هآرتس – بقلم عاموس هرئيل – هكذا منعت أجهزة الأمن تحول ، 100 عملية الى انتفاضة ثالثة
هآرتس – بقلم عاموس هرئيل – 4/10/2019
بدأ هذا في مثل هذا الاسبوع قبل اربع سنوات: سلسلة من العمليات في الضفة الغربية و القدس والتي سرعان ما انزلقت الى حدود الخط الاخضر. بعد فترة هدوء نسبي، بمفاهيم المنطقة، وُوْجهت اجهزة الأمن بظاهرة جديدة تماماً: عشرات الشباب الفلسطينيين، معظمهم ليس له ماضٍ من النشاطات التخريبية، قاموا باستخدام ما يتوفر من اسلحة في متناول يدهم – ابتداءً من سكاكين المطبخ و حتى السيارات- من أجل ان يخرجوا منحيز التنفيذ موجة استثنائية من العمليات.
حتى نهاية سنة 2015، وقع ما يقرب 100 عملية ومحاولة تنفيذ عملية. قبل أن يخمد العنف، الى هذه الدرجة او تلك، بعد حوالي عام، قتل في هذه الموجة حوالي 50 إسرائيلياً، وأكثر من 200 فلسطينياً. معظم القتلى في الجانب الفلسطيني كانوا المخربين انفسهم، أي المهاجمون الذين أطلقت النار عليهم أثناء تنفيذ العملية أو بعد تنفيذها مباشرة.
وطوال عدة أشهر ناقشت أجهزة الاعلام الاسرائيلية مسألة الاسم المتوجب اعطاؤه لهذه الظاهرة. في الجيش والشاباك، سموا هذه الفترة بـ “احداث مقتضيات الساعة”. الصحفيون اطلقوا اسماء أخرى: “انتفاضة السكاكين” او “انتفاضة المنفردين”. بأثر رجعي، ربما أن الاسم الأخير هو الأكثر تعبيراً، حتى وإن كان قد اتضح أن مفهوم “انتفاضة” هو مبالغ به بالمقارنة مع قوة الموجة وتداعياتها. “هآرتس” سمتها طوال عدة أسابيع “بالانتفاضة الثالثة”. اتضح اننا اخطأنا، لأنه سرعان ما تم وقفها.
كيف تم وقف الانتاضة الثالثة، قبل أن تتحول لتصبح كذلك؟ يبدو أن اريك (هاريس) بيربنج هو الشخص المناسب للإجابة عن ذلك. في الفترة التي سبقت اندلاع الاحداث كان هو رئيس قسم السايبر في الشاباك. خلالها كان قد أصبح رئيساً لمنطقة القدس والضفة في الجهاز. في مقال نشره مؤخراً في مجلة الجيش الاسرائيلي “بين الأقطاب”، سويه مع النقيب اور غليك، يحلل بتوسّع فتر التوترات تلك، والتي تعلمنا كما يبدو قدراً لا بأس به عن التصعيد القادم في المناطق. هذا هو النشر الشامل وغير السري الأول لشخص شاهد الاحداث عن قرب.
يقول “بيربينج” أن عمليات الأشخاص المنفردين، لم تبدأ “بانتفاضة المنفردين”،ولم نفقه بها. اشارات أولية لمبادرة محلية هامة، ليس لها انتماء تنظيمي، ظهرت في عملية اطلاق النار القاتلة على المدرسة الدينية “مركاز هراب” وبعمليات الدهس بواسطة تراتكتورات في القدس في السنوات 2007-2008. موجة أخرى حدثت حول التوترات في الحرم في خريف 2014. في حين أن صيف 2017 وبعد أن انخمدت “انتفاضة المنفردين”، نفذ ثلاثة كخربين من العرب الاسرائيليين من ام الفحم عملية اطلاق نار قتل فيها شرطيان في الحرم.
الحرم شكل طوال سنوات محفزاً رئيسياً لتطرف الشباب الفلسطيني. الخوف، الذي يثور من حين لاخر بأن الاسرائيليين ينوون المسّ بالمسجد الأقصى أو تغيير ترتيبات الصلاة والزيارة فيه، يخرجهم عن طورهم المرة تلو الأخرى. من بين السطور يتضح أيضاً موقف السلطات ضد خطوات وحيدة الجانب في الحرم. بيربينج يصف قرار رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو بوضع البوابات الالكترونية في الحرم، رداً على مقتل الشرطيين (وهو القرار الذي تراجع نتنياهو عنه بعد حوالي اسبوع، وبضغط من أجهزة الأمن) كإشعال النار في الهشيم.
“ارهاب الفرادى” يكتب بيربينج، لا يشبه بخصائصه الارهاب الذي اعتادت اسرائيل مواجهته في سنوات الانتفاضة الأولى والثانية “وسائل القتال مختلفة، طرق العمل غير عادية وبالأساس القسمات الشخصية للأشخاص المنفذين للعمليات مختلف جوهرياً-المخربون هم أصغر عمراً، وليس لهم انتماء تنظيمي. هذا هو جوهر المشكلة التي وقفت أمام الشاباك في المعركة. الجهاز كان مطلوباً منه تغيير انماط العمل التقليدية، التي كانت تناسب مواجهة ارهاب منظم، وتبني طرق عمل و جمع معلومات عن الاسخاص المنفردين.
متوسط اعمار المخربين الجدد كان 16-20 عاماً بدلاً من 23-27 في فترات سابقة. بين المخربين ارتفعبصورة كبيرة دور النساء، اغلبهن فتيات صغيرات، عزباوات، و كان من بينهن من جاء من خلفية عائلية صعبة.
ليس فقط في أن معظم المخربين لم يكونوا مرتبطين بمنظمات ارهابية، فإنهم أيضاً لم يكن لديهم ايدولوجية اسلامية متطرفة، وجزء منهم كانوا يعيشون نمط حياة “علماني” جداً.
وحتى كانوا عملوا في إطارلا خلايا، فقد كانت تلك خلايا صغيرة قامت بالحصول على سلاح بجهودها الذاتية(غالباً سلاحاً ابتدائياً من نوع كارلو)، ولم يكن لديهم أي تراتبية تنظيمية. في حالات عديدة، كانت تلك “عمليات إلهام”، حيث اراد المخربين تقليد نجاح سابق لشبان آخرين، حظيت افعالهم باهتمام شديد.
وقد كتب بيربينج، ان الساحة بدأت بالغليان في أعقاب اختطاف وقتل الشبان الثلاثة الاسرائيليون في “غوش عتسيون” في حزيران 2014، وعملية “الجرف الصامد” في غزة، والتوتر حول الحرم في تشرين أول من ذلك العام. الموجه التي اندلعت بعد حوالي العام، تأثرت هي أيضاً من المواجهة في الحرم. والتي جاءت من شعور الفلسطينيين بأن اسرائيل تريد تغيير الوضع القائم في الحرم. و بيربينج يشخص “انعدام ثقة مطلقة تجاه نوايا السلطات الاسرائيلية بشكل عاموتجاه نواياها في الحرم بشكل خاص … الحرم هو العامل المشترك الناجح لخلق تماهي في اوساط كل مكونات الشارع الفلسطيني، شيباً وشباناً -علمانيين و متدينين.
الغضب بسبب المصابين الفلسطينيين الكثيرين في الحرب في غزة، حفّز أيضاً الرغبة في الانتقام. وقد انضم لهذا الاحتكاك الدائم مع جنود الجيش الاسرائيلي في الضفة، و بعمليات الاعتقال والحواجز، الضائقة الاقتصادية في الضفة (رغم ان الوضع هناك افضل مما هو في القطاع)، الوضع السياسي والاحباط من حكم السلطة الفلسطينية ،وبالاساس النساء من بينهم، عملية على خلفية مشاكل شخصية، حين احتمالية الموت – الامر الذي يعتبر كموت الابطال- يبرد في نظرهن عملية كانت في الواقع “انتحار بواسطة الجيش الاسرائيلي” .
مشبوهين مجهولين
بيربينج يركز على دور الوسائل التكنولوجية وبالأساس الشبكات الاجتماعية في نشر رسائل الانتفاضة، وفي نفس الوقت أيضاً في عمليات مكافحة الارهاب الاسرائيلية.
هو يذكر انه في بعض الحالات، كان المخربون يعطون اشارات عن نواياهم في الفيسبوك وعلى الشبكات الاجتماعية الاخرى، وحتى انهم نشروا “وصايا” قبل ذهابهم لتنفيذ العملية. ويكتب بيربينج انه اذا كان الحرم هو عود الثقاب فإن الشبكات الاجتماعية كانت هي البيئة التي اندلعت فيها النار وامتدت وانتشرت بسرعة. بالمقابل فإنه لا يولي أهمية خاصة لدور التحريض عبر وسائل الاعلام الفلسطينية ولنظام التعليم في الضفة. وهو يؤكد على أن هذه الظاهرة موجودة، ولكن تأثيرها على المخربين الفرادى ليس عالياً.
تغيير نمط الارهاب الفلسطيني الكلاسيكي، يكتب بيربينج، اجبر الشاباك على تطوير طريقة تفكير جديدة. “إن خبرة الجهاز كانت مبنية كلها تقريباً على فهم البنى الارهابية المنظمة… في ارهاب الفرادى، لم يكن هناك عنوان واضح بالامكان التحقيق فيه. الجهاز وقف أمام مخربين فرادى لم يكن لديهم بصمات عملية واضحة.والأكثر من ذلك، لم يكن هنالك أية معلومات عنهم لأن أغلبهم كانوا شباناً صغاراً جدأ، ولم يشاركوا في السابق في أعمال عنف. هذه الحقيقة صعبت من القدرة على التشخيص المسبق وعلى إعطاء تحذيرات.
إن خبرة الجهاز لم تكن تناسب إرهاب الفرادى”.
في مجال التحذير كان مطلوباً تطوير تموذج جديد، يستند على الصفات الشخصية للمخربين، ودراسة حالات سابقة. “بدلا من البحث عن نموذج لنشاطات العدو، انتقلنا إلى العثور على اشرارات تدلل على تغيير السلوك” –يكتب ببربينج- السلوك لم يتم مشاهدته في نشاطات جسدية، بل في تغييرات في السلوك الرقمي على الانترنت. ويضيف: متطرقاً للمرة الأولى بصورة مفصلة اساليب العمل الجديدة: الشاباك، “يبحث عن اشارات تدلل على أعمال تمهيدية (منشور على الشبكة، شراء سلاح)، زيادة او هبوط في حجم النشاط، إنشاء علاقات جديدة، انضمام إلى مجموعة أو تجمع افتراضي جديد وغيرها. إن مراقبة الشبكة وتشخيص نشاط استثنائي من بين “بحر المعلومات” كشفت عن تحذيرات لم يكن بالإمكان الوصول لها بالوسائل الاستخباراتية التقليدية”. المعلومات الرقمية الجديدة تم مطابقتها مع مصادر معلومات أكثر تقليدية مثل كاميرات وتقارير العملاء “الذكاء البشري المسمى يومنت”
بيربينج يكتب أن الجهاز “اعاد من جديد توجيه الموارد والحساسات. الجهاز خطط وطوّر وسائل تكنولوجية، تنفيذية واستخباراتية جديدة للتنقيب عن المعلومات. استخراج وصهر من داخل الانترنت. فوراً بعد ذلك، يتم تحويلها ليتم استخدامها من قبل الوحدات الطرفية. ومن أجل صهر المعلومات ودمجها بسرعة احياناً يقتضي الأمر استعداداً وتأهباً بعد دقائق من نشر “وصية الفيسبوك” فقد تم توثسق التعاون مع أذرعالأمن الأخرى، وعلى رأسها قيادة المنطقة الوسطى و قسم الاستخبارات في الجيش الاسرائيلي، ووحدة 8200 لديه. “البنية التحتية المعرفية لجهاز الاستخبارات العسكرية، التي تغطي اسكان يهوذا والسامرة، خلقت طبقات متعددة من المعلومات مكّنت القيام بمطابقة ما بين العديد من تفاصيل التعريف والتشخيص”.
البنية التحتية للشاباك” وجهت لانتاج ملفات عن كيانات “اشخاص، اجهزة حاسوب، بيوت” ان الخبرة التقليدية للجهاز، ومعرفة المنطقة: سارت جنباً الى جنب مع الخبرة التكنولوجية لرجال أنظمة المعلومات، المحللين وأناس البيانات الضخمة”.
حسب أقواله، “اذا كانت الرؤيا في الماضي ثنائية (“المشبوه” سواء ينتمي الى تنظيم ارهابي أم لا)- الآن النماذج تتضمن تصنيف للتهديد طبقاً للنشاط على الشبكة وبوسائل اخرى. التحدي كان هو التمييز ما بين منفذ منفرد محتمل بصورة حقيقية وما بين تعبيرات الكراهية والتي ليس في نهاياتها نشاطات، بل هي مجرد كلام. ان نجاح استخدام انظمة المعلومات، يكمن في ان تكون المعلومات الاستخباراتية متاحة لكل المستخدمين، بدون تقسيم او حجب”
تجنيد السلطة¬
بعد بلورة البنى الاساسية للمعلومات الجديدة، توجهت أجهزة الأمن للقضاء على التهديد، أو على الأقل لتقليصه الى مستوى يكون فيه محتملاً. “بالتحديد أمام إرهاب الفرادى، كان علينا ان نعطي رداً أكثر دقة و عمقاً من التعامل مع الارهاب المنظم. ان عملاً ضد حماس يمكن أن يكون أكثر ضجة من عملية موجهة ضد منفذ منفرد”. ومثل كبار ضباط الجيش الاسرائيلي أيضاً، رجل الشاباك السابق، يتحفظ من العقاب الجماعي لردع المخربين الفرادى. وهي سياسة دعى لها وزراء كبار في حكومات نتنياهو بصورة ثابتة في السنوات الاخيرة، ولكن رئيس الحكومة امتنع بصورةثابتة عن تبنيها. “أساس القرارات كان الامتناع عن العقوبة الجماعية أو من القيام بعملية عدوانية، غير ضرورية، وغير فعالة. على سبيل المثال، وضع حواجز أو فرض حصار على قرى، تمس برةتين الحياة اليومي وتزيد التوتر الاجتماعي الذي يؤدي الى انتاج منفذين للعمليات” يكتب بيربينج.
بيربينج يتطرق أيضاً لمسألة الروع للمخربين الفرادى في المستقبل. هو يتحفظ من احتجاز جثث المخربين بأيدي اسرائيل، لأنه اتضح بأن ذلك ليس وسيلة فعّالة. “عندما اعيدت الجثث، جرت جنائز جماهيرية، بمرافقة رجال شرطة فلسطينيين، ولكن لو لم نعد الجثث فإن العائلات ستتضرب جداً. بدلاً من أن نمنع العمليات، خلقنا ضرراً في الوعي. ولا يبدو انه كان لذلك تأثير على العمليات بالمقابل هو يؤيد هدم بيوت المخربين- وهي وسيلة اشكالية في جهاز الأمن، على مر السنين. هو يعتقد أنه اتضح ان هدم البيوت هو وسيلة فعالة وفي حالات عديدة فقد قام ابناء العائلة بالوشاية بابنهم الذي أراد تنفيذ عملية، خوفاً من ان يهدم بيتهم.
ما يصفه بيربينج هنا بلغة مهنية، وتقريباً اكاديمية و احياناً مرمّزة قليلاً هو صراع تكنولوجي في الأساس ضد ارهاب الفرادى. ان تعميق الرقابة في الشبكة، مع مطابقة المعلومات مع مصادر استخباراتية اخرى، مكنت أجهزة الأمن الاسرائيلية وعلى رأسها الشاباك، من العثور على اشارات لنشاطات استثنائية لشبان كانوا ينوون الذهاب لتنفيذ عمليات لوحدهم أو مع آخرين.
ان الحاجة لموادهة هذه الظاهرة، التي مسّت بالشعور بالأمان الشخصي من قبل الاسرائيليين في نهاية سنة 2015 وهددت في أن تعود الى الاحتكاك مع الفلسطينيين الة انتفاضة ثالثة، ادي الى اعطاء تغطية تكنولوجية استثنائية في حجمها. بهذا ازداد اختراق اسرائيل للحياه الشخصية لمئات الآلاف من الفلسطينيين في المناطق.
في الشهر الماضي نشرت مذكرات ادوارد سنودن، المبرمج الشاب من جهاز الاستخبارات الامريكي الي كشف في بداية العقد عمق المتابعة والاختراق للسلطات في الولايات المتحدة للنشاط الرقمي (و منها الى سائر ارجاء حياة) مئات الملايين من المواطنين. ونظراً لأن الافتراض في اسرائيل هو ان معظم هذا النشاط يجري على ظهر سكان محتلين، ويستهدف منع ارهاب فوري، فإنه تقريباً لا يجري هنا نقاش عام أو عبر وسائل الاعلام حول ذلك.
النشاطات الوقائية للشاباك والجيش تعتبر في نظر الرأي العام، في اغلبه كنجاح، يضمن استمرار الحياة اليومية للمواطنين الاسرائيليين، بدون تشويش تقريباً. لهذا بالامكان ان نقدّر عمليات التغطية والمتابعة الاسرائيلية للفلسطينيية في المناطق سوف تتسع في السنوات القادمة كجزء من المواجهة بين الشعبين.



