معاريف: حماس تعيد بناء نفسها وتسيطر على نصف قطاع غزة ومعظم السكان
معاريف 9/1/2026، بن كسبيت: حماس تعيد بناء نفسها وتسيطر على نصف قطاع غزة ومعظم السكان
نعم، انتصرنا على حماس. بقوة. المنظمة تلقت ضربة شديدة، استراتيجية. كل زعمائها صفوا. كل قادتها العسكريين صفوا. كل سلسلة القيادة الصغرى صفيت. عشرات الاف المخربين صفوا. قسم كبير من البنى التحتية دمرت. قطاع غزة يقف في خرابه، على مرأى العالم. في الشرق الأوسط يفهمون ما الذي سيجرى لمن يحاول تنفيذ كارثة أخرى باليهود. حماس لا تشكل تهديدا حقيقيا على إسرائيل في هذه اللحظة مع التشديد على في هذه اللحظة. هل هذا هو “النصر المطلق الذي وعد به نتنياهو؟ واضح أن لا. بعيد عن هذا. تعالوا نغوص في التفاصيل: عندما انطلق السنوار الى “طوفان الأقصى” حدد لنفسه أربعة اهداف: كبح التطبيع مع السعودية، تحرير السجناء الفلسطينيين، الإبقاء على الوضع الراهن في القدس بعامة وفي الحرم بخاصة وبقاء القوة العسكرية والسلطوية لحماس. بمعنى ان يحصل كل هذا دون أن تقتلع حماس من السيطرة على قطاع غزة.
السنوار والضيف ليسا غنيين. هما يعرفان بان إسرائيل لن تباد. في رسالة بعثا بها في صباح 7 أكتوبر الى حسن نصرالله، وانكشفت في هذه الصفحات قبل بضعة اشهر يتحدثان عن انضمام محور المقاومة للاجتياح، لكنهما كانا يعرفان بان حتى هذا لن يبيد إسرائيل. ارادا ان يكسرا قوة فرقة غزة، ان يسيطرا على أراض واسعة قدر الإمكان ويحاولا الاقتحام الى الشمال. هذا الهدف تحقق تماما تقريبا. فقد اهانا إسرائيل إهانة لم يشهد لها مثيل ابدا. ولا حتى في أكتوبر 1973.
أربعة اهداف الضيف والسنوار تحققت. إسرائيل حررت الاف السجناء. بن غفير يمكنه الان ان يحيطهم بالتماسيح أساسا لانه يوجد تماسيح اكثر مما يوجد سجناء. التطبيع مع السعودية تأجل وجمد لموعد غير معروف. الوضع الراهن في القدس بقي على حاله، نتنياهو ينجح، في هذه اللحظة، الا يسمح لبن غفير بان يجعل الحرم كنيسا. والاهم: حماس تسيطر في غزة بلا عراقيل وهي لا ترحل الى أي مكان.
عندما يتباهى الاستراتيجيان بردوغو ومجيل كيف قتلنا الضيف والسنوار ومروان عيسى وعشرات آخرين مثلهم، فانهما يضحكان أساسا على نفسيهما. قبل كل شيء، واضح ان علينا واجب قتلهم. وليس هم وحدهم. بل كل من شارك في مذبحة 7 أكتوبر من قادة المخططين (الذين حررهم نتنياهو في صفقة شاليط) وحتى اصغر المنفذين، هو ابن موت. “نيلي” الجسم الذي أقامه الشباك لغرض استنفاد القانون مع الجميع يجب أن يواصل الى أن نعرف بان أيا منهم لا يتنفس هنا، على هذه الأرض.
الموضوع هو أن حماس هي منظمة لا يهمها الاثمان التي تدفعها بحياة الانسان. هذا ما جعلها الأخطر والأكثر فتكا، اكثر بكثير من حزب الله أو ايران حيث توجد حساسية كبيرة للخسائر. اما حماس، مثلما قال في حينه رئيس الشباك نداف ارغمان “مستعدون للموت والتضحية بكل شيء” من اجل الهدف. لا يهم حماس الا أهدافها العليا. وهذه تحققت. في هذا السياق، الاستراتيجي السنوار انتصر على التكتيكي نتنياهو.
في غزة يوجد اليوم 35 الف مخرب مسلح. 25 الف من رجال حماس، نحو 10 الاف من رجال الجهاد الإسلامي. التفتيشات عن ران غوئيلي يجريها رجال حماس مسلحون جيدا، يأتون على التيوتات البيضاء ذاتها، ملثمين ويسيطرون سيطرة كاملة في الميدان. صحيح أن إسرائيل تحوز 50 في المئة من أراضي القطاع لكن كل السكان الفلسطينيين تقريبا يتركزن في النصف الثاني، تحت حكم حماس.
هذا وغيره: واضح للجميع بانه حسب الاتفاق بين ترامب ونتنياهو، سيفتح معبر رفح قريبا في الاتجاهين. عبر هذا المعبر تعاظمت حماس على مدى السنين برعاية حكومة نتنياهو وتمويلها. حكومة تكنوقراط آخذة في التشكل، أسماء الوزراء يقرها شخصيا أبو مازن وحسين الشيخ. الجرافات تعمل منذ الان على اعمار جنوب القطاع مع التشديد على رفح. التجريد لا يبدو في الأفق بل العكس حماس تراكم المزيد فالمزيد من الأصول، تجرف الملايين عبر المساعدات الإنسانية التي ندفع بها الى الداخل وتبدأ في محاولات إعادة بناء قوتها.
في الأسبوع الثاني من أكتوبر 2023، فورا بعد المذبحة أقر كابنت الحرب خطة من أربع مراحل. “معركة قوية بالنار ضد حماس”، تستمر لنحو شهر. “مناورة وخطوة برية لتفكيك حماس”، ستستمران لنحو ثلاثة اشهر. “تعميق الإنجاز واستكمال تفكيك حماس” يستمران حتى سنة. “نظام جديد” في غزة، حتى سنتين بعد المذبحة. نحو الان بعد سنتين وربع من المذبحة. حماس لم تفكك ولا يوجد أي مؤشر على ان هذا سيحصل. بل العكس. كل هذا لا يمنع مؤيدي نتنياهو من الادعاء بانه لو كان هذا متعلقا بالمعارضة، لانتهت الحرب منذ زمن بعيد. هم يتهمون غادي آيزنكوت وبيني غانتس بانهما لم يرغبا في تنفيذ المناورة في غزة او رغبا في انهائها قبل الأوان، قبل ان تتحقق الإنجازات اللازمة.
هذا بالطبع تلفيق مطلق. أولا، الإنجازات اللازمة لم تتحقق بعد. ثانيا، في المداولات على الانطلاق الى المناورة في غزة، آيزنكوت وغانتس دفعا بكل القوة وأيدا انقضاض الجيش الإسرائيلي على القطاع بالقوة القصوى. لاحقا دفعا أيضا للدخول الى رفح قبل وقت أطول مما حصل هذا. من عارض في تلك المداولات كانوا الوزراء ايلي كوهن، ميري ريغف ويريف لفين. من تردد بشدة، كان رئيس الوزراء نتنياهو. فقد جلس مع اللواء اسحق بريك ومع العميد عوفر فينتر، ومن الأخير تلقى حتى كتابا مفصلا. حذراه من المناورة. ادعيا بان المناورة ستجلب كارثة. آيزنكوت طلب التصويت الذي اجرى، وحسم الامر، المناورة انطلقت على الدرب.
يوجد للبيبيين ادعاء آخر يبدو منطقيا: المعارضة والكثيرون في الجمهور طالبوا باجراء صفقات الاسرى في مراحل مبكرة اكثر. لو كان حصل هذا، ما كنا لنتمكن من قتل السنوار وكثيرين آخرين، كنا سنوقف الخطوة البرية قبل الأوان، قبل كل الإنجازات.
إذن مرة أخرى، من الواجب هنا ان نذكر بان “كل الإنجازات” لم تتحقق. الوضع الاستراتيجي لإسرائيل بقي على حاله، ولا يوجد أي فرق ذو مغزى في نصف سنة أخرى من القتال. على كل زعيم صفي، طل بديل. ذهب السنوار، جاء اخوه. ذهب أخوه، جاء عز الدين الحداد. اذا ذهب الحداد أيضا سيأتي آخر.
فضلا عن هذا التبديل، يوجد هنا موضوع استراتيجي جوهري: النهج الذي قاده آيزنكوت من اللحظة الأولى كان الانشغال بقدر اقل بأسماء قادة حماس الذين صفوا، وبقدر اكبر في التخطيط لـ “اليوم التالي”، التفكير الى الامام كي ينتهي الحدث مع إنجازات حقيقية. آيزنكوت عاد وقتال المرة تلو الأخرى انه اذا توقفت الحرب بمبادرة إسرائيلية، وليس أمريكية سيكون ممكنا استئنافها طالما اردنا. ولهذا فقد اقترح التوقف، إعادة كل المخطوفين لكن عمل كل هذا بالتوافق مع الأمريكيين في أن تتمكن إسرائيل من العودة الى القتال اذا ما وعندما تحاول حماس إعادة بناء نفسها او عادت الى عادتها.
نتنياهو لم يرغب في الاستماع. كان حبيس قفص بناه له المتطرفون، والاهم من هذا كان بحاجة الى حرب طويلة قدر الإمكان كي لا يضطر لان يقيم لجنة تحقيق وان تكون له فرصة لان يعيد مؤيده الى الديار. وعليه، عندما انتهت الحرب أخيرا، باملاء امريكي واضح، حصل هذا بشروط ترامب. وشروط ترامب لا تسمح بالعودة الى القتال. لان ترامب هو الذي أوقف الحرب وهو الذي اعلن عن “سلام عالمي”، هو الذي جرنا من شعرنا الى الخارج، هو الذي يصر على الدخول الى المرحلة الثانية في غزة. لو كانت إسرائيل هي التي فعلت هذا من قبل لحصل هذا بشروطنا وبفهم واضح واتفاق صريح في اننا سنتمكن من المواصلة بعد ذلك. في هذه اللحظة لا يمكن المواصلة. لعل هذا يتاح لاحقا.
مهما يكن من أمر، الوضع ما كان سيتغير جوهريا. ما كان سيتغير بالفعل هو حقيقة انه كان يمكن انقاذ حياة غير قليل من المخطوفين الذين ماتوا او قتلوا في الزمن الذي اضعناه. وهكذا فان كل العباقرة والاستراتيجيين الذين فشلوا في قراءة حماس، الذين فشلوا في 7 أكتوبر، الذين فشلوا في إبادة حماس، الذين لم يحققوا “النصر المطلق” والذين لم يتمكنوا من خلق صورة نصر وتخطيط “لليوم التالي”، يتهمون المعارضة وآيزنكوت بقصراتهم.
لماذا لم يرغبوا في الحديث عن “اليوم التالي”؟ كي لا يقولوا الكلمتين الصريحتين “السلطة الفلسطينية”. هم يعرفون ان في اليوم التالي، السلطة الفلسطينية ستكون هناك. يعرفون ان ليس لهذه أي بديل. هي هناك منذ الان لكنهم يواصلون الإصرار، لان القاعدة تنفخ في قذالتهم. وهكذا بالضبط يبدو هذا. عسكريا، الجيش ومقاتلوه، في النظامي والاحتياط انتصروا على حماس. سياسيا، تماما لا. الجيش (الذي فشل فشلا ذريعا في 7 أكتوبر) نجح، الحكومة فشلت.



