هآرتس: احتلال جزيرة خارج يوصف كمحطم تعادل، وماذا بعد ذلك
هآرتس 1/4/2026، تسفي برئيل: احتلال جزيرة خارج يوصف كمحطم تعادل، وماذا بعد ذلك
لقد اصبح الاستيلاء على جزيرة خارج هو أمل دونالد ترامب في تحقيق النصر المطلق. بغض النظر عن عدد من كبار المسؤولين الذين تمت تصفيتهم، بما في ذلك المرشد الاعلى علي خامنئي ورئيس المخابرات اسماعيل الخطيب وقائد الباسيج غلام رضا سليماني وكل قادة القيادة العسكرية والسياسية. بغض النظر عن عدد المنشآت النووية التي تم تدميرها أو عدد منصات الصواريخ التي تم تدميرها، فان الهدف الان هو فرض “اكبر ضغط اقتصادي” على ايران من اجل اجبارها على العودة الى طاولة المفاوضات التي تركها ترامب عشية شن الحرب. من جميع اهدافه الطموحة عاد الرئيس الامريكي الى نقطة البداية بالضبط.
يبدو الآن ان جزيرة خارج هي رأس الحربة، والعامل الحاسم الذي يحطم التوازن. من المفروض ان يكون الاستيلاء عليها المعركة الاخيرة والضربة الاقتصادية القاضية التي ستخضع ايران. ولكن ترامب كان يؤمن بذلك ايضا عندما قام بفرض سلسلة عقوبات شديدة على ايران بعد الانسحاب من الاتفاق النووي في 2018.
ظاهريا، لا يعتبر احتلال جزيرة مساحتها 20 ألف كم مربع، ثلث مساحة منهاتن تقريبا، هو مهمة صعبة. يمكن لنحو 8 آلاف جندي امريكي، حجم القوات التي يتم حشدها لهذا الغزو، الاستيلاء على رأس جسر والسيطرة على الجزيرة ووقف تشغيل منشآت النفط، أو ربما الاستمرار في تشغيلها من اجل تمويل البقاء هناك. مع ذلك، مثلما هو الامر في أي غزو، فان السيطرة ليست الا المرحلة الاولى، التي هي مرحلة سهلة نسبيا. اما السيطرة على المكان على المدى البعيد وما يترتب عليها من تعقيدات وآثار، هي المشكلة الكبيرة التي قد تشكل سهم مرتد مدمر على القوة المحتلة.
توجد جزيرة خارج على بعد 25 كم فقط عن الساحل الايراني، وعلى بعد 60 كم عن بوشهر، التي لا تضم فقط المفاعل النووي الايراني الكبير، بل تضم ايضا منظومة عسكرية كثيفة. وقد تعرض جزء من منظومة الدفاع الجوية للضرر، ولكنها ما زالت تمتلك احتياطي من الطاقة يكفي لالحاق خسائر كبيرة بالقوات الامريكية. ومع وجود جنود امريكيين واهداف مدنية قريبة، بما في ذلك منظومة الدعم اللوجستي المعقدة التي ستستخدمها الولايات المتحدة، فان ايران لن تحتاج الى الصواريخ البالستية لمهاجمتها. ويتوقع ان تكون المسيرات الرخيصة والزوارق السريعة غير الماهولة والالغام أو اختطاف جنود من صفات الحملة التكتيكية التي ستشنها القوات الايرانية ضد الولايات المتحدة.
تبدأ التقييمات المتشائمة بالفعل في اجراء المقارنة بين معركة غاليبولي في العام 1915، وبين ما ينتظر القوات الامريكية، مذبحة ستنتهي بهزيمة ساحقة. ولكن حتى التقييمات المتفائلة، القليلة أصلا، تتساءل عن المدة التي سيتمكن فيها الجيش الامريكي من السيطرة على جزيرة خارج قبل تقرير النظام في ايران بانه لم يعد بامكانه التنازل عن هذه الجزيرة. ليس من المبالغ فيه الاشارة الى ان ادارة بوش كانت تامل ان يحقق غزو العراق ارباح كثيرة من تصدير النفط العراقي، ولكنها انهت الحملة بتبذير مئات مليارات الدولارات وقتل 4418 جندي امريكي واصابة الآلاف. جزيرة خارج ليست مثل العراق أو افغانستان، حيث قتل هناك تقريبا 2500 جندي امريكي. ولكن حتى بضع عشرات من التوابيت قد تثير ردود فعل شديدة من قبل الامريكيين، اضافة الى المعارضة المتزايدة للحرب.
ايضا احتلال جزيرة خارج سيعرض آبار النفط والمصافي والموانيء والبنى التحتية المدنية في دول الخليج للخطر، التي تضرر بعضها بالفعل بسبب الصواريخ الايرانية، لكن معظم نشاطها ما زال يعمل. تعتبر خارج ممر حيوي، حيث يتم تصدير نحو 90 في المئة من نفط ايران عبر هذه الجزيرة المرجانية الصغيرة، التي فشلت ايران في ايجاد بديل مرض لها خلال الـ 47 سنة من حكم النظام. مع ذلك، تمتلك ايران ايضا احتياطي عائم من النفط في ناقلات تتسع لـ 170 مليون برميل، ومعظم هذه الكمية يتركز في الخليج الفارسي وخليج عُمان، بينما ترسو 7.5 مليون برميل قرب دول في آسيا، في ناقلات مصممة للتصدير، لا سيما للصين. وقد صدرت ايران 1.5 مليون برميل في اليوم في شهر شباط، و2.5 – 2.8 مليون برميل في شهر آذار. ومن هذه الكمية تكفي كمية النفط الموجودة في ناقلاتها خارج الخليج وحدها لتوفير دخل “روتيني” لمدة خمسة شهور تقريبا. هذا بدون حساب اموالها في صندوق الطواريء الوطني، التي لا يعرف حجمها، والاموال التي تدين بها الصين لها مقابل مشتريات النفط، التي تقدر بمبلغ 20 – 22 مليار دولار.
هل تستطيع الولايات المتحدة الانتظار ستة شهور لفحص الاثار الاقتصادية لاحتلال جزيرة خارج؟. في شهر كانون الاول الماضي قدمت الحكومة في ايران مشروع ميزانية العام 2026/ 2027، الذي يستند الى افتراض استمرار ايران في مواجهة العقوبات ومحدودية مداخيل النفط، وقد عكست الميزانية انخفاض 50 في المئة من اجمالي الايرادات المتوقعة، ولكنها اعطت الحرس الثوري والجيش والاجهزة الامنية الاخرى نصيب اكبر مما في السنة الماضية. في نفس الشهر اندلعت احتجاجات واسعة استمرت حتى كانون الثاني، وانخفض سعر الريال الى مستوى غير مسبوق حيث بلغ 1.5 ريال للدولار. وارتفع التضخم الرسمي الى 45 في المئة واكثر، وظهر النظام في حينه على باب الانهيار. ولكن يبدو ان الانظمة المستبدة لا تستعجل الانهيار بسبب الازمة الاقتصادية. فقد تمكن نظام صدام حسين في العراق من الصمود اكثر من عقد للعقوبات الاقتصادية الشديدة ولم يتم اسقاطه ألا بالحرب. ايران لم تصل الى هذه المرحلة حتى الآن.
في غضون ذلك يستعد ترامب لطلب 200 مليار دولار اخرى من الكونغرس لتمويل نفقات الحرب، اضافة الى ميزانية الدفاع (العادية) التي تزيد على تريليون دولار. وللمقارنة، الولايات المتحدة انفقت حوالي 880 مليار دولار في ثماني سنوات الحرب في العراق. لا تملك ايران بيانات رسمية حول حجم الاضرار والنفقات الناتجة عن الحرب. ويحذر الرئيس الايراني مسعود بزشكيان من ازمة اقتصادية في حالة استمرارها. ولكن الامر يتجاوز جدول الايرادات والنفقات. فبالنسبة لايران هذه حرب على سيادتها. وقد تحولت من الصراع على الحفاظ على حقها في تخصيب اليورانيوم وتطوير المنظومة الصاروخية الى منافسة بينها وبين الولايات المتحدة على “قدرة الصمود”، الامر الذي يهدد مصير الثورة الاسلامية. قد تكون ايران استعدت لذلك منذ تاسيسها.
في هذه الحملة لا تقاتل ايران لوحدها، ولا يقتصر الامر على وكلائها في العراق ولبنان واليمن، بل ان دول الخليج هي ايضا يمكن ان يتبين أنها “الورقة الرابحة لها”. ترامب اعترف انه تفاجأ من مهاجمة ايران لجيرانها العرب، في حين كانت دول الخليج اقل دهشة. فقد استعدت هذه الدول اكثر من الولايات المتحدة لمواجهة تهديد ايران. ولكن ادوات لعبها كانت سياسية. فقد اقامت شبكة علاقات واسعة مع ايران شملت استئناف العلاقات بين السعودية والامارات وبين طهران، وتجاهل واضح للعقوبات الامريكية، واتفاقات وصفقات اقتصادية جعلت دولة الامارات الشريك الثاني المهم لايران، وجعلت قطر حليفة استراتيجية. كان من المفروض ان يحميها كل ذلك من أي هجوم عسكري. ولكن هذا “الجدار الواقي” انهار امام الشعور بالتهديد الوجودي الذي سيطر على ايران في مواجهة الهجوم غير المسبوق عليها.
ان سياسة “صفر مشاكل مع الجيران” هي عبارة ماخوذة من قاموس سياسة تركيا – والتي سوقتها ايران بقوة في فترة الرئيس ابراهيم رئيسي القصيرة. هذه السياسة هدفت الى تحقيق هدفين استراتيجيين، دمج ايران في الشرق الاوسط العربي في محاولة للتاثير على توجه المنطقة نحو الولايات المتحدة. وبناء درع واقي يستغل حساسية الدول العربية بشكل عام ودول الخليج بشكل خاص من الازمات الاقتصادية. في الواقع جعلت الحرب في غزة ايران ضيفة دائمة في قمم جامعة الدول العربية وكأنها جزء لا يتجزأ من العالم العربي. في تشرين الثاني 2024 زار رئيس اركان الجيش السعودي، فياض بن حمد الراويلي، ايران للمرة الاولى والتقى مع قائد الجيش الايراني محمد باقري، الذي قتل فيما بعد، من اجل مناقشة طرق التعاون العسكري. هذا جاء بعد اجراء الدولتين مناورات عسكرية مشتركة مع دول اخرى في المنطقة، واصبح وزراء خارجية ايران مرغوب فيهم في السعودية.
السعودية ودول الخليج ليست دول بريئة كانت ضحية لمكر ايران. فالسياسة الامريكية المتضاربة تجاه ايران، بدءا بانسحاب ترامب من الاتفاق النووي ومرورا ببدء الرئيس بايدن في التفاوض مع ايران وانتهاء بالطريقة التي ادار فيها ترامب المحادثات التي تهدف الى التوصل الى اتفاق نووي جديد، اوضحت لهذه الدول بانه من الافضل لها اتباع نهج مستقل تجاه ايران.
التسريبات التي تاتي من البيت الابيض مؤخرا والتي تشير الى احتمالية تنازل ترامب عن الحملة وترك معالجة مضيق هرمز لدول اخرى، اضافة الى معرفة ان الضغط الداخلي في الولايات المتحدة والنفقات الباهظة قد تحسم مصير الحرب، وضعت دول الخليج امام وضع مالوف بالنسبة لها. فهي الان تبحث عن شركاء جدد مثل باكستان وتركيا من اجل تنويع المنظومات الدفاعية العسكرية. ولكن في نفس الوقت هي ملزمة بالاستعداد لليوم الذي سيعلن فيه ترامب الانتصار بدون نصر حقيقي، وتركها لمواجهة ايران لوحدها. وحقيقة ان أي دولة من الدول العربية التي هاجمتها ايران لم تقم بقطع علاقاتها الدبلوماسية معها، وان أي جيش عربي لم يشارك في الحرب، قد تشير الى ان هذه الدول بدات تستعد بالفعل لليوم التالي، عندما لا يكون امامها أي خيار الا العودة الى طاولة المفاوضات مع النظام الايراني نفسه الذي كان من المفروض أن يسقط.



