هآرتس: اسرائيل دولة ابرتهايد للموتى ايضا
هآرتس 29/1/2026، جدعون ليفي: اسرائيل دولة ابرتهايد للموتى ايضا
يوجد لدينا ابطال جدد للحظة، الذين لم نشاهد مثلهم من قبل: المنقبون عن الجثث – مئات الجنود والحاخامات واطباء التشريح واطباء الاسنان الذين تم تجنيدهم من اجل العثور على جثة المخطوف ران غوئيلي. “هذا انفعال هستيري”، وصفت حالته طبيبة الاسنان التي تعرفت على اسنانه. وبغض النظر عن الفرح المفهوم من العثور على جثته فانه لا يمكن تجاهل الهوس المرضي بالجثث الذي انتشر في اسرائيل.
ربما يمكن فهم المنفعلين الى درجة “الجنون” من العثور على جثة، لكن لا يمكن تجاهل الثمن الباهظ وازدواجية الاخلاق التي رافقت عملية اخراج مئات جثث الفلسطينيين من القبور وتدنيسها بعنف واعتبار العملية عمل بطولي ووطني، وتسميتها بـ “القلب الشجاع”.
ليس هذا فقط، بل ان الامر يتجاوز ذلك. فاذا كانت اسرائيل تعتبر حتى الان دولة فصل عنصري بالنسبة لرعاياها الاحياء، فقد كشفت مقبرة البطش بانها دولة فصل عنصري للاموات ايضا، نظام فصل عنصري للهياكل العظمية. دولة قامت باختطاف واحتجاز مئات الجثث، بعضها تم دفنه وبعضها تم تجميده منذ اشهر وسنين، مستعدة لدفع أي ثمن من اجل اعادة جثة واحدة. من اجل اعادة رفات الموتى مسموح لها فعل أي شيء.
فقط الاسرائيليون اليهود توجد لهم عائلات تحلم باعادتهم ليدفنوا في اسرائيل. مئات العائلات الفلسطينية التي تحلم بدفن اعزائها في فلسطين، تعتبر لا شيء. حتى موتاها لا توجد لهم حقوق. وسماسرة الجثث يستمرون في الاحتفاظ بها من اجل المساومة، مساومة لانهائية. كل الموتى الاسرائيليين عادوا الى بلادهم، وتواصل اسرائيل اختطاف الجثث والاحتفاظ بها الى حين الحاجة. الثلاجات والمقابر مكتظة بالجثث. كل من دفن هناك له آباء واولاد يتوقون لدفنه بشكل لائق، لكن اسرائيل لها راي آخر: فقط نحن لدينا احاسيس، فقط نحن بشر.
اول امس، في الوقت الذي كانت اسرائيل تحتفل فيه بالعثور على جثة آخر المخطوفين، وتحولت مقبرة البطش الى سهل من الرمال، خرج اربعة شباب من غزة الى ما كان يعرف كمقبرة من اجل عن جثث احبائهم، كل واحد منهم كان لديه ألم مختلف، واحد منهم كان يبحث عن قبر والده، وآخر كان يبحث عن قبر والدته، والثالث عن قبر شقيقه والرابع عن قبر شقيقته.
الجيش الاسرائيلي قتل هؤلاء الاربعة: محمود لولو، عبد القادر أبو خضر، عبد الكريم ربان والفتى يوسف الريفي. وحتى كتابة هذه السطور فان المتحدث باسم الجيش الاسرائيلي لم يرد على سؤال “هآرتس” حول سبب اعدامهم رميا بالرصاص. حتى ازهاق ارواح الابرياء يبرر العثور على جثة المخطوف الاسرائيلي الاخير.
من المقبرة التي كان مدفون فيها مئات الاشخاص لم يبق أي شيء. المتحدث باسم الجيش الاسرائيلي قال أمس للصحيفة: “كل الجثث اعيد دفنها في نفس المنطقة، بواسطة تراب جلبه الجيش الاسرائيلي، لم تبق أي جثث في المنطقة”.
قناة “الجزيرة” نشرت امس افلام فيديو قام بتصويرها سكان شجعان ذهبوا الى المقبرة التي يسيطر عليها الجيش الاسرائيلي من اجل البحث عن رفات اقاربهم. الشخص الذي صور الفيديو بصوت منخفض وهو يلهث ويبكي قال: “هذه جثة، هذه جثة اخرى”. المقبرة اصبحت مثل ملعب تيدي، حسب وصف من دمر مخيم جنين للاجئين دوفي كردي.
المشهد مؤلم: مصور الفيديو اشار الى اكياس بلاستيكية ممزقة، التي كان فيها اشلاء جثث، وهي تتدحرج على الارض. المنطقة الواسعة مغطاة كلها بالرمال، لم يبق أي قبر. اذا كانت اسرائيل قد حرصت في النكبة الاولى في 1948 على الحفاظ على المقابر فانه في نكبة غزة لم يبق حجر فوق حجر من مقبرة البطش. كيف سيتعرفون على قبور احبائهم؟ كيف سيجدون مكان جثثهم في الرمال؟.
في الطيرة تجلس عائلة وليد دقة، السجين في اسرائيل والذي توفي في السجن بعد 38 سنة، تنتظر جثمانه. لقد انتظرت منذ سنتين الزوجة سناء والابنة ميلاد والشقيق. هم ينتظرون وينتظرون.



