ترجمات عبرية

هآرتس: المفاوضات الامريكية مع حماس ستبقيها في غزة

هآرتس 30/1/2026، تسفي برئيلالمفاوضات الامريكية مع حماس ستبقيها في غزة

“هم وافقوا على ذلك، وعليهم تنفيذه. وسنعرف في الأيام القريبة القادمة، وبالتاكيد في الأسابيع الثلاثة القادمة، اذا كانوا سينفذونه. واذا لم يفعلوا فسيتم القضاء عليهم”، هكذا هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حماس وان ما عليهم فعله هو نزع سلاحهم.

بعد اقل من أسبوع على تهديد ترامب على هامش مؤتمر دافوس، قدم السفير الأمريكي في الأمم المتحدة، مايكل وولتس، في يوم الأربعاء صيغة جديدة، مرنة ومناسبة، لا تتضمن تهديد. وولتس قال: “سيتم تدمير البنية التحتية الكاملة للارهاب العسكري الهجومي، بما في ذلك الانفاق ومنشات انتاج السلاح ولن يعاد بناؤها. سيشرف مفتشون دوليون مستقلون على نزع السلاح في غزة، الذي سيشمل نقل السلاح من خلال عملية تفكيك متفق عليها، بمساعدة برنامج دمج وإعادة شراء ممول دوليا”.

لم توضح الوثيقة الغامضة التي قدمها وولتس الجهة التي ستشرف على العملية أو الجهة التي ستمول شراء السلاح وما هو معنى هذا الدمج أو اذا كانت “الصفقة” ستتم على أساس تنظيمي، أو ان أعضاء حماس سيسلمون السلاح أو “يبيعونه” بشكل فردي، او اذا كانت الصفقة ستقتصر على السلاح الشخصي (الذي يقدر بـ 60 الف قطعة) أو ستشمل أيضا مئات الصواريخ والقذائف ومواد تخريبية أخرى. لم يذكر وولتس جدول زمني، ولم توضح خطته اذا كان الهدف هو تنفيذها قبل بدء مرحلة إعادة الاعمار أو مدة استمرارها. وبشكل خاص، من غير الواضح اذا كانت الخطة قد نوقشت مع حماس أو اذا كانت وافقت على تبنيها. في الواقع كانت لدى حماس إجابة قاطعة على السؤال الأخير. فقد صرح موسى أبو مرزوق، القيادة البارز في حماس، في قناة “الجزيرة” في يوم الأربعاء وقال: “حماس لن توافق ابدا على تسليم سلاحها. وسلاح المقاومة لم يكن موضوع نقاش أبدا”.

أبو مرزوق لم يكن دقيق. فالمحادثات حول نزع السلاح تجري منذ عدة أسابيع مع أعضاء حماس في مصر وقطر وتركيا، ولكن لم يتم التوصل الى أي تفاهمات ملموسة حتى الآن. وفي كانون الأول صرح وزير خارجية مصر، بدر عبد العاطي، لصحيفة “الشرق الأوسط” السعودية: “سيتم التوصل الى اتفاق بشان نزع السلاح بين الفصائل الفلسطينية. انا اعتقد انه يمكن التوصل الى صيغة يتم بحسبها تسليم السلاح بالتدريج ضمن اطار فلسطيني”. ولم يتم سؤال عبد العاطي عن ماهية هذا الاطار الفلسطيني، لكن حسب مصدر فلسطيني رفيع فان النية هي تسليم السلاح للشرطة الفلسطينية التي ستصل الى غزة برعاية الهيئة الديمقراطية وتحت اشراف مجلس الإدارة المدنية برئاسة نيكولاي ملادينوف.

مبدأ التدرج طرحه وزير خارجية تركيا هاكان فيدان قبل أسابيع. وفي الشهر الماضي صرح وقال: “لا يمكن ان يكون نزع السلاح الخطوة الأولى في هذه العملية، يجب التقدم بالترتيب الصحيح والبقاء واقعيين”، هذا يعني حسب رايه بان نزع سلاح حماس بشكل سريع وكامل هو غير منطقي ضمن الجدول الزمني الذي حدده الرئيس ترامب. ربما يدرك فيدان والرئيس التركي اردوغان اكثر من أي زعيم آخر في المنطقة المعنى العملي لنزع سلاح التنظيمات الإرهابية. فخلال نصف قرن تقريبا تخوض تركيا حرب ضد المقاومة الكردية التي جبت أرواح عشرات الالاف. وقد باءت محاولات التوصل الى اتفاق مصالحة ونزع سلاح المقاومة بالفشل الذريع، ولم تتمكن الأطراف الا في السنة الماضي من التوصل الى بداية اتفاق أعربت فيه المقاومة عن استعدادها لنزع سلاحها بشكل عام. هنا أيضا هذه العملية تعتبر معقدة اذ انه من المفروض ان تشمل العفو عن حاملي السلاح والاعتراف بالحقوق الثقافية للاكراد واستثمارات مالية ضخمة في المناطق الكردية.

غزة ليست الساحة الوحيدة التي تسعى فيها الولايات المتحدة الى نزع سلاح المليشيات والمنظمات المسلحة غير الحكومية. ففي العراق بدات حملة نزع سلاح المليشيات في فترة ولاية جو بايدن عندما طالب وزير خارجيته انطوني بلينكن في 2024، رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني بنزع سلاح ثلاث مليشيات موالية لإيران. وحتى لو تم اعتماد هذا النهج التدريجي لما كان سيحل مشكلة الجيش الموازي الذي اقامته ايران في العراق. يضم هذا الجيش 12 مليشيا موالية لإيران في اطار “الحشد الشعبي”، وهو الجهاز العسكري الذي تشكل في 2014 لمحاربة داعش. وقد تضخم هذا الجهاز بشكل كبير واصبح يضم اكثر من 220 الف جندي، أي اكثر من الجيش الوطني العراقي. صحيح انه كان تابع قانونيا لوزارة الدفاع في العراق، لكن هذا اداري فقط. اما في نشاطاته العسكرية فهو مستقل وينسق تحركاته مع “قوة القدس” التابعة لحرس الثورة ومع سياسيين عراقيين.

في هذه السنة قرر ترامب تصعيد جهوده لتفكيك هذا الاطار الخارج عن الجيش. وكعادته هدد بالحاق الضرر بالاقتصاد العراقي اذا تم تعيين أعضاء من المليشيات الموالية لإيران في الحكومة القادمة. وقد اعلن بعضهم، بالمناسبة، استعدادهم لنزع السلاح مقابل تعويضات سياسية واقتصادية. ولكن المليشيات الكبيرة التي تشكل ركيزة النفوذ الإيراني في العراق أوضحت بانها لن تنضم لهذه الخطوة “في الوقت الراهن”. في سوريا اتبع ترامب نهج مختلف واكثر مرونة. فقد سمح للرئيس احمد الشرع بدمج المليشيات الإسلامية المتشددة في الجيش السوري الجديد وانشاء وحدة منفصلة لها، التي بعد إعادة تاهيلها يمكن دمجها في الجيش. مع ذلك ما زالت هناك مليشيات مسلحة مستقلة تنشط في سوريا، من بينها التي شاركت في مجازر العلويين والدروز. ويتمثل التحدي الأكبر الذي يواجهه النظام السوري في دمج القوات الكردية والدرزية في الجيش الوطني وهي العملية التي أدخلت الإدارة الامريكية بالفعل الى صراع مع القوات الانفصالية، ويتوقع ان يتفاقم هذا الصراع نظرا لمطالبتهم بالحكم الذاتي او ضمان حقوقهم العرقية. ورغم ان ترامب لا يفرض ضغط زمني على سوريا (خلافا لحماس)، الا ان ضغطه الكبير على الاكراد اثر وقف اطلاق النار بينهم وبين الجيش السوري. ويقدر انه سيتم التوصل في القريب الى اتفاق شامل، او فرضه، لتنظيم وضعهم.

في لبنان اعلن الرئيس جوزيف عون في بداية الشهر عن استكمال المرحلة الأولى في خطة نزع سلاح حزب الله، على ان تبدأ المرحلة الثانية في الشهر القادم وهي جمع السلاح الموجود بين نهر الليطاني ونهر الاولي. وتواصل إسرائيل هجماتها في لبنان بادعاء ان جنوب لبنان لم يتم تطهيره بالكامل من السلاح. ولكن الإدارة الامريكية يبدو انها تبنت بالفعل الخطة المرحلية. ولم تسمع تهديدات “فتح باب جهنم” على لبنان مؤخرا. ويتوقع ان يعرض قائد الجيش اللبناني، رودولف هيكل، في الأسبوع القادم خطة عمل لمواصلة نزع السلاح على كبار المسؤولين في الإدارة الامريكية والجيش الأمريكي. ويتوقع ان تستمر هذه الخطة بضعة اشهر على الأقل طالما انه لم تتطور مواجهة عنيفة بين الجيش وحزب الله. يبدو أيضا انه في ظل التوتر في الخليج وتوقع هجوم امريكي على ايران ورد إيراني ان الضغط على لبنان لن يكون قريبا على راس أولويات الإدارة الامريكية. واذا قرر حزب الله الانضمام للحملة ومهاجمة إسرائيل فستكون إسرائيل هي التي ستتعامل مع الحزب وليس الجيش اللبناني.

يكمن الفرق بين معركة الولايات المتحدة لتقليص الوجود العسكري للمليشيات والمنظمات المسلحة في دول المنطقة وبين تحركاتها ضد حماس في أن لكل دولة من هذه الدولة حكومة ذات سيادة، تمتلك جيش ومصلحة في التصدي لهذه المنظمات. ويمكن للولايات المتحدة ان تمارس الضغوط أو التهديدات أو تتفاوض للتوصل الى حل ينقل المسؤولية الى الدولة. اما في غزة فلا توجد حكومة ذات سيادة، ويتم اجراء المفاوضات مع حماس من خلال دول وساطة أو من خلال الولايات المتحدة مباشرة (في حالات استثنائية)، ويلتزم الوسطاء بالعمل على نزع سلاح حماس، لكن بعضهم مثل قطر وتركيا، غير مسموح لهم حاليا بالعمل في قطاع غزة. ولم يتم بعد تشكيل القوة متعددة الجنسيات التي من المفروض ان تنزع سلاح حماس حسب خطة ترامب، ولا يعرف متى سيتم تشكيلها.

ظاهريا تمتلك إسرائيل الحق والقدرة على شن حملة عسكرية جديدة في غرب غزة، في محاولة لتحييد حماس عسكريا. ولكن هذا لا يعني تجميد كامل لتنفيذ خطة ترامب وإلغاء خطة إعادة الاعمار وإعادة مسؤولية إدارة غزة لإسرائيل، مع كل ما يترتب على ذلك من تداعيات عسكرية وسياسية وإنسانية واقتصادية. صحيح ان ترامب يهدد بتدمير حماس اذا لم تقم بنزع سلاحها، لكن لا يبدو في الوقت الراهن بأنه مستعجل لاعطاء إسرائيل الضوء الأخضر من اجل تنفيذ هذا التهديد. فهو يفضل فحص بدائل “إدارية” تدريجية على شاكلة النموذج الذي اعتمده في سوريا، العراق ولبنان. عمليا، هذا تفاوض سياسي مع حماس حول وضعها في المستقبل. اذا كان هذا هو قرار ترامب فيتوقع أيضا ان تستمر حماس في الوجود في القطاع، وان تصبح جزء من الإدارة المدنية المحلية كجزء من التعويض الذي ستحصل عليه مقابل نزع سلاحها.

 

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى