معاريف: ثلاث ساعات في جنيف وضعت اطار الحسم

معاريف 19/2/2026، آنا برسكي: ثلاث ساعات في جنيف وضعت اطار الحسم
لثلاث ساعات جلس أول أمس في جنيف مندوبو الولايات المتحدة وايران. ليس توقعا لاختراق نحو صفقة بل لفحص هل يوجد أساس بالحد الأدنى يسمح على الاطلاق ببناء صفقة. عندما خرج ستيف ويتكوف، جارد كوشنير وعباس عراقجي من الغرفتين، لم يحملوا معهم صيغة ملزمة او اختراق مدوٍ.
خرجوا مع “ملف عمل”، في داخله مباديء عامة، تفاهم بانه يوجد أساس للموافقة، تعهد بالعودة والجلوس. بتعابير دبلوماسية هذه نقطة بداية معقولة. لكن بتعابير استراتيجية- هذه لحظة اكثر حساسية بكثير، إذ ان فتح ملف هو عمل مبارك، لكنه فني تماما. ملؤه بالمضمون يحتاج الى ظروف سياسية، امنية واقتصادية، لا تتجمع في هذه اللحظة بشكل طبيعي. وفي واقع الامر هذا لب الموضوع – الفجوة بين ما يمكن فتحه على الورق وما يمكن اغلاقه في الواقع.
الفجوات التي انكشفت في جنيف ليست جديدة وليست مفاجئة. لكنها تتضح الان في مسألة أساسية: على ماذا تجري المفاوضات وعلى ماذا لا تجري.
يدور الحديث عن انعدام تطابق عميق بين الطرفين – ليس فقط في قوة أمريكا مقابل قوة ايران بل في حرية الحسم. الولايات المتحدة تأتي الى الطاولة مع طيف واسع من الإمكانيات – مسار دبلوماسي متدرج، اتفاق انتقالي جزئي يجمد قسما من الاعمال وتشديد عقوبات اقتصادية وطاقية، وفي الأقصى أيضا إمكانية عسكرية مسنودة بتواجد وانتشار في المنطقة.
بالمقابل تعيش ايران ضغطا اقتصاديا شديدا ومتواصلا، متعلقة بتصدير النفط وبالتسهيلات المالية ولكنها بالمقابل ملتزمة بالحفاظ على العواميد الفقرية لمفهومها للردع. هكذا على ما يبدو، في هذه المرحلة على الأقل هو ميزان البداية.
هنا توجد نقطة التوتر المركزية. من ناحية طهران، تخصيب اليورانيوم هو مبدأ سيادي. الطلب الأمريكي بتقليص عميق للقدرة وبالتأكيد التخلي شبه المطلق عن معظم البرنامج النووي يعد كتدخل فظ ولا يطاق في لباب الاستقلال الاستراتيجي لإيران.
ان إضافة مطالب تتعلق بالصواريخ الباليستية وعمل الوكلاء الإقليميين تحول الاتفاق المحتمل في نظر النظام من اطار نووي الى تسوية شاملة تتعلق بكل آلية القوة الإيرانية. وعليه فان طهران تدخل الى المحادثات فيما هي مستعدة لان تتناول المجال النووي – لكنها تحرص على ترسيم حدود واضحة على ما تبقى. بكلمات أخرى هي توافق على البحث في الكوابح – لكن ليس في المحرك.
ما الذي مستعد النظام الإيراني ان يعرضه؟ توسيع آليات الرقابة، دقة مفصلة اكثر في قدرة وصول المراقبين وإمكانية خطوات تقلل مستوى احتياطي اليورانيوم المخصب بالدرجات العليا – بما في ذلك تخفيف حدة اليورانيوم بتركيز 60 في المئة – المستوى الذي يضع ايران على مسافة قصيرة من القدرة على الاقتحام النووي. خطوة كهذه ليست هامشية تماما – هي كفيلة بان تمدد زمن الاقتحام وتخفف التوتر الفوري. لكن مبدأ استمرار التخصيب في الأراضي الإيرانية يبقى من ناحيتها غير قابل للتنازل.
بالقدر ذاته لا تعرض منظومة الصواريخ والوكلاء الاقليميون كجزء من الرزمة، إذ انها تعد كتأمين ضد هجوم مباشر وكوسيلة لبث قوة إقليمية. وهكذا في واقع الامر يتخذ العرض المرحلة الإيراني صورة حركة مضبوطة دون ضعضعة الأساس.
في واشنطن يجري جدال استراتيجي حقيقي. فهل من الأفضل السير على المضمون، حتى وان كان هذا بعيدا عن التوقعات، لانتاج تسوية نووية محدودة تحقق توقفا فوريا وتمدد زمن الاختراق؛ ام ربما الإصرار على اطار أوسع يلمس أيضا عناصر القوة الأخرى الإيرانية.
اتفاق ضيق كفيل بان يكون واقعيا اكثر في المدى القصير – لكنه سيترك خارج الاطار منظومة النفوذ الإقليمية. اتفاق أوسع كفيل بان يكون مستقرا اكثر في المدى البعيد – لكنه أيضا اصعب على التحقق، هذا اذا تحقق. هذه ليست مسألة تكتيكية بل حسم على طبيعة التسوية وعلى فرص بقائها. وهنا أيضا، كما يبدو الخلاف ليس فقط بين الدول – بل وداخل الإدارة نفسها.
بالتوازي، تجري المفاوضات في ظل توتر حقيقي. المناورات الإيرانية والاشارات حول مضيق هرمز ليس مجرد استعراض عضلات. هرمز هو شريان حرج لسوق الطاقة العالمية، وكل تلميح بتشويش الحركة فيه يؤثر فورا على أسعار النفط والأسواق المالية. هذه رافعة ضغط اقتصادية غير مباشرة – وايران تؤشر الى ان فشل المحادثات من شأنه أن يكون له داعيات واسعة، دون ان تتخذ خطوة دراماتيكية بالفعل. وهكذا فانها ترفع مستوى المخاطرة دون أن تتجاوز. بالتوازي، فان التواجد المتزايد لقوات أمريكية في المنطقة يشدد على ان الخيار العسكري ليس شعارا بل سيناريو يفحص بجدية.
كل هذا يجري في اطار زمني سياسي واضح – في الولايات المتحدة وفي إسرائيل. في الولايات المتحدة تقترب انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني وهي تخلق سقفا زمنيا مؤثرا على قرارات سياسية ذات مغزى. الإدارة الامريكية بحاجة الى انجاز يمكنها ان تعرضه كنجاح – وليس كوعد. مفاوضات تتواصل لاشهر دون نتيجة واضحة ستعد كضعف امام ايران الذكية التي تعرف كيف تسوف.
بالمقابل التصعيد الذي ينشأ بلا اعداد سياسي كاف من شأنه ان يعد كرهان خطير عشية الانتخابات. وهكذا تتقلص عمليا مساحة الصبر في واشنطن. المعنى هو ان للبيت الأبيض توجد نافذة زمن محدودة يمكن فيها استنفاد الدبلوماسية قبل أن تدخل الساحة السياسية بسرعة عالية.
الامر يؤثر مباشرة أيضا على السيناريو العسكري. فعملية عسكرية كبيرة لا تتم بين ليلة وضحاها. هي تتطلب بناء شرعية دولية، تنسيق مع الحلفاء والاستعداد لليوم التالي وللرد الإقليمي. كل هذا يستغرق وقتا. كلما اقترب موعد الانتخابات – تقلص مجال المناورة لمثل هذه الخطوة. من هنا فان النافذة التي يمكن فيها دمج الضغط الدبلوماسي مع التهديد المصداق ليست بلا نهاية. وفي واقع الامر، هذه هي المعضلة الامريكية – كم من الوقت يبقى للضغط بدون القرار. في إسرائيل تخلق حملة انتخابات في الأفق دينامية أخرى. كل تقدم او تراجع في الساحة الإيرانية سيختبر على الفور في الساحة الحزبية. من جهة اتفاق يعد محدودا جدا، جزئيا جدا سيوقظ انتقادا حادا. من جهة أخرى، التدهور الى مواجهة سيوقظ أسئلة معقدة عن التوقيت وعن جاهزة الجبهة الداخلية.
يعمل المستوى السياسي في مجال يتداخل فيه الحسم الأمني والثمن الانتخابي الواحد بالاخر. وعندما تتحرك واشنطن والقدس نحو معركتين انتخابيتين فان نافذة الزمن المشتركة للقرارات الحاسمة تتقلص أكثر فأكثر.
في طهران أيضا تعمل ساعة داخلية، لا تقل أهمية. الضغط الاقتصادي، التضخم المالي والاحتجاج الاجتماعي لا تسمح للنظام ان يبدو كمن يستسلم. كل تنازل يجب أن يعرض كانجاز سيادي. وعليه، كل تقدم سيكون مقنونا، متدرجا، مغلفا بخطاب الحقوق القومية والصمود. هنا أيضا الزمن هو لاعب – ليس فقط الساحة الدولية.
في هذه النقطة يتبين أن المحادثات في جنيف لا تجري فقط بين الوفود بل بين الرزنامات. كل طرف يفحص ليس فقط موقف خصمه بل أيضا وتيرة الساعة خلفه. اذا وصل احد منهم الى استنتاج بان الزمن يعمل ضده اكثر مما يعمل في صالحه – فان الدبلوماسية ستتسارع. اذا كان التقدير انه يمكن التمديد اكثر – فان المسيرة ستطول.
ثلاث ساعات في جنيف لم تحسم شيئا. هي فقط وضعت الاطار. من هنا لاحقا سيتخذ الحسم ليس فقط حسب ما هو موضوع على الطاولة بل حسب ما يتكتك تحتها.



