع للتفتيش في نقاط مختلفة. المسار يبدا من معبر رفح وينتهي عند مستشفى ناصر في خانيونس. ورغم إمكانية اكمالها نظريا في وقت قصير الا انها في الواقع رحلة متعبة تستغرق حسب الشهادات تقريبا 24 ساعة واحيانا اكثر من ذلك. وأفاد الغزيون الذين عادوا الى القطاع انهم واجهوا تحقيق وتاخير وتهديد واهانة وقيود على ادخال الأموال والاغراض خلال هذه الرحلة.
فلسطينيون عادوا الى القطاع قالوا لوسائل الاعلام بان السفارة الفلسطينية في القاهرة اتصلت معهم في الليل من اجل التوجه الى مدينة العريش الساحلية المصرية قرب رفح، ومن هناك توجهوا الى معبر رفح، وخضعوا لإجراءات التفتيش الأمني، وانتظروا فترة طويلة قبل دخول القطاع. وقد قالت صباح الرقب (41 سنة) لصحيفة “فلسطين”: “قمنا بحزم امتعتنا في الثانية فجرا في يوم الاثنين وانطلقت الحافلة نحو المعبر في الساعة الثالثة فجرا ووصلنا الى المحطة المصرية في السادسة صباحا. قاموا بتفتيشنا وانتظرنا الى غروب الشمس ليفتح الطرف الفلسطيني المعبر من اجل ختم جوازات السفر”.
بعد إتمام الإجراءات المصرية وعبور الحدود يمر العائدون الى القطاع في نقطة تفتيش في الطرف الفلسطيني في المعبر. وتجري عملية اعداد المعبر لاعادة فتحه، وتفصل اسوار معدنية مع اسلاك شائكة بين مسارات الدخول والخروج. يدار معبر غزة من قبل قوات السلطة الفلسطينية تحت رقابة قوة تابعة للاتحاد الأوروبي باسم “ايو بام رفح”. ولا يوجد أي تواجد للجيش الإسرائيلي في المعبر. ومن بين الإجراءات المتبعة فحص واستخدام التعرف على الوجه، ويسمح للعائدين بحمل حقيبة واحدة تحتوي على ملابس ووثائق، وهاتف محمول واحد وتقريبا 2000 شيكل، ويحظر ادخال السوائل.
بعد انهاء التفتيش وعند خروجهم من المعبر يجد الغزيون العائدون انفسهم في الأراضي التي تخضع لسيطرة إسرائيل. يركبون الحافلات نحو نقطة تفتيش تابعة للجيش الإسرائيلي، التي تبعد 5 كم عن شارع صلاح الدين، لكنهم لا يصلون الى نقطة التفتيش مباشرة، بل يتم توقيفهم في البداية من قبل أعضاء مليشيا أبو شباب، وهي قوة فلسطينية محلية تعمل برعاية إسرائيل. وقد اثار التعاون بين الجيش الإسرائيلي وهذه المليشيا في السابق انتقادات شديدة، حتى من قبل قادة الجيش الإسرائيلي انفسهم. وفي الأسبوع الماضي اكد مصدر امني للصحيفة بان أعضاء المليشيا يرافقون الغزيين الداخلين الى القطاع.
حسب شهادات وافلام فيديو فان أعضاء المليشيا يرافقون الغزيين الى نقطة التفتيش التي أقامها الجيش الإسرائيلي على مفترق صلاح الدين – موراغ، وهي الطريق التي اقتحمها الجيش الإسرائيلي اثناء الحرب. وقد جمع مكتب الأمم المتحدة لحقوق الانسان ادلة تفيد بان المسلحين كبلوا ايدي بعض الغزيين العائدين للقطاع وقاموا بعصب عيونهم وتهديدهم. إضافة الى ذلك جاء ان أعضاء المليشيا قاموا بتفتيش امتعة العائدين وسرقوا ممتلكاتهم الشخصية واموالهم.
قائد مليشيا أبو شباب، غسان الدهيني، اصدر بيان طالب فيه العائدين الى القطاع بالانضمام لصفوفه في القطاع الخاضع لسيطرة إسرائيل وقال: “الى كل من يعود الى غزة، الذين يعارضون الإرهاب ويرغبون في الانضمام الينا والعيش في رفح، يرجى منهم التوجه الى حاجز القوات الشعبية في منطقة معبر رفح”.
بعد ذلك يقوم أعضاء أبو شباب بتسليم العائدين الى غزة للجيش الإسرائيلي في نقطة تفتيش تم انشاءها حديثا على الشارع الرئيسي ويسميها الجيش “نكاز رغافيم”. وتوجد في هذه النقطة منذ فترة طويلة قاعدة عسكرية إسرائيلية كبيرة نسبيا. ويستغرق المرور في نقطة التفتيش الإسرائيلية بضع ساعات، هذا حسب شهادات غزيين نشرت في وسائل الاعلام العربية.
“أنا خفت كثيرا. تواجدنا ثلاث ساعات في منطقة التحقيق. لم استطع المشي أو الحركة لانني اعاني من ارتفاع في ضغط الدم ومشكلة في القلب”، قالت عصمت صافي (48 سنة) لصحيفة “العربي الجديد”. “تركوني مع ابنتي واحفادي في منطقة محاطة بالكاميرات والاسلاك الشائكة. بعد ذلك نادوني وسألوني عن اسمي وعن احفادي ومكان سكني. سمعت امراة أخرى تبكي في غرفة تحقيق مجاورة. كان هناك أيضا رجل مسن معنا، قاموا بتكبيل يديه وعصبوا عيونه وحققوا معه بقسوة”.
هذا يتوافق مع الشهادات التي جمعتها الأمم المتحدة بشان ما حدث عند نقطة تفتيش الجيش الإسرائيلي. وحسب المكتب “العائدون تحدثوا عن نمط من العنف والتحقيق المهين والتفتيش الجسدي المهين، وفي بعض الحالات كانت عيونهم معصوبة وايديهم مكبلة. وافادوا أيضا بان الجنود منعوهم من الحصول على العلاج عند حاجتهم الى ذلك ومن استخدام المراحيض”. وجاء أيضا ان بعض العائدين قالوا انه تم سؤالهم اذا كانوا سيوافقون على اخذ الأموال للعودة الى مصر مع عائلاتهم وعدم العودة الى القطاع. آخرون شهدوا بانه تم عرض الأموال عليهم كي يصبحوا متعاونين مع الجيش الإسرائيلي.
بعد عملية التفتيش في هذه المحطة يركب العائدون الحافلات بمرافقة أعضاء برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. الحافلات تجتاز الخط الأصفر – خط الفصل بين القوات – وتدخل الى المناطق التي تخضع لسيطرة حماس ومن هناك الى مستشفى ناصر في خانيونس. وعند النزول من الحافلات في خانيونس تم توثيق بضع نساء من غزة وهن يناشدن الحشود بـ “عدم المغادرة وعدم الهجرة من غزة”.
إضافة الى الراغبين في العودة الى غزة هناك عدد كبير من سكان غزة يعملون على مغادرة القطاع لتلقي العلاج في الخارج. وحسب منظمة الصحة العالمية فانه ينتظر 18.500 شخص، بينهم 4 آلاف طفل، المغادرة. وفي الأسبوع الذي مر منذ فتح المعبر لم يغادر الا اقل من 150 شخص، وهو نفس عدد الذين دخلوا الى القطاع.
في يوم الاحد طلبت جمعية “غيشاه” وجمعية “عدالة” الاسرائيليتان من وزير الدفاع يسرائيل كاتس والمدعي العام العسكري والمستشارة القانونية للحكومة اصدار أوامر للجيش الإسرائيلي بالتوقف عن إساءة معاملة الراغبين في العودة الى قطاع غزة.
في الرسالة قال المحامي محمد عوض والمحامية منى حداد بان هدف إساءة معاملة العائدين هو منع المزيد من الفلسطينيين من العودة الى القطاع. ويبدو ان السكان العائدين قد تم اخذهم بشكل قسري من قبل مليشيات مسلحة تعمل بتنسيق مع الجيش الإسرائيلي، وتعرضت حياتهم وسلامتهم للخطر، وخضعوا لتحقيقات امنية مطولة كشرط لعبورهم. وتشير الشهادات وسلوك الجيش الى ان هذه الإجراءات لم تهدف فقط الى إهانة السكان العائدين، بل أيضا تخويف الذين يريدون العودة الى قطاع غزة.
حسب اقوال المحاميين فان هذا السلوك مخالف لالتزام إسرائيل بالقانون الدولي. ضمن أمور أخرى ينص الإعلان الدولي لحقوق الانسان على ان “كل شخص له الحق في مغادرة أي دولة، بما في ذلك دولته، والعودة اليها. هذا الحق مكفول بعدة معاهدات وقعت عليها إسرائيل، بما في ذلك التعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسة واتفاق جنيف واتفاق مناهضة جريمة الفصل العنصري وميثاق روما”.
احد الغزيين الذي عاد الى القطاع قال لوكالة “وفا”: “الالاف يعيشون على امل العودة. هناك قصص ماساوية لعائلات مشتتة، وازواج وزوجات في أماكن متفرقة وآباء لم يروا أولادهم الذي ولدوا. افتحوا المعبر حقا، بالفعل المعبر ما زال لم يفتح بعد”.
بعد نشر المقال رد الجيش الإسرائيلي على أسئلة “هآرتس”، وقال: “خلافا للادعاءات فانه لم يتم تسجيل أي احداث عن سوء المعاملة أو تجاوز من قبل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية اثناء التفتيش في نقطة العبور الإسرائيلية في معبر رفح لسكان غزة القادمين من مصر الى قطاع غزة. قوات الامن في معبر رفح تقوم بالتحقق من بطاقات هوية الداخلين حسب قوائم معتمدة من وزارة الدفاع. ويتم اجراء تفتيش دقيق للامتعة. وتجدر الإشارة الى ان سياسة ادخال الامتعة في معبر رفح والإجراءات الأمنية المختلفة تم الإبلاغ عنها ونشرت مسبقا لكل الأطراف”. الجيش الإسرائيلي لم يتطرق لشهادات الفلسطينيين حول استخدام مليشيا أبو شباب كجزء من آلية العودة الى قطاع غزة.



