ترجمات عبرية

هآرتس: الولايات المتحدة رسخت مكانتها كدولة عظمى، لكن ليس كزعيمة للعالم

هآرتس 18/3/2026، يشاي هلبرالولايات المتحدة رسخت مكانتها كدولة عظمى، لكن ليس كزعيمة للعالم

لا يوجد خصم جدير بالقوة العسكرية والتكنولوجية الامريكية التي تستخدمها الولايات المتحدة في الحرب ضد ايران. فقواتها هي الاكبر، وقاذفاتها هي الاكثر تقدما، ومفهوم ضمنا انها لم تستخدم حتى الان كل قوتها العسكرية. لكن القوة الامريكية واجهت عقبة غير متوقعة وهي استقبال طلب دونالد ترامب من دول العالم للتدخل في قضية مضيق هرمز – أو تهديده بما سيحدث اذا لم تفعل ذلك – بردود فعل فاترة (كوريا الجنوبية والصين)، أو بصمت (حلف الناتو الذي هدده بـ “مستقبل قاتم” اذا لم يتحرك).

ليست هذه هي المسالة الوحيدة التي تثيرها الحرب في ايران حول مكانة الولايات المتحدة. في الواقع تكشف امثلة قليلة من الايام الاخيرة عن تصدعات، أو على الاقل تقلبات، في النظام العالمي كما نعرفه – بعضها يثير حيرة حتى خبراء العلاقات الدولية المخضرمين.

أولا، يثير الدعم المحدود الذي تقدمه روسيا والصين لايران التساؤل حول طبيعة هذا التكتل الذي ينظر اليه على الاغلب بانه “معاد لامريكا”، وحول المصالح الكامنة من ورائه – ليس بالضرورة التضامن. ثانيا، وهو الاكثر وضوحا، الرفع المؤقت للعقوبات الامريكية على النفط من روسيا، منافستها الكبيرة، وذلك لمواجهة ازمة الطاقة المتزايدة.

من هنا ياتي المثال الثالث لنظام يمر في مرحلة اضطراب. فقد ردت الاوروبيون، حلفاء الولايات المتحدة منذ زمن بعيد، بغضب على رفع العقوبات عن روسيا التي تشن حرب في قارتهم، في حين تزداد في نفس الوقت الاصوات المعارضة للحرب ضد ايران داخل صفوفهم.

ان الاجماع التاريخي بشان النظام العالمي واضح تماما. فقد ادى انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية الى ظهور عالم ثنائي القطب، حيث تقف واشنطن وموسكو على طرفيه، وهي مسلحة حتى النخاع بالسلاح النووي. عند سقوط الاتحاد السوفييتي احتفل العالم بـ “نهاية التاريخ”، لكن في الالفية الجديدة ظهرة قوى عظمى مثل الصين، ومتوسطة مثل الهند، وساهمت الى جانب مؤسسات مثل الاتحاد الاوروبي في تحويل العالم الى ما يعرف بـ “تعددية الاقطاب”.

في هذا النظام تعتبر الولايات المتحدة القوة العظمى عسكريا وتكنولوجيا، وربما اقتصاديا. ولكن هل تضمن هذه العوامل لوحدها مكانتها كقائدة للنظام العالمي؟ لقد سعت “هآرتس” بمساعدة عدد من الخبراء الى كشف ما اذا كان النظام العالمي يتغير امام انظارنا، وكيف تؤثر الحرب في ايران على ميزان القوة، وما اذا كانت حاجة الى تعريف مختلف لتفسير عناصر اللغز العالمي التي تتغير باستمرار.

فيلم في مجمع سينمائي

“بدأت افكر في فكرة “المجمع السينمائي” كبديل للتفكير التقليدي حول النظام العالمي”، هذا ما قاله البروفيسور اميتاف اتساريا من الجامعة الامريكية في واشنطن العاصمة. لقد استلهم اتساريا، صاحب المسيرة الاكاديمية الطويلة والواسعة في مجال العلاقات الدولية، فكرته من دور السينما متعددة الشاشات، حيث يختار المشاهد الفيلم الذي يناسبه. وشرح كيف تتناسب هذه الصورة مع نظام العالم النامي والنموذج الذي يراه مثالي. ما زالت الولايات المتحدة تمتلك القوة العسكرية والاقتصادية الاكبر، لكن الاجندة ليست مركزية، والقوى التي تعمل بالتعاون أو التفاعل موزعة على ساحة لعب لا تقتصر على الدول (القوى العظمى مثل الولايات المتحدة، والقوى المتوسطة مثل الهند والبرازيل)، بل هي تشمل ايضا جهات فاعلة غير حكومية مثل المنظمات والمنتديات الاقليمية والشركات، وحتى المنظمات الارهابية التي تملي الاجندة. وقد تتداخل الاولويات لتشمل الدفاع، التكنولوجيا، المناخ، بقيادة دول وتكتلات مختلفة. والاهم من ذلك، قال البروفيسور المولود في الهند، هو ان هذا النظام لم يعد بامكانه تجاهل الجنوب العالمي المهمش تاريخيا (الدول التي تحررت من الاستعمار في القرن العشرين والتي كانت تعرف في السابق باسم “دول العالم الثالث”).

يكمن جوهر فكرة العالم متعدد الوجوه في مبدأ النفعية، وهو في ظل غياب ترجمة دقيقة، هو تهج تجاري ونفعي لتحقيق الهدف. ينسب لترامب الفضل في ادخال نهج “رجل الاعمال” الى الساحة الدولية، وقد اصبح بالفعل خبير في المفاوضات التجارية (المصحوبة احيانا بالابتزاز والتهديد) بشان المعادن والنفط والجوائز المرموقة. ولكن ليس الجميع على قناعة بان الرئيس هو الذي اخترع العجلة.

لقد قال البروفيسور اولفر ستونكل من جامعة اف.جي.في في ساوباولو في البرازيل لـ “هآرتس”: “ما نشاهده الان هو مستوى صارخ من النفعية، لم نشاهده منذ زمن”. وقد قدم الباحث الذي الف الكثير من الكتب حول النظام العالمي المتغير، مثال آخر على الصدمات الجيوسياسية من الحرب على ايران: طلب دول الخليج المساعدة من اوكرانيا رغم معارضتها لقرار الامم المتحدة بشان استقلالها الاقليمي. هذا التطور يوضح، كما يقول، كيف تدفع الحرب على ايران الدولة نحو اتجاه “تحقيق استقلالية استراتيجية اكبر من خلال تقاسم الاخطار”.

وقد اشار اتساريا من الجامعة الامريكية الى ازدياد نفوذ القوى المتوسطة وجهود دول الجنوب العالمي لتحقيق مصالحها. فرغم التاخيرات البيروقراطية الا ان الاتحاد الاوروبي وتكتل ميركوسور (البرازيل، الارجنتين والبارغواي والاورغواي) وقعوا على اتفاق تجاري طموح. وتوسعت مجموعة “البريكس” التي تنافس الدولار الامريكي وشملت دول مثل مصر واثيوبيا، ايضا اندونيسيا انضمت لنفس المننتدى، ولكنها تمارس نفوذها في منظمات مثل مجموعة العسرين ورابطة دول جنوب شرق آسيا. وعندما كان اتساريا يشير الى ازدياد حرية المناورة للقوى المتوسطة انتشر نبأ توصل الهند الى اتفاق مع ايران بشان مرور سفنها في مضيق هرمز.

من ناحيته يشكك ستونكل في قدرة دول الجنوب العالمي على الاقل بشكلها الحالي، على احداث التغيير. وقد قال: “مجموعة البريكس مثلا، لا تغير النظام العالمي، بل تسعى الى توسيع نفوذه هنا وهناك، وانشاء بنك تنمية آخر. لكن اللاعب الثوري في هذا النظام هو الولايات المتحدة”. بدرجة ما اشار الى ان الولايات المتحدة هي مهندسة انحدارها. فحسب رايه هذه كانت اللحظة التي تعتبر نهاية التاريخ (المصطلح الذي صاغه البروفيسور فرانسيس فوكوياما في كتابه الصادر في 1992 بعد سقوط الاتحاد السوفييتي)، التي شاهدتها اوروبا والولايات المتحدة بشكل اكثر وضوحا من الجنوب العالمي، (محكوم عليها بان تكون مؤقتة: فقد سوقت الولايات المتحدة اجندة العولمة والحدود المفتوحة، وافترضت ان دول مثل الصين ستصبح ديمقراطية. ولكن بفعلها ذلك رسخت الولايات المتحدة الاساس لظهور منافسين و”حولت لحظة العالم احادي القطب الى ظاهرة مؤقتة”.

جميع الخيارات مفتوحة

“العالم يتغير، وانا اعتقد انه حان الوقت ليتغير”، قالت الدكتورة زوي لافرنيك، الباحثة في مركز “عالما” والعضوة في منتدى دبورة، لصحيفة “هآرتس”. واقترحت مصطلح “الاستقطاب المرن” لوصف تطور النظام العالمي: فالصورة الناشئة عن الحرب مثلما كتبت في مقال نشرته في هذا الشهر في موقع البحوث التربوية، ليست صورة الغرب في مواجهة محور روسيا – الصين – ايران بالمعنى التقليدي، بل نظام يسعى فيه كل طرف الى تحقيق ميزة وخفض التكلفة والحفاظ على هامش للمناورة”. واوضحت لفرنيك لـ “هآرتس” بان “الاستقطاب المرن هو على الارجح الاستراتيجية الانسب للدول في الوقت الحالي، لانك لا ترغب في الالتزام بأي شيء عندما يتغير العالم. وعندما يتغير العالم ولا تعرف الى أين تتجه الامور فانك تفضل ابقاء كل الخيارات مفتوحة”.

يساعد الاطار الذي طرحته لافرنيك على فهم التطورات الجيوسياسية التي تؤجج الحرب في ايران الى درجة معينة. فروسيا والصين لا تدينان طهران رسميا، لكنهما تستفيدان من حرف انتباه الولايات المتحدة عن منطقتهم. واشارت الى أن “روسيا تستخدم نفوذها على كل الاصعدة. لكن حقيقة ان ايران في وضع صعب جدا يصب في مصلحتها. فهي تحصل على تنازلات من العقوبات، والاوروبيون قلقون، وارتفاع اسعار النفط سيصب في مصلحتها. والصين تستخدم نفس اللعبة”. واضافت لافرنيك بان دول الخليج التي تتعرض للهجمات الايرانية كل يوم “غير مستعدة للرد أو الانحياز لأي طرف”. وهذا بالذات لان جميع الاطراف “غير ملتزمة بأي طرف أو تحالف، وهي تفضل محاولة تعظيم الارباح وتقليص الخسائر”.

وحذرت لافرنيك بنظرة استشرافية وقالت: “لا نعرف ماذا سيكون عليه النظام الاقليمي في نهاية المطاف”. واضافت ان “الحرب مع ايران تدفع الشرق الاوسط نحو نظام اقليمي صارم اكثر من ناحية امنية، لكنه اكثر مرونة من ناحية سياسية”. واشارت من جهة الى ازدواجية موقف دول الخليج من الولايات المتحدة وايران، ومن جهة ثانية، الى حقيقة انه في المستقبل المنظور لا يوجد منافس للنظام الامني الامريكي.

ترامب هو عامل التغيير

كتب البروفيسور اتساريا في مقال نشره في “نيويورك تايمز” قبل سنة تقريبا: “النظام العالمي برئاسة الولايات المتحدة، والذي هو قائم منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية على الاقل، يعاني من الفوضى منذ زمن. وفي عهد الرئيس ترامب بدأ هذا النظام ينهار اخيرا”. الآن هو على قناعة بصحة رايه. وقد وصف هذا النادي القديم الحصري الذي قال بانه قائم على امبراطوريات اوروبية كثيرة من القرن التاسع عشر، بانه “منتدى لا يهم فيه الا القوى العظمى”، واضاف “ان ما حدث هو ما توقعته. النظام العالمي الامريكي يتلاشى، حتى لو بقيت الولايات المتحدة هي الدولة الاقوى”.

وقد قال ايضا: “منذ انتخاب ترامب وبداية هيمنة النظام الليبرالي، بقي المثقفون والباحثون في الغرب في حالة انكار. واستغرقهم الامر بعض الوقت لمعرفة ان ترامب هو الواقع، والان نحن نواجه هجوم مزدوج على النظام العالمي”. في الواقع الى جانب التواجد المتزايد للقوى المتوسطة ودول الجنوب العالمي على خارطة العالم، يمثل ترامب الجزء المكمل لحركة الكماشة التي تهدد النظام العالمي القائم.

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى