ترجمات عبرية

هآرتس: الحرب تتخذ طابع صراع كارثي بين التحالف المسيحي اليهودي والاسلام

هآرتس 7/4/2026، دافيد اوحناالحرب تتخذ طابع صراع كارثي بين التحالف المسيحي اليهودي والاسلام

في كتابه “الحملة الصليبية الامريكية: نضالنا من اجل البقاء احرار” (2020)، شبه بيت هيغست، وهو مذيع التلفزيون الذي اصبح “وزير الحرب الامريكي”، الامريكيين بالصليبيين الجدد، ويتفاخر بالوشم الموجود على ذراعه “ديوس فولت” (ارادة الله)، وهي صرخة حرب الصليبيين الذين، حسب قوله، “يجب ان نشكرهم”.

عتبر هيغست ان الصليبيين كانوا محاربين مسيحيين من غرب اوروبا، انضموا الى مهمة تحرير القدس، حيث سيطر المسلمون الكفار على كنيسة القيامة. هم حماة حضارة الغرب التي حسب رأيه تعزز قيمة “الحرية” و”العدالة” و”المساواة”. وقد دافع المسيحيون ضد غزو الاسلام في حينه مثلما يفعلون الآن. وشعر هيغست بانه مسيحي مضطهد: كرجل قوات امن في فترة الاعداد لتنصيب جو بايدن في العام 2021 تم طرده من وظيفته بسبب وشم على جسده، وهو الحرق الذي جسد قلقه من ان الولايات المتحدة لن تكون قادرة على الدفاع عن نفسها ضد ايديولوجيا اسلامية ويسارية، التي يمكن ان تقضي على حرية الانسان.

في الحرب الحالية ضد الجمهورية الاسلامية الايرانية، يضيف الامريكيون مدماج آخر الى اسطورة الحروب الصليبية التي لها اوجه كثيرة. ومثل أي اسطورة فهي ليست فقط خرافة أو مجموعة اكاذيب. فالاسطورة هي حقيقة من منظار معين واسلوب آخر للتفسير، وسجل اسطوري يصوغ فيه كل طرف روايته.

بالنسبة للمؤرخين هي حبكة دراما يغزو فيها المسيحيون الغربيون الشرق الاسلامي. وبالنسبة لعلماء اللاهوت تعتبر هذه الحادثة رمز ومثال على القوة الروحية للمؤمنين، سواء كانوا مسيحيين يهاجرون من وطنهم لحماية نسيجهم الديني، أو مسلمين توحدت قلوبهم وسيوفهم لهزيمة الكفار المسيحيين بعد قرنين. أما بالنسبة للقومية العربية الحديثة فهي اسطورة سياسية تحشد الجهود بمثابة “عمل الآباء هو اشارة للابناء”، حيث كانت الحادثة التاريخية مثال ونموذج للاحفاد الذين سيتمكنون من طرد الكفار اليهود من ارض اسرائيل في القرن العشرين. وبالنسبة للقوميين الاسرائيليين هي درس تاريخي يحتاج الى تقديم علاج مسبق للمرض. وبالنسبة للاصوليين هي ذريعة لمهاجمة العولمة والحداثة والعلمانية. وبالنسبة للاصوليين الامريكيين وممثليهم في الحكومة هي نموذج الهام لكيفية ادارة الحرب الآن ضد ايران والاسلام.

تردد الرواية الامريكية الاسطورية الحالية عن الحروب الصليبية، التي يمثلها مفهوم “تفوق العرق الابيض” للافنغلستيين، صدى ملاحظة الجغرافي التاريخي الراحل روني الينبلوم، الذي جادل بان أي أمة غربية في القرن التاسع عشر اخترعت رواية مشابهة عن الحروب الصليبية على ارضها. الثورة الاسلامية ضد الكولونيالية في العصور الوسطى تم تجنيدها في العصر الحالي لتكون ثورة القوميين العرب الناشئين ضد الكولونيالية الغربية. ولكن المستعمرين الاوروبيين استثمروا علم التاريخ الجغرافي في خدمة السياسة، وضموا الجغرافيا للتاريخ.

لقد تخيل الفرنسيون حملات تشارل العاشر ونابليون كحروب صليبية فرنسية، وتوج الالمان فريدريك بارباروسا كبطل قومي في السعي لتوحيد المانيا، واعتبرت بلجيكا غوتفريد ديبوا، الذي لم تكن بلجيكا هي مسقط رأسه، لكنه اصبح كذلك في القرن التاسع عشر. وفي العام 1851، بعد المعرض العالمي الكبير نقل الانجليز تمثال ريتشارد قلب الاسد الى مكانه الجديد قرب قصر ويستمنستر، حيث ما زال قائما حتى الآن. ويعتبر هيغست وامثاله ان مصير البشرية يتعلق بحملة صليبية امريكية. فحسب رأيه يجب على الامريكيين طرد شبح السيطرة على التعليم والثقافة والدين. الحرب المقدسة من اجل ما يسميه “الامركة”، التي تتسم بمعارضة النسوية والعولمة والماركسية والتقدمية. ويقول ان اليساريين “يكرهون امريكا”، ولذلك هم يكرهون الدستور.

يعتبر الاسلام في طليعة الاعداء. هيغست هو عضو في الكنيسة الافنغلستية الاصلاحية، وهي جزء من حركة راديكالية قام بتاسيسها داغ ويلسون، وتضم اكثر من 150 كنيسة افنغلستية. ويلسون، القومي المسيحي، وصف الحروب الصليبية مؤخرا بشكل ايجابي رغم اعمال القتل التي نفذها الصليبيون، ووصفها بانها “رد فعل مناسب في ذلك الحين على العدوان الاسلامي”. وكتب هيغست: “حملتنا الصليبية لا تتناول السيوف، كما يقال، ونضالنا ليس بالبنادق والمسدسات حتى الآن”.

في حرب الخليج الاولى (1991) قدمت الولايات المتحدة، القوى العظمى في حينه، نفسها كقائدة حملة اخلاقية على خلفية الصورة الذاتية التي انعكست في كتاب بعنوان “الحملة الصليبية في اوروبا”، الذي اختاره ايزنهاور لمذكراته عن الحرب العالمية الثانية، والتي وصفها بانها حرب عادلة ولا مثيل لها. بسرعة اكتسبت الحرب ضد العراق رموز وقواعد ثقافية، “حرب علامات تجارية”، حسب تعبير الباحثة الثقافية نعومي كلاين، التي ورثت الصراعات الفعلية. كان الصراع في الشرق الاوسط حرب مقدسة بين صدام حسين (صلاح الدين) وجورج بوش (ريتشارد قلب الاسد).

لقد تبنى بن تسيون نتنياهو، المؤرخ من العصور الوسطى، تصور مشابه للخوف من الاسلام، والعداء الشديد تجاهه، والنظرة التي تقول بضرورة خوض حرب أبدية بين الحضارات. وقد قال ان 1200 سنة مرت منذ اوقف شارلمان (كارل الكبير) الموريون الذين حاولوا السيطرة على بلاد الغال (فرنسا الان). ومرت اكثر من 300 سنة على طرد الاتراك عن ابواب فيينا، ويرى ان النزعة الاسلامية الامبريالية القديمة نزعة مشتركة بين العرب والاتراك والموريون، وقد تنفجر هذه النزعة على شكل هجوم عربي – اسلامي جديد على الغرب، ويرى ان الاسلام عمل دائما على استعباد عالم الغرب، ولو وقف الهجومين السابقين له لما كانت اوروبا ستتمكن من التطور الثقافي الذي شاهدته خلال الخمسمائة سنة الاخيرة. الغرب اعمى، “الانحلال في الغرب هو نفس الانحلال”. ويؤدي تشاؤم بن تسيون نتنياهو الى استنتاج أنه “كثيرا ما يظهر لي أن شبنغلر كان على حق: الغرب في حالة تدهور… لم يستوعب الرأي العام الصهيوني حتى الان حقيقة ان حياة الدولة هي قبل أي شيء آخر، حياة صراع دائم”.

في حديث جرى بيننا قبيل بلوغه 100 سنة، شرح بن تسيون نتنياهو المنطق الذي يكمن في رغبة الصليبيين في هزيمة الاسلام. وقد واصل بنيامين نتنياهو النهج الذي بدأه والده. وفي كلمته امام النصب التذكاري لاسحق رابين في جبل هرتسل في 2018 قال “جيراننا ما زالوا يدفعون اموال طائلة لقتلة اليهود… البعض يقومون بمقارنتنا، نحن الصهاينة، بالصليبيين الذين حكموا هذه الارض 100 – 200 سنة. ومثلما سقط الصليبيون على يد المماليك واختفوا، يأمل هؤلاء الاصوليون أن تختفي اسرائيل. نحن لسنا صليبيين أو صليبيين جدد”.

في بداية العام 2000 وصف الصحافي غاي باخور بدقة الفرضية الاساسية لنتنياهو (وأنا أقول التي تحركه ايضا في حربه مع ايران)، “ان اسرائيل على وشك ان تصبح طواعية حصن صليبي منفصل، الامر الذي يشهد على غربتها وخلوها من أي محاولة للاندماج واكتساب شرعية حقيقية في المنطقة” (“يديعوت احرونوت”، 13/12/2000).

المسيحية الغربية احتضت اسرائيل في حربها ضد الاسلام الشرقي – وتبين ان الصراع هو صراع بين الغرب واليهود من جهة وبين العرب والمسلمين. وهكذا حدث انقلاب يثير الاهتمام في العلاقة التاريخية المعقدة بين اليهود والمسلمين والمسيحيين، حيث انضمت نجمة داود للصليب في الصراع ضد الهلال. في صراع الحضارات، في الصراع بين الاسلام والمسيحية، بين الشرق والغرب، هل لا تجد اسرائيل نفسها معرضة لأن تكون بين المطرقة والسندان، بين “الخير” المسيحي و”الشر” المسلم؟. ألا يقتبس الاسرائيليون نمط العلاقة المعقدة التي كانت بين المسيحيين واليهود في اوروبا ويسقطونه على علاقاتهم مع المسلمين في الشرق الاوسط؟ ألا يتراجع الاسرائيليون في الوعي الذاتي من نموذج الدولة السيادية الى نموذج الشتات، الذي هو ضحية الخوف الصليبي، سواء من الغرب المسيحي في السابق أو الشرق المسلم في الحاضر؟.

ان المحتوى الديني والنوايا المسيحانية والمصالح الاستعمارية يمكن ان تخفي الصراعات الحقيقية. فالحرب الحالية بين الولايات المتحدة واسرائيل ضد ايران، التي بدأت كحرب على اهداف محددة مثل السلاح النووي والصواريخ، تتخذ ببطء صفة صراع كارثي بين الغرب والشرق، بين التحالف المسيحي – اليهودي وبين الاسلام. في معركة الصور في حرب الخليج شبه هينتنغتون صدام حسين بزعيم المسلمين الذين لم يحالفه الحظ في هذه المرة. ويبدو ان وزير الحرب الحالي، مبعوث رئيسه، يكرر من جديد صدى البشرى المسيحية في الولايات المتحدة بصورة اكثر شدة.

اثناء حرب الخليج الثانية شبه جورج بوش الحرب ومكافحة الارهاب بـ “حملة صليبية طويلة، ويجب علينا الصبر”. كان هناك تخوف من ان ينظر الى هذا التصريح على انه بداية لصراع بين الحضارات، يستند الى سابقة العصور الوسطى. حيث يمكن اعتبار الغرب المسيحي قوة سياسية وثقافية تهدد الاسلام. وبالتالي، قد يجر اسرائيل الى صراعات لا تخصها.

لقد سارع اسامة بن لادن في حينه الى الاعلان “لقد اسسنا مع شريحة كبيرة من اخواننا الجبهة الاسلامية العالمية للجهاد ضد اليهود والصليبيين… ضد العدو الخارجي الاكبر – التحالف الصليبي اليهودي”. ولكن قبل الهجوم على ابراج التوائم بثلاث سنوات اعلن بالفعل ان هدفه هو “محاربة اليهود والصليبيين”. وقد عمل ابن لادن على قيادة صراع عالمي شامل وعميق ضد اسس حضارة الغرب، حيث كانت اسرائيل بمثابة رأس السهم. ويحسب لدونالد ترامب انه، على الاقل في هذه المرحلة، لا ينجر وراء خطاب وزير حربه الشعبوي.

يستطيع السياسيون والجنرالات والشعبويون، البعيدون عن الصراع الدموي في الشرق الاوسط، أن يغرقوا في الخيال ويصلون الى عوالم كارثية، نظريات سياسية وحروب ايديولوجية. أما نحن هنا، في زاويتنا الصغيرة من البحر المتوسط، الى جانب جيراننا، نحلم ونصلي بأن لا يأكل سيفنا الى الأبد. وتقع علينا مسؤولية عدم ادامة الصراعات عبر صور لا نستطيع التحرر منها. فبدلا من الصور الحتمية، تعالوا ننمي الامل في امكانية تحويل الاعداء الوهميين الى اصدقاء حقيقيين أو جيران طيبين.

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى