منوعات

محمد قاروط أبو رحمة: إعادة تصميم التعليم الجامعي: من الامتثال إلى بناء المبدعين المنضبطين

من استنساخ النموذج الصناعي إلى صناعة "المبدعين المنضبطين": قراءة تاريخية في مأزق التعليم العربي في عصر الذكاء الاصطناعي

محمد قاروط أبو رحمة 1-3-2026: إعادة تصميم التعليم الجامعي: من الامتثال إلى بناء المبدعين المنضبطين

 حين نناقش أزمة التعليم في العالم العربي اليوم، لا يكفي أن نشير إلى ضعف المخرجات أو إلى فجوة المهارات. فالمسألة أعمق من ذلك؛ إنها مسألة نموذج. ما الصورة التي صُمِّم النظام التعليمي لإنتاجها عن الإنسان؟ وأيُّ سياقٍ تاريخيٍّ أنجب هذا التصميم؟

لفهم الحاضر، لا بد من العودة خطوة إلى الوراء.

الدولة الحديثة واستيراد النموذج

مع بدايات القرن العشرين، وخصوصًا بعد الحرب العالمية الأولى، تشكّلت في العالم العربي كيانات سياسية حديثة تتبنى نموذج الدولة القومية المركزية. هذه الدولة احتاجت جهازًا إداريًا منظمًا، وموظفين منضبطين، ونخبة متعلمة قادرة على إدارة مؤسساتها.

لم يكن لديها نموذج مؤسسي حديث جاهز، فاستوردت؛ إلى حد كبير؛ النموذج التعليمي الأوروبي، خاصة الفرنسي والبريطاني. لم يُستنسخ المنهج فقط، بل البنية كاملة:

  • مركزية وزارة التعليم
  • المناهج الموحدة
  • الامتحانات القياسية
  • الشهادات كأداة للترقي الاجتماعي
  • البيروقراطية الصارمة في الإدارة المدرسية

هذا النموذج لم يكن اعتباطيًا. لقد صُمم في أوروبا خلال القرن التاسع عشر لخدمة مشروع الدولة الصناعية الصاعدة. كان المطلوب تخريج أفراد:

  • يجيدون تنفيذ التعليمات
  • يحترمون التسلسل الهرمي
  • يعملون ضمن أنظمة مستقرة
  • يؤدون مهامًا قابلة للقياس والتكرار

وكان التفوق يعني: الحفظ الجيد، الدقة في الاسترجاع، والالتزام بالنماذج المحددة سلفًا.

المشكلة ليست في “غربيته”، بل في وظيفته الأصلية. لقد كان نظامًا يخدم عصر المصانع والإدارة المركزية الثقيلة.

ماذا عن النموذج التعليمي قبل الدولة الحديثة؟

قبل هذا التحول، لم يكن العالم العربي بلا تعليم. بل كان لديه نموذج مختلف جذريًا:

  • الكتاتيب وحلقات العلم
  • المدارس الوقفية
  • الجامعات العريقة مثل الأزهر والقرويين والزيتونة

كان التعليم قائمًا على:

  • التلمذة الشخصية
  • الإسناد العلمي
  • التخصص التدريجي
  • العلاقة المباشرة بين المعلم والمتعلم

لم يكن نظامًا صناعيًا، ولا مركزيًا، ولا قائمًا على الامتحان المعياري. بل كان أقرب إلى شبكة معرفية مرنة، تتشكل حول العلماء والمدارس.

غير أن هذا النموذج لم يكن مهيأ لإدارة دولة قومية حديثة ذات جهاز بيروقراطي واسع. وهكذا تم استبداله تدريجيًا بنموذج مؤسسي مستورد يلائم مشروع الدولة الجديدة.

المشكلة ليست في الاقتباس… بل في الجمود

الاقتباس الحضاري ليس عيبًا. فالنموذج الأوروبي نفسه لم ينشأ من فراغ؛ بل استفاد من التراث اليوناني والإسلامي والآسيوي. لكن الإشكالية في السياق العربي كانت مزدوجة:

  • تم استيراد النموذج دون إعادة هندسة عميقة تراعي البيئة الثقافية والاجتماعية.
  • ظل النموذج شبه ثابت، رغم تغير العالم جذريًا.

فبينما انتقلت الاقتصادات الغربية نفسها من الصناعة إلى المعرفة، وبدأت جامعاتها تعيد التفكير في التقييم والتخصصات وأساليب التعلم، بقي كثير من الأنظمة العربية أسير البيروقراطية والامتحان المعياري والوظيفة الحكومية كغاية نهائية.

التحول الجديد: من الصناعة إلى الذكاء الاصطناعي

اليوم نحن لا نعيش فقط نهاية العصر الصناعي، بل بداية عصر تُؤتمت فيه المهام المعرفية نفسها.
الذكاء الاصطناعي لم يعد يحل محل العمل اليدوي فقط، بل يحل محل:

  • الكتابة الروتينية
  • التحليل المعياري
  • المعالجة الحسابية
  • حتى بعض أشكال الإبداع النمطي

وهنا تظهر المفارقة التاريخية:
لقد استوردنا نموذجًا صُمم لإنتاج “ممتثلين صناعيين”، بينما ندخل الآن عصرًا لا يحتاج إلى الامتثال بقدر ما يحتاج إلى التفكير المركب والمسؤول.

إذا كانت الآلة تتفوق في التنفيذ، فإن القيمة البشرية تنتقل إلى مساحة أخرى.

من “الممتثل” إلى “المبدع المنضبط

التحول المطلوب اليوم ليس تحديثًا تقنيًا للمناهج، بل إعادة تعريف لنوع الإنسان الذي نريد أن نصنعه.

لم يعد كافيًا تخريج شخص:

  • يجيد حفظ المعلومات
  • ينجح في الاختبارات
  • ينتظر التعليمات

بل نحتاج إلى “مبدع منضبط”، يجمع بين:

الإبداع

  • طرح أسئلة جديدة
  • الربط بين مجالات متعددة
  • التفكير النقدي تجاه المسلمات
  • ابتكار حلول لمشكلات مفتوحة

والانضباط

  • القدرة على التركيز العميق في زمن التشتيت
  • الالتزام الأخلاقي في استخدام التقنية
  • المثابرة على تنفيذ الأفكار
  • تحويل الرؤية إلى أثر واقعي

الإبداع بلا انضباط يتحول إلى فوضى.
والانضباط بلا إبداع يتحول إلى امتثال.
أما الجمع بينهما فهو جوهر القيمة الإنسانية في عصر الذكاء الاصطناعي.

إعادة تعريف وظيفة الجامعة

في هذا السياق، تصبح الجامعة أكثر من مصنع شهادات.
وظيفتها ليست تخريج باحثين عن وظيفة فحسب، بل بناء قدرات تأسيسية.

وهنا تتجلى حقيقة جوهرية:

“دارة الوقت مهارة، لكن الانتباه قدرة إنسانية تأسيسية. والجامعات لا تُدرّس المهارات فقط، بل تبني القدرات التي تقوم عليها كل المهارات الأخرى.”

في عالم يتنافس فيه الجميع على انتباه الطالب، تصبح القدرة على التركيز العميق، والتفكير البطيء، والتحليل المركب، ميزة استراتيجية لا يمكن أتمتتها.

نحو نموذج فلسطيني عربي جديد

التحدي ليس في رفض النموذج الغربي، ولا في العودة الرومانسية إلى نموذج تقليدي، بل في بناء صيغة ثالثة:

  • تستفيد من التنظيم المؤسسي الحديث
  • تحيي روح العلاقة المعرفية العميقة بين المعلم والمتعلم
  • وتستجيب لتحديات الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي

هذا يتطلب تحولًا ثقافيًا قبل أن يكون إداريًا:

  • من ثقافة الدرجة إلى ثقافة الفهم
  • من ثقافة الإجابة الصحيحة إلى ثقافة السؤال العميق
  • من ثقافة الامتثال إلى ثقافة المسؤولية

خاتمة: لحظة تاريخية فاصلة

في مطلع القرن العشرين، استوردنا نموذجًا يخدم مشروع الدولة الصناعية.
في مطلع القرن الحادي والعشرين، نحن أمام لحظة مماثلة في عمقها.

إما أن نستمر في تشغيل منظومة صُممت لعصر لم يعد قائمًا،
أو أن نعيد تصميم التعليم ليصنع إنسانًا قادرًا على الإبداع المنهجي المسؤول.

الرهان اليوم ليس على تحديث كتاب مدرسي،
ولا على إدخال مقرر في البرمجة،
بل على الإجابة عن سؤال حضاري:

أي إنسان نريد أن نُخرّجه… في زمن تتعلم فيه الآلة أسرع منا؟

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى