معهد الامن القومي الاسرائيلي (INSS): تحديات الانتقال إلى المرحلة الثانية في قطاع غزة
معهد الامن القومي الاسرائيلي (INSS) 28-1-2026، يوحنان تسوريف: تحديات الانتقال إلى المرحلة الثانية في قطاع غزة
أعلن الرئيس ترامب ومبعوثه ستيف ويتكوف، يومي 14 و15 يناير/كانون الثاني، عن بدء المرحلة الثانية من الخطة المكونة من 20 بندًا لتحقيق الاستقرار وإعادة إعمار قطاع غزة، والتي أطلقها الرئيس في أكتوبر2025، وتمت الموافقة عليها بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803 في تشرين الثاني. كما أعلن ترامب عن إنشاء “مجلس السلام” الدولي، وتعيين قائد عام لرئاسة قوات الأمن الإسرائيلية، وهي القوة المسؤولة عن تحقيق الاستقرار الأمني في قطاع غزة، وقدم أسماء أعضاء المجلس. ويتألف المجلس، وهو هيئة دولية ذات صلاحيات واسعة، تتجاوز قطاع غزة على ما يبدو، من هيئتين: 1) لجنة إدارة عامة يرأسها ترامب نفسه، وتضم سبعة أعضاء، معظمهم أمريكيون مقربون من الرئيس، باستثناء توني بلير رئيس الوزراء البريطاني، أو مسؤولين حكوميين رفيعي المستوى؛ 2) وضمنها، تم تعيين لجنة إدارة لقطاع غزة تضم 11 عضوًا، من بينهم ممثل مصري، وممثل تركي، وممثل قطري، ورجل أعمال إسرائيلي، بالإضافة إلى ممثل عن دولة الإمارات العربية المتحدة. بعضهم أعضاء في اللجنة التنفيذية. وقد عُيّن نيكولاي ملادينوف، عضو اللجنة والمبعوث الأممي السابق لعملية السلام، مفوضًا للجنة قطاع غزة.
وفي إعلانه عن البدء الرسمي للمرحلة الثانية، قال ويتكوف إن الانتقال سيبدأ من وقف إطلاق النار إلى نزع سلاح القطاع، وصولًا إلى حكومة تكنوقراطية وإعادة الإعمار. وأشار إلى أن اللجنة التكنوقراطية ستكون مسؤولة عن نزع سلاح المنطقة، وإعادة إعمار قطاع غزة، ونزع سلاح كل من لا يحق لهم حمل السلاح. ووفقًا له وللرئيس ترامب، تتوقع الولايات المتحدة من حماس الوفاء بجميع التزاماتها، بما في ذلك استعادة جثمان المختطف الأخير، رون غيلي، على الفور، وحذر من أن عدم الوفاء بهذا الالتزام قد تكون له عواقب وخيمة. وأضاف ترامب أن الوقت قد حان لإنهاء معاناة شعب غزة.
سبق إعلان ويتكوف نشر قائمة أعضاء اللجنة التكنوقراطية الفلسطينية في القاهرة، وهي اللجنة المسؤولة عن إدارة شؤون قطاع غزة اليومية. ويبدو أن جميع الأطراف المعنية، بما فيها إسرائيل والولايات المتحدة والدول الوسيطة قطر ومصر وتركيا والسلطة الفلسطينية وحماس، قد اتفقت على تشكيل القائمة. وقد أتاح هذا الاتفاق الإعلان عن بدء المرحلة الثانية من خطة ترامب. ورحبت الدول الوسيطة والسلطة الفلسطينية وحماس بهذا الإعلان، بل وأكدت حماس أنها ستبذل قصارى جهدها لضمان نجاح هذه المرحلة.
وتتألف اللجنة التكنوقراطية، التي من المفترض أن تعمل خلال فترة انتقالية مدتها عامان، من 15 عضواً ليس لهم أي خلفية سياسية سابقة. ويرتبط جميعهم، بشكل أو بآخر، بالسلطة الفلسطينية، حيث شغلوا مناصب عليا في إحدى مؤسساتها، بما في ذلك الجهاز الأمني، أو عملوا معها عن كثب من خلال هيئات ومنظمات المجتمع المدني. وجميعهم ولدوا ونشأوا في قطاع غزة، وعاشوا فيه لسنوات طويلة. رئيس اللجنة، الدكتور علي شعث، من مواليد خان يونس، ويقيم في رام الله منذ سنوات. شغل مناصب عديدة في مؤسسات السلطة الفلسطينية، منها منصب المدير العام لوزارة التخطيط والتعاون الدولي، والمدير العام لوزارة النقل التابعة للسلطة، وترأس اللجنة المكلفة بإنشاء ميناء غزة، وكان مسؤولاً عن إنشاء المنطقة الصناعية في أريحا، وتخطيط مناطق صناعية إضافية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وشارك كمستشار في جولات من المفاوضات مع إسرائيل. في بيان أصدرته اللجنة عقب اجتماع تأسيسها المنعقد في 17 كانون الثاني، أكدت اللجنة أن أهدافها تتمثل في تحمل المسؤولية المدنية ومسؤولية الأمن الداخلي في قطاع غزة، وأنها تأسست من قبل فلسطينيين وبمباركة منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية والفصائل الفلسطينية.
على الرغم من الأجواء الاحتفالية التي رافقت الإعلان عن الانتقال إلى المرحلة الثانية وتأسيس الهيئات المختلفة التي ستقود العملية، إلا أن فجوة كبيرة تتجلى في المواقف الإسرائيلية والفلسطينية تجاه هذه العملية.
تسعى إسرائيل إلى إبطاء وتيرة الانتقال إلى هذه المرحلة، إذ تُصرّ على إعادة جثمان آخر المختطفين، رون غويلي، وعلى إنشاء آلية تُمكّنها من السيطرة على نزع سلاح حماس والفصائل الأخرى وجمع أسلحتها، وتعتقد أن الوضع الأمني في غزة لا يسمح حاليًا بالانتقال إلى المرحلة الثانية. كما ترغب في الاستمرار بالسيطرة على المنطقة الخضراء والخط الأصفر، اللذين كانت تتمركز عليهما قوات الجيش الإسرائيلي عند دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، إلى حين نزع حماس سلاحها. وترى أن فتح معبر رفح في كلا الاتجاهين، كما كان مطلوبًا في بداية هذه المرحلة، إجراء متسرع للغاية، وتخشى عمومًا فقدان السيطرة على التطورات في قطاع غزة مع انتقال الإدارة والسيطرة إلى مجلس السلام وهيئاته التابعة، التي لا تملك فيها تمثيلًا رسميًا.
أما الجانب الفلسطيني، فيشعر بالقلق إزاء نوايا الرئيس ترامب طويلة الأمد، ولكنه يرى في الانتقال إلى المرحلة الثانية من الخطة فرصةً يجب اغتنامها. ترى إسرائيل في هذا القرار رمزاً لنهاية الحرب، وضماناً لبناء وإعادة إعمار قطاع غزة على جانبي الخط الأصفر، بل وتعتبره فرصةً للمصالحة الفلسطينية الداخلية، ولإعادة ربط القطاع بالضفة الغربية، وعودة السلطة الفلسطينية إلى القطاع. ويعتقد الجانب الفلسطيني أن جمع الأسلحة لن يكون ممكناً إلا بعد نقل السيطرة على القطاع إلى جهة فلسطينية، كما أعلنت حماس سابقاً، وتتوافق لجنة التكنوقراط مع هذا التعريف. ويمكن القول إن التطلعات الفلسطينية تعكس سعياً نحو المرحلة النهائية من الخطة، والتي تتمثل، في رأيهم، في إقامة دولة فلسطينية مستقلة في قطاع غزة والضفة الغربية.
إلا أن إسرائيل والفلسطينيين على حد سواء قلقون من تدويل الصراع، الذي ينطوي عليه التحرك الأمريكي. يُنظر في إسرائيل إلى إنشاء مجلس سلام دولي أعلى، ولجنة تنفيذية تابعة له في قطاع غزة، يديرها شخصيات أجنبية، ومجلس السلام، حتى بدون تمثيل عربي، على أنه خطوة تحرمها من القدرة على تنفيذ التدابير التي من المفترض أن تخدم مصالحها الأمنية، أو على الأقل تلزمها بمراعاة موقف هيئات لم تكن يومًا شريكة لها في مثل هذه العمليات. ويُعتبر انضمام قطر وتركيا إلى اللجنة التنفيذية لقطاع غزة في إسرائيل خطوة خطيرة، تصب في مصلحة حماس، ومن المتوقع أن تُصعّب تفكيكها وجمع أسلحتها، وتُعيق استمرار وجودها وإعادة تأسيسها في القطاع. وفي هذا السياق، تصاعد التوتر بالفعل في العلاقة بين إسرائيل وإدارة ترامب.
في الواقع، يخدم إنشاء مجلس السلام طموح الإدارة لإعادة تنظيم النظام الدولي بما يعكس تصور واشنطن لنفسها بأنها مخوّلة بالتحكم في سلوك الساحة الدولية. يتناقض هذا مع أسلوب عمل الأمم المتحدة الحالي، الذي تعتبره الإدارة الأمريكية استغلالاً للمدخلات الأمريكية في حين أنه يروج لمصالح جهات دولية أخرى. وفي سياق غزة، تواصل الإدارة تبني سياسة تعتمد على جهات إقليمية تربطها بها علاقات وثيقة، وعلى رأسها قطر وتركيا، وهو ما يتعارض مع المصالح الإسرائيلية.
أما بالنسبة للجانب الفلسطيني، فإلى جانب الارتياح لانتهاء الحرب وإعلان بدء إعادة إعمار القطاع، والترحيب الذي حظي به من جميع الدول العربية، يُنظر إلى الإعلان عن المرحلة الثانية على أنه نوع من الانتداب الأجنبي المتجدد على قطاع غزة (والشعب الفلسطيني)، والذي لا تزال أهدافه غامضة. ويتساءل الصحفيون الفلسطينيون: هل ستتمتع اللجنة الفنية بصلاحياتها الخاصة، أم أنها مجرد جهة تنفيذية متعاقدة مع مجلس السلام؟ وهل تُراعى مصالح الحكومة في المقام الأول – الاعتبارات الإنسانية، وإزالة تهديدات الترحيل، وإجلاء الفلسطينيين من ديارهم؟ أم أن الدوافع نفسها التي دفعت الولايات المتحدة للسيطرة على فنزويلا هي التي تدفعها أيضاً إلى قطاع غزة، ألا وهي بناء الريفييرا، والمواقع السياحية، واستغلال حقل الغاز قبالة سواحل القطاع، والترويج لمشاريع تدرّ أرباحاً طائلة للشركات الأمريكية وغيرها؟ بعبارة أخرى: لا بد من التشكيك في إمكانية تحقيق الهدف النهائي المذكور في خطة النقاط العشرين – “مسار موثوق نحو حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وإقامة دولتهم” – مع تقدم تنمية قطاع غزة وإعادة تأهيله، وتنفيذ الإصلاحات في السلطة الفلسطينية.
إضافةً إلى ذلك، يخشى الفلسطينيون أن تحوّل إدارة ترامب اهتمامها إلى مناطق وصراعات أخرى حول العالم، كما أشارت مؤخراً في محافل مختلفة وفي وثائق نشرها البيت الأبيض. إذا حدث ذلك، فسينشأ توتر بين إدارة ترامب والدول العربية المعنية، مما سيكون له تداعيات سلبية على العلاقات بينها وبين إسرائيل.
من جانبها، لن تتمكن إسرائيل من تبديد تحفظاتها الكثيرة بشأن الانتقال إلى هذه المرحلة. لم يتضح بعد كيفية نقل السيطرة إلى اللجنة التكنوقراطية، وما إذا كانت ستعمل على جانبي الخط الأصفر، كما أعلن رئيسها، أم على الخط الأخضر فقط؛ وكيف سيتم نزع سلاح حماس، وما نوع الرقابة التي ستُمارس على عملية نزع السلاح، وهل ثمة مبرر للتفاؤل الفلسطيني في هذا الشأن؛ وهل تم إعداد بدائل في حال فشل تنفيذ هذه المرحلة؟
لذا، من الأجدر بإسرائيل أن تُجري حوارًا مع هذه الدول بشأن تنفيذ الخطة، وألا تكتفي بالسعي إلى التوصل إلى تفاهمات مع الإدارة الأمريكية بشأن مصالحها الأمنية في قطاع غزة. وعلى وجه التحديد، ينبغي على إسرائيل أن توضح لإدارة ترامب كيف يمكنها ضمان أمنها في ضوء المخاطر الكامنة في إشراك تركيا وقطر في مجلس السلام في غزة، وكذلك في ضوء الغياب الواضح لعنصر التدرج في تنفيذ المرحلة من قبل مجلس السلام: هل من المتوقع أن تتخلى إسرائيل عن حرية عملياتها في الأراضي التي تسيطر عليها حماس وأن تنسحب من الخط الأصفر الذي يرسمه الجيش الإسرائيلي حاليًا – أيضًا في ظل غياب التقدم أو السيطرة على عملية نزع سلاح حماس؟.



