هآرتس: القانون ضد سلطة القانون
هآرتس 24/2/2026، مردخاي كرمنتسر: القانون ضد سلطة القانون
تظهر الحكومة الولاء المطلق لاعضائها. فعندما اتضح وجود احتمال حقيقي لمعارضة المحكمة العليا استمرار ايتمار بن غفير في منصبه، أي اجبار رئيس الحكومة على اقالته، سعت الحكومة الى انقاذ الوزير. وقد تم ذلك من خلال اقتراح تعديل على قانون الاساس، يلغي الرقابة القضائية على قرارات رئيس الحكومة تعيين أو اقالة الوزراء، باستثناء الحالات المنصوص عليها في القانون (وجوب ان يكون الوزير مواطن اسرائيلي)، هذا قانون شخصي واضح يهدف الى انقاذ بن غفير من الاقالة، قانون مصمم لتغيير قواعد اللعب اثناء سيرها. فاذا كانت المحكمة العليا تملك سلطة الاشراف على رئيس الحكومة في هذه المسالة عند بدء اللعبة فان الحكومة تعتزم وقف اللعبة بواسطة مصادرة هذه الصلاحية.
لا تنخدعوا بالمتحدثين باسم الحكومة الذي يقولون ان المحكمة العليا تتمتع حاليا بسلطة كاملة لتعيين أو اقالة الوزراء. فهذه السلطة لها طبيعة سياسية بحتة، لذلك يطلب استبعاد المحكمة منها. لقد كانت السلطة وما زالت في يد رئيس الحكومة، وفي اطار ذلك هو يتمتع بصلاحيات واسعة تشمل ايضا دوافع سياسية. ما تقرر في حكم درعي – بنحاسي بقيادة رئيس المحكمة العليا السابق مئير شمغار واهارون براك، هو ان هذه الصلاحة – مثل أي صلاحية ادارية – ليست غير محدودة.
في حالات استثنائية ولاسباب اخلاقية ومؤسسية، يصبح حق رئيس الحكومة في اقالة وزير واجب. لان استمراره في منصبه، مثلا اذا اتهم بتلقي الرشوة، هو امر لا يغتفر من حيث نزاهة الحكومة، والقدوة التي يجب ان تقدمها وثقة الشعب بها. رئيس الحكومة هو امين الجمهور، وبحكم هذه الثقة فهو ملزم بحماية هذه القيم والعمل وفقا لها. وفي دولة ديمقراطية سليمة لا يوجد شخص بدون بديل، وبالتالي، يفترض ان يستبدل الوزير المقال بوزير آخر من حزبه، ما كان من شانه ان ينهي ولاية امين صندوق في القطاع الخاص، سينهي ولايته كوزير حتما.
لا يحتاج المرء الى ان يكون صاحب اخلاق عالية ليدرك ان الوزير المتهم بالقتل والاغتصاب أو تهريب المخدرات يجب ان يستقيل أو يقال. لا سيما انه مدان بجناية الارهاب والعنصرية، حتى لو كان ذلك في صباه، ولم يكن هناك احد، بما في ذلك نتنياهو، يصدق انه سيجلس على طاولة الحكومة في وقت قريب، لا سيما في منصب رئيس الامن الداخلي. كان من المفروض ان يتم ابعاد ماضي بن غفير عن الكنيست من البداية، لكنه حاضره ومستقبله اكثر خطرا. فهو بكونه المفتش العام المعين من قبل نفسه وبشكل غير قانوني يساهم في تسييس الشرطة بشكل كبير. انه يحولها من مؤسسة حكومية ملتزمة بالقانون الى ذراع يسعى الوزير من خلالها الى اضطهاد خصومه السياسيين وحماية مؤيديه. بكلمات اخرى، هيئة تخرق المساواة امام القانون وتخالف سيادة القانون.
الضرر الذي الحقه بن غفير بالشرطة وبسيادة القانون هو ضرر كبير، واستمراره في منصبه لا يزيد الامر الا سوء. على صعيد المصلحة العامة يعتبر استمراره في منصبه اشد خطرا بعشرة اضعاف من استمرار درعي وبنحامي، لو اتيحت لهما فرصة الخدمة. يبدو ان من انتقدوا المحكمة في حينه لم يهتموا باستمرار هؤلاء الوزراء في مناصبهم. عندما تتصرف الحكومة بجنون يصبح مبدأ الاستبعاد التام ضروري للرقابة القضائية. وعندما تصمم الحكومة على حماية بن غفير فهي تجسد بوضوح اجندته بكل ما تحمله من معاني وعواقب.
لا يهدف مشروع القانون الجديد الى منح رئيس الحكومة صلاحيات واسعة في موضوع تعيين الوزراء واقالتهم، بل من المفروض ان يعطيه صلاحيات مطلقة، مثلما هي الحال في الانظمة الاستبدادية. ان السلطة التي يستاثر بها نتنياهو لنفسه، والتي يعطيه اياها اتباعه، تجعله حاكم مطلق لا حدود لسلطته. اذا تمت الموافقة على ذلك فسيزداد اعتماد الوزراء على رئيس الحكومة ويتعمق، وهو عكس ما يتطلبه الحكم الرشيد. عندما يتعلق الامر برئيس حكومة متهم بمخالفات خطيرة فان الوضع يصبح لا يحتمل. لنفترض ان رئيس الحكومة هذا مطالب بالبت في تعيين أو اقالة وزير له ماض يشبه ماضيه. هل سيتعامل مع الامر ويتجاهل ذلك؟ هل سيتمكن من النظر الى الامور بموضوعية ونزاهة؟. من الواضح انه لن يستطيع منع هذا التعيين، وسيفتح الباب على مصراعيه امام حكومة من المتهمين بارتكاب جرائم. هذا الائتلاف الذي يعارض ايضا استخدام برامج التجسس في تحقيقات مكافحة الرشوة، الذي يرفض بعض الاعضاء فيه المثول امام الشرطة، يرفع شعار يقول “يحيا الفساد الحكومي”.
في قضية تعيين درعي كوزير للداخلية والصحة اظهر نتنياهو براعة استثنائية في اصدار احكام مشوبة بغرابة بالغة، فيما يتعلق بتراكم ادانات درعي و”الخدعة” التي استخدمها في محكمة الصلح في قضايا التهرب من الضرائب لمنع مناقشة مسالة الفضيحة. وفي قضية “قطر غيت” وقضية “بيلد” اثبت رئيس الحكومة العجز في تحديد السلوكيات التي تضر بامن الدولة (بما في ذلك علاقاتها مع مصر). فهو يعلي شان ما يستحق ادانة شديدة ويشيد به. لن نستغرب وجود شخص متهم بجرائم ضد امن الدولة على طاولة الحكومة. فاذا كان مشتبه فيه في قضية اغتصاب مؤهل لرئاسة لجنة في الكنيست فلماذا لا يعطى مقعد على طاولة الحكومة؟. ان تفويض السلطة المطلقة وغير المحدودة لنتنياهو، الذي يقوض كل الاعراف العامة – الولاء والاهتمام بالجمهور، المسؤولية، النزاهة، المعاملة الانسانية – يجب ان يثير الرعب في قلوب كل المواطنين.
الخطوة التي تتخذها الحكومة قد تتحول هنا بسهولة الى ذريعة تمكنها من التخلص من أي انتقاد في أي قضية تخشى الحكومة خسارتها في المحكمة. سواء كان ذلك واجبها في تشكيل لجنة تحقيق رسمية، او استخدام وزير العدل لسلطته على القضاء أو قانون التهرب من الخدمة. لن تصمد الرقابة القضائية الا اذا افترضت الحكومة عدم وجود أي تدخل في شؤونها. فاذا اعطيت ما تريد فيما يتعلق بتعيين القضاة فهي ستحصل على محكمة لا تتدخل، وسياتي منقذ للحكومة.
الحقيقة هي ان ظاهرة الوزراء المتهمين من شانها ان تختفي من الواقع. ففي ظل نظام شعبوي – مستبد لا يمس احد بالسوء “رجالنا”. ان الجمع بين تدهور جهاز الشرطة وضعف النيابة العامة يضمن ان يكون الموالون للحكومة فوق كل شبهة، وسيضمن لهم مكانهم في الحكومة مهما كانت افعالهم.



