ترجمات عبرية

هآرتس: انهيار المفهوم ودول الخليج تبحث عن استراتيجية جديدة

هآرتس 27/3/2026، تسفي برئيل: انهيار المفهوم ودول الخليج تبحث عن استراتيجية جديدة

لقد تم القاء القبض على سائح بريطاني كان في زيارة في دولة الامارات قبل أسبوعين، وهو يقوم بتصوير صواريخ إيرانية تحلق فوق دبي. وتم استدعاء احد صناع المحتوى المشهورين الى مركز الشرطة في الامارات بعد تصويره لتفجير مسيرتين قرب الفندق الذي يقيم فيه. واتهمه محققو الشرطة بـ “نشر محتوى غير قانوني”. وفي قطر اعتقلت الشرطة حوالي 300 شخص بتهمة نشر “مواد تضر بأمن الدولة” في الشبكات الاجتماعية. فيما حذر المدعي العام في دولة الامارات من نشر أفلام فيديو أو صور “قد تثير الخوف أو تشوه الواقع”، وقرر ان أي شخص يتهم بنشر الشائعات أو المعلومات الكاذبة سيواجه عقوبة صارمة، بما في ذلك السجن لسنتين ودفع غرامة كبيرة.

تكاد وسائل الاعلام في دول الخليج تفرغ من “القصص الإنسانية” التي تصف معاناة السكان وخوفهم من الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية أو حجم الاضرار التي تسببت بها. ولا تاتي المعلومات الموثوقة ألا من المتحدثين الرسميين، وفي العادة هي تكون جافة ومصاغة بلغة إحصائية. في افتتاحيات ومقالات الراي في صحف السعودية وقطر والبحرين نجد تصريحات شديدة تدين ايران، وانتقاد لسياسة إسرائيل، وبدرجة اقل سياسة الولايات المتحدة. ولكن لا يوجد (حتى الان) أي انتقاد لاعتماد دول الخليج على الولايات المتحدة، أو الطريقة التي تعاملت بها مع ايران في السنوات الأخيرة، عندما اقامت علاقات دبلوماسية واقتصادية واسعة مع طهران، ولا أي كلمة واحدة عن المفهوم الخاطيء الذي جعل دول الخليج ضحية لإيران اكثر من إسرائيل.

في الواقع تشير بيانات نشرتها صحيفة “الشرق الأوسط” السعودية الى ان 83 في المئة من اجمالي الصواريخ والمسيرات التي اطلقتها ايران كانت موجهة الى دول الخليج، مقارنة مع 17 في المئة موجهة نحو إسرائيل. ويذكر التقرير انه من بين الـ 4391 صاروخ ومسيرة التي اطلقت على دول الخليج فقد ضرب الامارات 2156 صاروخ، السعودية 723، الكويت 791 وقطر 270، بينما ضربت سلطنة عمان 22 طائرة مسيرة فقط.

ما زالت البيانات الدقيقة حول حجم الضرر الاقتصادي الذي لحق بهذه الدول غير متوفرة حتى الآن، لكن التقدير المقبول يشير الى انها ستخسر 4 – 5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في هذه السنة، في حالة توقف الحرب الآن. ففي السعودية مثلا كان العجز المتوقع في الميزانية قبل الحرب 5.8 في المئة من الناتج المحلي. ويقدر الان بانه سيرتفع الى 8 – 12 في المئة. وهذا الرقم قد يعني تأجيل، او حتى تجميد، بعض خطط ولي العهد الأمير محمد بن سلمان ضمن “رؤية 2030″، بما في ذلك الخطة الطموحة لبناء مدينة “نيوم” المستقبلية، التي تم تجميدها أو الغاء أجزاء منها حتى قبل الحرب.

هذه الدول تعتبر من بين أكبر الدول امتلاكا لرؤوس الأموال في العالم، ولا يوجد لدى مواطنيها في الوقت الحالي ما يدعو للقلق المالي، لكنها كانت تخطط أيضا لاستثمار أموال طائلة في مشاريع اقتصادية ضخمة في الدول العربية مثل سلسلة مشاريع سياحية في مصر، التي تعهدت قطر والسعودية والامارات باستثمار عشرات مليارات الدولارات فيها، وإعادة اعمار سوريا، التي تعهدت السعودية وقطر بالاسهام فيها، والاستثمار في تركيا نيابة عن الامارات، هذا حتى قبل الاخذ في الحسبان الضرر الاقتصادي العالمي الناتج عن اغلاق مضيق هرمز والاضرار الجسيمة التي لحقت بمنشأة رأس لافان القطرية لاسالة الغاز، التي أدت الحرب الى اغلاقها وقطع حوالي 20 في المئة من امدادات الغاز العالمية واغلاق المصفاة في راس تنورة السعودية – الأكبر في الشرق الأوسط والتي تنتج 550 ألف برميل نفط يوميا – والضرر الكبير الذي لحق بقطاع السياحة، على سبيل المثال لا الحصر، بسبب الضربات التي وجهتها ايران لدول الخليج.

كل ذلك لم يدفع دول الخليج حتى الان الى تغيير سياستها والانضمام للحرب ضد ايران، أو حتى قطع العلاقات معها. لقد انهارت مفاهيم رئيسية مثل “الردع الدفاعي” و”الحياد الحذر”، التي طبعت سياستها حتى الحرب وفي بدايتها، بشكل مدوي. ويبدو أنها خدمت ايران اكثر بكثير مما خدمت دول الخليج. فقد تبين ان نظام الاتفاقيات الاقتصادية الواسعة مثل التي عقدتها الامارات مع ايران والتي شملت أنشطة 8 آلاف شركة إيرانية في دبي وأبو ظبي، إضافة الى اتفاق التعاون لتامين الملاحة في الخليج الفارسي التي وقع في 2020، وخرق العقوبات الامريكية المفروضة على ايران، واستئناف العلاقات “التاريخية” بين السعودية وايران في 2023 برعاية الصين، وشراكة قطر مع ايران في اكبر حقل غاز في العالم، كل ذلك كان سور دفاعي من ورق.

مع ذلك، حتى بالنسبة لإيران، فان دول الخليج “فشلت” عندما فشلت في منع الحرب ضدها في شهر حزيران الماضي ومنع الحرب الحالية. ولكن خلافا لدول الخليج، بسرعة حددت ايران نقاط ضعف دول الخليج، وحددت أساليب الضغط الناجعة التي يمكنها استخدامها ضد الهجوم عليها. كان قرار ايران شن هجوم مباشر وواسع على مصادر دخلها ومصادر الطاقة العالمية، إضافة الى اغلاق مضيق هرمز، مخاطرة محسوبة. لانه حتى لو انضمت دول الخليج للحرب واستخدمت قواتها الجوية ضدها ردا على هجومها، فان الضرر الإضافي الذي قد تتسبب به لإيران سيكون ضئيل مقارنة مع حجم الهجوم والضرر الذي تسببت به الولايات المتحدة وإسرائيل. من جهة أخرى، يتوقع ان تحقق ايران مكاسب استراتيجية اذا نجحت في احداث شرخ في العلاقات بين الولايات المتحدة ودول الخليج، والاثبات بان الولايات المتحدة وإسرائيل أصبحت عبئا عليها، وان أساس الردع ضدهما وضد الهجمات الأجنبية سيتعزز.

النظام في ايران يفترض، انطلاقا من اليقين ببقاء النظام، بان هذه الدول ستضطر بعد انتهاء الحرب الى إعادة النظر في سياستها الأمنية الوطنية، بعد الادراك بان العلاقات مع الولايات المتحدة ووجود قواعد عسكرية أمريكية على أراضيها، وحتى أن العلاقات الشخصية الوثيقة بين ترامب وبين زعماءها، لم تكن لها أي فائدة في حمايتها. إضافة الى ذلك، حسب راي ايران،  فانها دول الخليج تضعها امام معضلة سيكون فيها عليها التقرير اذا كانت ستنضم الى الهيمنة الامريكية – الإسرائيلية، التي لا تهتم باحتياجاتها الأمنية وتعتبر أنها مصدر لتمويل خطط ترامب وجزء من ثروته الشخصية، أو العودة والتحدث مع ايران.

لقد تحولت ايران، ليس فقط حسب رأيها، من دولة كان من المفروض أن تكون خائفة، الى دولة مخيفة، بفضل سيطرتها على مضيق هرمز، وليس فقط من ناحية عسكرية. بالنسبة لدول الخليج هذا يمثل واقع جديد غير متوقع، ويلزمها بتغيير النظام العالمي الذي يخدم طموحاتها في ان تكون مركزا للاستقرار الاقتصادي والأمني.

في الواقع “القديم” كانت هذه الدول تعرف تقلب ترامب عندما تجاهلها وامتنع عن مساعدتها في مواجهة هجمات الحوثيين وايران في 2019 و 2022، لكنها وجدت بديل استراتيجي ضدها. وبرز ذلك في تعزيز علاقاتها مع الصين وروسيا والدول الأوروبية، أو من خلال تحالفات ثنائية مثل التحالف الذي وقع بين السعودية والباكستان، أو العلاقات العسكرية والاقتصادية مع تركيا، ومع ايران نفسها. هذه التحالفات لم تعوض الدعم الأمريكي، ولكن اصبح الآن من المتفق عليه ضرورة بناء نسيج استراتيجي جديد في ظل حالة عدم اليقين، التي لا تعرف فيها هذه الدول ماذا سيكون وضع ايران وقوتها بعد الحرب.

قبل أسبوعين تقريبا اقترح حمد بن جاسم آل ثاني، رئيس وزراء قطر ووزير خارجيتها، انشاء تحالف خليجي يشبه حلف الناتو، كي يكون بمثابة قاعدة عسكرية مستقلة للدفاع امام التهديدات. هذه ليست فكرة جديدة. فقد تمت مناقشة فكرة مشابهة بعد احتلال العراق للكويت في 1990، ولكن تم تجميدها في مهدها. يبدو ان السعودية نجحت في تشكيل تحالف عربي لمحاربة الحوثيين، وانضمت اليه بعض الدول العربية، ولكنه كان تشكيلة نظرية لم تحظ، باستثناء دولة الامارات، بأي شراكة عسكرية حقيقية من قبل الدول الموقعة. ومنذ ذلك الحين انفصلت الرياض وأبو ظبي ولم يؤكد الحصار والمقاطعة التي فرضت على قطر من قبل السعودية والامارات والبحرين ومصر الا على عدم فائدة التعامل مع دول الخليج ككتلة واحدة لها مصالح مشتركة ورؤية استراتيجية موحدة.

صحيح ان التحالف مع الولايات المتحدة هو القاسم المشترك، ولكن قوة العلاقة بين كل دولة وواشنطن غير متساوية. في نفس الوقت، كل دولة من هذه الدول لها شريك أو شراكة “خاصة”، مثل الشراكة بين قطر وتركيا، والشراكة بين الامارات وإسرائيل، والشراكة بين السعودية وباكستان. وتتغلب هذه المصالح التي تجمع هذه الشراكات بشكل عام على أي قاسم مشترك في الخليج، بل واحيانا تتسبب في صراعات سياسية حادة مثل الصراع الذي نشب بين السعودية ودولة الامارات حول ادارة شؤون اليمن والسودان، أو الخلاف بين قطر وتركيا من جهة وبين الامارات ومصر من جهة أخرى، حول قضية ليبيا.

رغم معرفة دول الخليج لضرورة وضع استراتيجية جديدة، الا انه يصعب توقع أنه حتى في ظل نتائج الحرب الصادمة، ستنجح هذه الدول في تشكيل منظمة عسكرية وسياسية خاصة بها. وقد بدأ سياسيون في الخليج مؤخرا بفحص إمكانية انشاء “حزام نار” عربي، تكون مشاركة فيه الدول العربية القومية، مع دول غير عربية مثل تركيا وباكستان وغير خليجية مثل مصر.  في هذا السياق تجدر الإشارة الى انه بعد توقيع اتفاق التعاون الاستراتيجي بين السعودية وباكستان في شهر أيلول الماضي، عرضت تركيا الانضمام الى هذا التحالف، بل وبدأت في صياغة اتفاق مقترح مع باكستان. ولكن السعودية سارعت الى توضيح رفضها لاشراك تركيا، مؤكدة على أن الاتفاق مع باكستان سيبقى اتفاق ثنائي. ويجب الذكر بان الاتفاق بين السعودية وباكستان الذي ينص، ضمن أمور أخرى، على ان أي هجوم على أي واحدة منهما يعتبر هجوم عليهما، لم تكن له أي فائدة بالنسبة للسعودية. فباكستان لم ترسل الطائرات لقصف طهران، وهي الآن الدولة التي تتوسط بين الولايات المتحدة وايران. على خلفية ذلك يبقى من المشكوك فيه ان تعتبر إسرائيل، التي ينظر اليها بالفعل على انها الدولة المسؤولة عن اندلاع الحرب، أن تكون مرشح مرغوب فيه في أي تحالف إقليمي، هذا اذا تم تشكيله.

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى