هآرتس: الحكومة الإسرائيلية تحافظ على التوتر العسكري، ولا تبالي تجاه محنة الجبهة الداخلية
هآرتس 9/3/2026، عاموس هرئيل: الحكومة الإسرائيلية تحافظ على التوتر العسكري، ولا تبالي تجاه محنة الجبهة الداخلية
في قراره الاستثنائي بشن الحرب على ايران واجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ثلاث عقبات رئيسية: معارضة داخلية في الكونغرس في محاولة لاجباره على الحصول على اغلبية الأصوات للموافقة على هذه الخطوة، وتاثير ذلك على سوق الطاقة العالمي، وربما لاحقا، بشكل مباشر، على المستهلك الأمريكي؛ ضرورة اثبات نجاحه في التعامل مع التهديد النووي الإيراني وهو السبب الرئيسي من وراء إعلانه للحرب.
ترامب نجح في تجاوز العقبة الأولى، ورغم المعارضة الكبيرة للحرب في الرأي العام الأمريكي الا ان الكونغرس لم يتمكن من فرض قيود جوهرية على استمرار العملية. تبقى هناك مشكلتان قد تؤثر على قراره بشان الاطار الزمني الذي سيخصصه لاستمرار الحرب. تشهد سوق النفط العالمية حالة من التوتر على خلفية اعلان ايران اغلاق مضيق هرمز في الخليج وهجوم إسرائيل عشية يوم السبت، الذي استهدف لأول مرة مواقع للنفط قرب طهران. أصبحت صور أعمدة الدخان الكثيفة من ابرز الصور البصرية للحرب.
قفز سعر برميل النفط من 60 – 70 دولار الى اكثر من 90 دولار. وتشير بعض التوقعات الى انه قد يصل الى 150 دولار. وتثير صعوبة اخراج ناقلات النفط من الخليج الفارسي قلقا بالغا، الامر الذي يجبر على ابطاء الإنتاج بسبب صعوبة التخزين. وقد اتخذ العراق والكويت ودولة الامارات خطوات لابطاء الإنتاج، وأعلنت قطر انها ستفحص الانضمام اليها في غضون أسبوع.
ويشكل الموضوع النووي مشكلة أخرى. فبعد الحملة السابقة على ايران في حزيران السنة الماضية تفاخر ترامب بتدمير البرنامج النووي، بل وقال رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو بان التهديد الوجودي على إسرائيل قد زال. الحقيقة كانت مختلفة، فقد تسبب الهجوم الأمريكي على المنشأة الموجودة تحت الأرض في فوردو باضرار كبيرة، وكذلك أيضا التفجيرات الإسرائيلية في نتناز واصفهان، لكن حرب حزيران لم تعالج تهديد رئيسي وهو مخزون اليورانيوم عالي التخصيب الذي يبلغ نحو 440 كغم بمستوى تخسيب 60 في المئة. وفي الأيام الأخيرة نشرت وسائل الاعلام الامريكية تقارير عن فحص إمكانية شن عملية برية للتعامل مع هذه المادة التي يعتقد ان معظمها موجود في أصفهان.
قد يشكل هذا مشكلة خطيرة لترامب اذا بقي النظام الإيراني في السلطة، اذ سيشجع هذا القادة الناجين من الحرب على تسريع تطوير المشروع النووي والمضي قدما حتى بناء منشاة نووية بدائية لاعادة بناء ميزان الردع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل. وباستثناء تأكيده على ضرورة معالجة الملف النووي، لم يعلن الرئيس عن كيفية التعامل مع هذا الامر.
مواعظ أخلاقية
أمس واصلت ايران اطلاق صواريخ متفرقة بمعدل كل ساعتين تقريبا، على وسط وشمال البلاد. وانضمت الى ذلك محاولات متكررة من حزب الله لاطلاق مسيرات على الجليل، واسفرت الصواريخ عن إصابة ستة مواطنين في منطقة تل ابيب الكبرى امس، احدهم في حالة خطيرة. لكن يبدو ان الضرر الأكبر الذي احدثه القصف في الأيام الأخيرة هو الضرر المعنوي، اذ باتت ايران قادرة على تعطيل حياة ملايين الإسرائيليين من خلال اللجوء المتكرر الى الملاجيء كل بضع ساعات.
تعكس قرارات وزارة المالية وقيادة الجبهة الداخلية بشان عودة الاقتصاد الى العمل انفصال واضح عن المعاناة اليومية لشريحة كبيرة من المواطنين. فالعائلات الشابة على وجه الخصوص تواجه صعوبة في التوفيق بين رعاية الأطفال والذهاب الى العمل، وعندما يضاف الى ذلك مواعظ مؤيدي الحكومة وتصريحاتهم اللاذعة بشان ما يزعم انه “بكاء” المواطنين يتولد لدى المرء مجددا انطباع بان متخذي القرارات لا يبالون بالعبء الذي تفرضه الحرب الممتدة على المواطنين.
وقد نشرت صحيفة “وول ستريت جورنال” امس ان قوة الباسيج التابعة للنظام الإيراني ما زالت منتشرة في شوارع طهران، حيث تقيم نقاط تفتيش فجائية وتجري عمليات تفتيش لسيارات المواطنين في محاولة لمصادرة صحون الأقمار الصناعية والسلاح. في المقابل، نظرا لتفجيرات مراكز الشرطة المدنية وبيوت كبار مسؤولي النظام، يفضل العديد من ضباط الشرطة النوم في السيارات تجنبا لأي اخطار. وقد اصدر الجيش الإسرائيلي امس تهديد مباشر لاستهداف أعضاء مجلس خبراء مصلحة النظام في ايران في محاولة للايقاع بهم خلال اجتماع آخر يهدف الى انتخاب خليفة خامنئي.
الى جانب مواقع النفط تستمر الغارات الجوية بالتركيز على اهداف تابعة لقوة الباسيج والشرطة والحرس الثوري. ويبدو ان المخططين ياملون في ان يؤدي استهداف آليات القمع الوحشية التي أبقت النظام قائم خلال السنوات القليلة الماضية، وقمعت بوحشية موجة الاحتجاجات الواسعة في كانون الثاني الماضي الى انهيار النظام أو على الأقل الى توقيع اتفاق نووي جديد، مع تلبية الطلبات الامريكية واسعة النطاق. وقد اعلن ترامب في عطلة نهاية الأسبوع بانه يتوقع استسلام إيراني كامل وهو لا ينوي تقديم أي تنازلات.
لا تنشر الولايات المتحدة وإسرائيل معلومات مفصلة عن نجاح الضربات بحجة انهما لا ترغبان في تزويد العدو بمعلومات مفيدة في زمن الحرب. وتشير الإنجازات العملياتية السابقة للجيش الإسرائيلي في لبنان وايران خلال الحرب التي بدات في مذبحة 7 أكتوبر الى ما يمكن تحقيقه في هذه المرة، في حملة أوسع نطاقا بكثير، يسعى الإيرانيون الى توسيعا لتشمل دول الخليج. ويتفاقم هذا الوضع مع التحديث المستمر للقدرات الامريكية التي لم تعرض علنا منذ فترة طويلة.
لكن المشكلة ما زالت قائمة، وهي صعوبة تحويل الإنجازات العسكرية الى تحرك شامل يسقط النظام. وذكرت “نيويورك تايمز” بان تقرير استخباري قدم لادارة ترامب عشية الهجوم قدر ان فرصة اسقاط النظام بهذه الطريقة ضئيلة. وزعمت الصحيفة أيضا في نهاية الأسبوع بان نحو نصف الصواريخ البالستية والمسيرات التي كانت ايران تمتلكها في بداية الحرب لم تدمر بعد.
توزيع الاهتمام
تحول جزء من اهتمام إسرائيل من ايران الى لبنان في الفترة الأخيرة. أمس اسفر اطلاق نار من حزب الله في لبنان عن قتل جنديين إسرائيليين من كتيبة هندسية نظامية. هذه هي الخسارة الأولى في صفوف الجيش الإسرائيلي منذ بداية الحرب في 28 شباط. والى جانب اطلاق المسيرات والصواريخ على الأراضي الإسرائيلية، يركز حزب الله جهوده على استهداف القوات التي دخلت المنطقة الأمنية التي وسعها الجيش الإسرائيلي جنوب البلاد. وقد خلص التحقيق الاولي الى ان القتلى أصيبوا بصاروخ مضاد للدروع أو بقذيفة هاون اطلقت على جرافة كانت تساعد في اخراج دبابة عالقة في المنطقة.
ويتم نشر القوات في جنوب لبنان على شكل دفاع امامي، بهدف عزل حزب الله عن سكان المستوطنات الإسرائيلية القريبة من الجدار. وياتي هذا بعد نقل الحزب بعض عناصره من قوة الرضوان الى جنوب الليطاني. ويعتقد الجيش الإسرائيلي ان هناك فجوة متزايدة بين القيادة الإيرانية وحزب الله منذ بدء الحرب، على خلفية الهجمات الإسرائيلية والأمريكية. ويقدر الجيش بان الحزب اضطر الى إدارة حملته بشكل شبه مستقل. وحسب الجيش الإسرائيلي فقد قتل اكثر من 200 عنصر من حزب الله في الأسبوع الماضي، وهذه هي المرة الأولى التي يشتبك فيها حزب الله علنا مع الجيش الإسرائيلي منذ وقف اطلاق النار في لبنان في تشرين الثاني 2024، الذي انهى المعركة السابقة بين الطرفين. وحتى اندلاع المعركة الحالية فضل حزب الامتناع عن الرد على هجمات اسرائيل المتكررة. والان عاد الى القتال الشامل رغم ان قدرته العسكرية اقل مما كانت عليه في الحرب السابقة.
في هذه المرحلة من الحرب ما زال هناك اجماع شعبي واسع نسبيا في إسرائيل بشان أهدافها. علينا ان ننتظر لنرى اذا كان يمكن انهاء الحملة في ايران بتغيير النظام بالقوة هناك. ولكن من الجدير أيضا الانتباه الى ما يحدث في لبنان، الذي ينظر اليه كساحة ثانوية. قبل اندلاع الحرب الحالية في ايران كانت إسرائيل بصدد اضعاف حزب الله بالتعاون مع الولايات المتحدة، والى درجة كبيرة مع الحكومة اللبنانية، على أمل تحقيق بعض اهداف نزع سلاحه. والان اختارت إسرائيل التحرك العسكري الهجومي مع توسيع السيطرة على الأراضي اللبنانية وتكثيف هجماتها الجوية هناك.
المبرر الرئيسي يتمحور حول ضرورة حماية سكان الشمال ومنع غارة واسعة النطاق على شاكلة احداث 7 أكتوبر. ولكن فيما يتعلق بالحكومة الحالية يصعب تجاهل الشكوك بوجود اعتبارات أخرى. فالهجوم المتواصل من قبل الجيش يمنح حزب الله فرصة العودة الى الذريعة المعهودة وهو انه لا يفعل سوى الدفاع عن الأراضي اللبنانية من المحتلين الأجانب. وهذا يضمن استمرار الاحتكاك العسكري، وهو ما يخدم نتنياهو. قبل بضعة اشهر وصف رئيس الحكومة إسرائيل بانها اسبرطة العصر الحديث. وللحفاظ على هويتها المحاربة تحتاج اسبرطة الى احتكاك عسكري دائم يسمح لحاكمها بالبقاء في السلطة مهما كان الثمن.



