هآرتس: رئيس الأركان يعرف جيدا ما يفعله الجنود في الضفة ولماذا

هآرتس 1/4/2026، عميره هاس: رئيس الأركان يعرف جيدا ما يفعله الجنود في الضفة ولماذا
في 30 كانون الثاني 1990 نشرت صحيفة “واشنطن بوست” مقال في الصفحة الاولى يصف كيف كان جنود الجيش الاسرائيلي يرحلون النساء والاطفال والرضع من الضفة الغربية الى شرق نهر الاردن بشكل منهجي في الليل بذريعة التواجد غير القانوني. وفي اعقاب نشر المقال اعربت وزارة الخارجية الامريكية عن قلقها على العائلات واملت ان تظهر اسرائيل المزيد من الحساسية والمرونة. وفي اليوم التالي امر وزير الدفاع اسحق رابين في حينه، بتعليق ترحيل المقيمين الاجانب من المناطق المحتلة “في انتظار مزيد من التوضيح حول هذه المسألة”.
لم يكن رابين بحاجة الى تقرير الـ “واشنطن بوست” كي يعرف كيف كان الجنود ينفذون الاوامر. كان يمكنه قراءة مقال رونيت متالون باللغة العبرية في ملحق “هآرتس” قبل ثلاثة اشهر تحت عنوان “في سيارة عمومية الى الجسر” كي يصاب بالصدمة. وحتى قبل نشر هذا المقال كان هو والمسؤولون الرئيسيون عن سياسة الطرد هذه، بما في ذلك رئيس الوزراء اسحق شمير ورئيس الاركان دان شومرون واللواء اسحق مردخاي قائد المنطقة الوسطى ورئيس الادارة المدنية شايكا ايرز، قد اطلعوا على تقارير منظمات حقوق الانسان الفلسطينية حول هذه المسالة، وعلى تقارير الصحف الفلسطينية في حدود ما سمحت به الرقابة.
من هذه الناحية لا يوجد أي جديد الان. فلم يكن رئيس الاركان ايال زمير بحاجة الى مقال في الـ سي.ان.ان حول عنف جنود الاحتياط ضد المراسلين الاجانب كي يعرف ان هذا هو سلوك الجنود، لا سيما الجنود المكلفين بحماية البؤر الاستيطانية المسلحة، بل والمساعدة في انشائها. وقد نشر تحقيق حول تعاون الجيش مع مؤسسي البؤر الاستيطانية بأمر من الجنرال آفي بلوط، قائد المنطقة الوسطى، في كانون الاول على قناة “كان 11”. لم يكن زمير بحاجة الى تسجيل صوتي للهجوم كي يعرف ان الخط الفاصل بين الجنود وشبيبة التلال قد تم طمسه. لقد سبق ونشرت تحقيقات وتقارير حول عنف كتيبة “نيتسح يهودا”، التي خدم فيها خدمة نظامية من هاجموا طاقم الصحافيين. ولم يكن بحاجة الى رؤية وجه عبد الله ضراغمة (75 سنة) من قرية تياسير المضمد أو سماع صوت انينه في مقال جيرمي دايموند كي يعرف ان سكان البؤر الاستيطانية للرعي وهم يضربونهم بشكل مبرح حتى ينزفوا، ويكسرون عظامهم، هم لا يميزون بين صغير وكبير أو بين امرأة ورجل أو بين فلسطينيين أو يهود أو اجانب، مع التركيز على الفلسطينيين. ويسارع جنود الجيش الاسرائيلي الى اعتقالهم اذا حاولوا الدفاع عن انفسهم وطرد من يهاجمونهم.
يتجاهل رد زمير على تقرير الـ “سي.ان.ان” والاستجابة السريعة لوسائل الاعلام الاسرائيلية الرئيسية للمقال، التوثيقات اليومية التي تاتي من الضفة الغربية والتي تنشر في الشبكات الاجتماعية، الصحف الفلسطينية وتقارير منظمات حقوق الانسان و”هآرتس”. تظهر بعض التقارير والوثائق العنف الذي يمارسه الجنود والمستوطنون والمواطنون الاسرائيليين اشد وطأة مما عرضه مراسل الـ “سي.ان.ان”. وتظهر حالات اخرى تراكم الازعاجات، وكلها بمنأى عن أي ملاحقة أو عقاب من قبل سلطات الامن والنظام. هل النزعة المحلية هي التي تجعل كبار المسؤولين في جهاز الرقابة الاسرائيلي لا ياخذون على محمل الجد الا مقال في قناة اجنبية معروفة وتعليق من وزير امريكي؟.
قبل الاجابة هيا نعود الى عملية الترحيل في 1989، التي جرت على النحو التالي، حسب وفق متالون: الطائرات المروحية حلقت فوق قرية في الضفة الغربية في الليل، وحاصرها عشرات الجنود وامروا الرجال في اعمار 13 – 40 سنة في مكبرات الصوت بالتوجه الى وسط القرية وتسليم بطاقات هوياتهم. تم تكبيلهم، وفي هذه الاثناء فرض حظر التجول. لقد رافق موظفو الادارة المدنية الجنود الى عائلة ما وطلبوا من المجرمين بحزم امتعتهم والتوجه على الفور في سيارة عمومية الى جسر اللنبي. في بعض الحالات طلب موظفو الادارة المدنية من مختار القرية مرافقتهم ونقل رسالة التركيل للمحكوم عليهم بالترحيل.
لقد كتبت متالون عن اخلاء عائلة من قرية قراوة بني زيد. “الجنود ايقظوا الاولاد وحثوهم على النزول وركوب السيارة. الاولاد خرجوا بدون احذية ولم يكن لهم وقت للاكل أو الشرب. الجدة القت الاحذية في السيارة في الخلف. وحتى ان فدوى طلب منها دفع 14 دينار للسائق العربي”. عندما عاد زوجها الى البيت بعد تكبيله في مركز القرية، لم يجد “زوجته واولاده”. وحسب منظمة “بتسيلم” فقد تم ترحيل حوالي 200 شخص بهذه الطريقة في ايار – كانون الاول 1989، نصفهم من الاولاد والاطفال الرضع، و46 في المئة منهم من النساء، 10 في المئة منهن حوامل، و4 في المئة من الرجال.
خلافا لما قاله رابين فان المرحلين في 1990 لم يكونوا اجانب، بل هم فلسطينيون. وايضا بعضهم ولدوا في الضفة الغربية واسرائيل حرمتهم من الاقامة او منعتهم من الحصول عليها بطرق كثيرة، وفق سياستها التي ترمي الى تقليل عدد الفلسطينيين المقيمين في المناطق التي احتلت في 1967. كانوا يعيشون في بيوتهم مع ازواجهم وآبائهم الذين توجد لهم اقامة. وقد خلص تقرير لـ “بتسيلم” و”موكيد” لحماية الفرد بعد بضع سنوات، الى ان الترحيل كان احد وسائل قمع السكان الفلسطينيين الثائرين في الانتفاضة الاولى.
بعد هدوء الضجة الاعلامية عادت اسرائيل الى الترحيل، حتى لو كان ذلك بطرق اقل وحشية. ان تعامل مصدر حكومي في حينه فقط على النشر الدولي لم يكن متزن، بل كان قرار مدرك. ومثلما هي الحال الآن، ايضا في حينه اثبتت السلطات بانها لم تكن تنوي تغيير السياسة التي تمت الاشارة اليها في تلك المنشورات. الرد الفوري على المنشور نفسه، ادانة لفظية أو تعليق لشخص أو اعطاء تعليمات، استهدف كسب الوقت من اجل العودة الى نفس المسار أو الى نوع جديد من نفس الاسلوب.
التجميد الطويل لاسلوب السيطرة العنيفة كان في فترة مناحيم بيغن عندما كان رئيس الحكومة. ففي الاعوام 1977 – 1983، قلت الشكاوى حول التعذيب في التحقيقات في الشباك. هذا ما وجده الباحث البروفيسور ستين كوهين والدكتورة دفنه غولان في تقرير بتسيلم في 1991. شهادات عن التعذيب اسمعت بعد فترة قصيرة من الاحتلال في 1967. المحامون الذين التقوا مع السجناء الفلسطينيين ابلغوا عن ذلك، ايضا في المحاكمات السرية الكثيرة كان يمكن سماع هذه الشهادات. ولكن ليس هذا هو الذي دفع بيغن للعمل، بل سلسلة المقالات في صحيفة “التايمز” اللندنية في 1977. في نفس الوقت، حسب التقرير، في تلك السنوات لم تتناقص شكاوى الفلسطينيين من ازعاج الجنود ورجال الشرطة في السجون. وفي 1984 عادت الشكاوى حول موضوع التعذيب في الشباك وحتى أنها ازدادت.
هذا المثال يذكر بان تغيير نمط العمل يعتمد بشكل كبير على الاوامر والتوجيهات والتعليمات الصادرة من اعلى. وينطبق العكس ايضا. فاذا لم يكن هناك أي تغيير افقي أو عمودي فان هذا دليل على عدم اصدار امر حول ذلك، وأن من لم يقم باصداره معني باستمرار هذا الوضع. هكذا هي الحال الآن: تستمر هجمات المستوطنين والجنود الذين يدعمونهم لان السلطات لا تتخذ أي اجراءات عقابية تكون درس للآخرين. وسبب عدم اتخاذ هذه الاجراءات هو ان هذه الهجمات تخدم سياستها.
كانت الرقابة من الخارج لاسرائيل اكثر اهمية بكثير بالنسبة لبيغن ورابين، مما هي عليه لحكومة نتنياهو وسموتريتش. والادهى من ذلك هو ان الحكومة الحالية تعمل في بيئة دولية وامريكية ودية اكثر من أي وقت مضى للاحتلال الاسرائيلي، أو على الاقل بيئة لم تعد تتظاهر حتى بالمطالبة بانهائه. مع ذلك قرار رئيس الاركان تعليق نشاطات كتيبة الاحتياط “نيتسح يهودا” (حتى يتسبب ضغط دوائر اليمين، الذي بدأ بالفعل، الى الغاء التعليق)، يظهر مع ذلك وجود اهتمام بـ “ما يقوله غير اليهود” لا سيما اذا كانوا من الولايات المتحدة.
لماذا هذا الاهتمام؟ لان رد فعل زمير الفوري يضعف قبضة العامل الدولي. ففي نهاية المطاف لن يتابع ماركو روبيو كل يوم افلام الفيديو الاخرى للجنود والمستوطنين، التي في العادة يقلل الفيس بوك مشاهدتها بسبب العنف الصارخ فيها. ايضا هذا الرد الفوري يسهل على المؤسسة الاسرائيلية التظاهر امام العالم الخارجي وفي المكالمات الهاتفية مع كبار المسؤولين الامريكيين والتصرف كما لو أن هذا هو حدث استثنائي. والاكثر اهمية من ذلك انها تتجاهل انه بطرق اقل عنفا – مثل البيروقراطية التي تمنع الفلسطينيين من البناء وفلاحة الاراضي وهدم البيوت وقرارات الحكومة ومصادقات المحكمة العليا – تواصل اسرائيل المضي قدما بخطوات كبيرة في خطة اقصاء الفلسطينيين عن معظم اراضي الضفة الغربية وحقولهم وزرع اكبر عدد من الركائز للاستيلاء اليهودي عليها.



