معاريف – بقلم يوسي ملمان – على نار هادئة
معاريف – بقلم يوسي ملمان – 27/9/2019
الانجاز الاستراتيجي الاكبر للسنة العبرية “تشعة” الماضية هو أنه مرت سنة اخرى بلا حرب. كانت في اثنائها بضعة حوادث، في خمس ساحات انطوت على امكانيات تصعيد شديد، تصعيد كان يمكن أن يؤدي حتى الى حرب لم ترغب حكومة اسرائيل فيها. كان من شأن هذه ان تندلع في اعقاب غارات سلاح الجو في سوريا ضد اهداف لايران، الميليشيات الشيعية وحزب الله، والتي أخذت اسرائيل المسؤولية عن بعضها. عندما كشف الجيش الاسرائيلي ودمر في الحدود الشمالية الانفاق التي حفرهاحزب الله الى الاراضي الاسرائيلية، ثار توتر شديد. وكذا في الغارات المنسوبة لاسرائيل، والتي بدأت قبل نحو ثلاثة اشهر ضد قواعد ايرانية في العراق وفي الحدود السورية العراقية، كان يكمن خطر كبير.
ولكن التفجر الاكبر كان في غزة. فمنذ سنة ونصف والوضع هناك، ولا سيما في ايام الجمعة، حين يتظاهر الالاف على الجدار، الوضع متوتر جدا. وبسبب انعدام اليقين فان كل حادثة صغيرة قد تخرج عن السيطرة. ان الوضع الاخطر الذي علقت فيه اسرائيل كان قبل نحو اسبوعين، عندما طلب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ان يرد سلاح الجو بحدة على اطلاق الصواريخ نحو اسدود وعسقلان والذي حصل في اثناء اجتماع انتخابي له واضطره الى المغادرة الى المجال المحصن.
في أعقاب ذلك عقد نتنياهو وهو في حالة عصف للخواطر مشاورات امنية مع قادة جهاز الامن، وبمن فيهم رئيس الاركان افيف كوخافي، رئيس المخابرات نداف ارجمان، رئيس شعبة الاستخبارات في الجيش، تمير هايمن ورئيس الموساد يوسي كوهن – الرجل الاقرب والاكثر تأثيرا على نتنياهو. لم يكتف نتنياهو بذلك. فقد أجرى مشاورات هاتفية، صادق فيها الكابنت الطائع له في منتصف الليل ان يأمر سلاح الجو بفتح هجوم واسع في غزة. كان واضحا ان مثل هذا الهجوم سيؤدي الى نار مكثفة للصواريخ على الجنوب وغوش دان وفي نهاية المطاف كان من شأنه ان يدفع الجيش الاسرائيلي الى أن يخرج الى هجوم بري في القطاع. وخطوات كهذه كانت ستؤدي على اي حال الى تأجيل الانتخابات ايضا.
خليط من المحافل والملابسات فقط: موقف قادة الامن، طلب المستشار القانوني افيحاي مندلبليت عقد الكابنت لبحث مرتب وسماع رأيهم بجذرية، وكذا برود رئيس الوزراء الذي صحى، منعت الحرب.
وميز السنة الماضية في كل الساحات هو انعدام اليقين. كل حادثة صغيرة في كل واحدة منها كانت من شأنها ان تخرج عن السيطرة وتؤدي الى تدهور واسع. لو أن ايران، حزب الله، حماس والجهاد الاسلامي كانوا سيردون بقوة بنار صاروخية، لما كان لاسرائيل اي مفر غير تصعيد خطواتها. وكبديل، لو كان الاعداء يلجمون انفسهم ولا يطلقون الا بضعة صواريخ ولكن هذه ادت لا سمح الله الى عشرة قتلى أو اكثر، لكانت اسرائيل وجدت نفسها في حرب.
على المستوى التكتيكي ايضا كانت لاسرائيل انجازات هامة. فاغلبية الانفاق الهجومية (ان لم تكن كلها) التي بنتها حماس والجهاد الاسلامي منذ حملة الجرف الصامد، باستثمار مليار شيكل، انكشفت وفجرت. هكذا حصل ايضا في الحدود اللبنانية. ايران (وبين الحين والاخير نظام بشار الاسد في سوريا ايضا) يواصلان التعرض لضربات سلاح الجو والتجلد.
في الساحة الخامسة ايضا – الضفة الغربية –نجحت اسرائيل في الامتناع عن التصويت. وذلك رغم جهود لا تنقطع من حماس بقياداتها في غزة، لبنان وفي تركيا لاثارة المنطقة واقامة شبكات ارهاب وتخريب، وتنفيذ عمليات في الضفة وفي حدود الخط الاخضر، وكذا لاثارة الاضطرابات في الحرم. وينبع منع التدهور في الضفة من قدرات المخابرات الاسرائيلية في الحصول على معلومات استخبارية واحباط مخططات حماس، مثلما ايضا من التعاون الوثيق مع اجهزة امن السلطة الفلسطينية ومن حقيقة أن سكان الضفة ينجحون، بخلاف غزة في نيل الرزق والعيش بنمط حياة معقولة.
في اثناء السنة وفي كل الجبهات أبدت اسرائيل مثابرة، وبثت تصميما للدفاع عما تعتبره مصالحها الامنية. واحيانا، مثلما في الهجوم المنسوب لها على الخلاطة المعدة لتحسين دقة الصواريخ في الضاحية، معقل حزب الله في بيروت، كان هذا رهان في السير على الحافة، اثبت نفسه بأثر رجعي ونجح.
***
ولكن مع حلول سنة “تشف” العبرية، واضح ايضا ان كل المشاكل التي تصدت لها اسرائيل بقيت على حالها. عمليا، ليس لاسرائيل استراتيجية واضحة وشاملة في جبهة. نهجها يستند الى القوة العسكرية الصرفة، التي لا تدمج (بل ولا توجد محاولة لذلك) خطوات سياسية مرافقة وموازية. وهكذا تجد اسرائيل نفسها امام خصوم هم ايضا يبدون التصميم وغير مستعدين للتنازل. هذا صحيح بالنسبة لحماس في غزة، حزب الله الذي يواصل مساعيه للتزود بصواريخ دقيقة وايران التي تواصل محاولاتها لنقل الصواريخ أو عناصرها الى لبنان لتقيم برعاية جيش الاسد قواعد في سوريا، وعلى مسافة غير بعيدة من حدود هضبة الجولان.
ومع أن اسرائيل تشتري الهدوء في غزة مقابل حفنة ملايين من الدولارات القطرية التي تنقل كل شهر، فان غزة – باكثر من ميلونين من سكانها، عشرات في المئة من البطالة، ضائقتها الاقتصادية، مشاكل المياه والكهرباء فيها – تبقى برميل من البارود المتفجر. بغياب التسوية بعيدة المدى، فنهايتها أن تتفجر.
يمكن للسنة القادمة ايضا ان تجلب ازمة مع السلطة الفلسطينية – التي وضعها ليس في افضل حال. اذا ما رحل ابو مازن المريض الى عالمه. في مثل هذه الحالة يحتمل أن تنشأ حرب على خلافته قد تؤدي الى وقف كامل او جزئي للتعاون بين اجهزته الامنية وبين المخابرات والجيش الاسرائيلي.
ان سكرة القوة والقراءة المغلوطة لصورة الوضع بارزان على نحو خاص في السلوك تجاه التهديد الايراني. في السنة الاخيرة قرر رئيس الوزراء تقليص سياسة الغموض واخذ في عدة مناسبات المسؤولية عن الهجمات في سوريا، في ظل تلميحات واضحة بان اسرائيل تعمل في العراق ايضا.
ان نهج نتنياهو يهين ايران ومن شأنه ان يكون محملا بالمصائب. وقد فعل رئيس الوزراء ذلك لاعتبارات سياسية داخلية، رغم استياء قادة جهاز الامن. ولكن هؤلاء، ولا سيما رئيس الاركان كوخافي، لم يضعوه في مكانه. في صالح كوخافي يقال انه من الافضل متأخرا على الا يكون ابدا. في المداولات على غزة على الاقل اظهر تصميما، اعرب عن رأيه بشكل واضح، تحدى نتنياهو وساهم الى جانب رئيس المخابرات في منع الحرب.
“ان احد الاسباب المركزية للمفاجآت الاستخبارية هو الفجوة المتسعة بين ما يجري في الواقع وبين الطريقة التي ينعكس فيها في نظر مقرر السياسة”، كتب مؤخرا العقيد روني كوهن، المسؤول السابق في دائرة البحوث في شعبة الاستخبارات. ففي مقال مثير للاهتمام في “منتدى التفكير الاقليمي” دعا الى الاعتياد على اصطلاح جديد – قديم يسمى “الجبهة الشمالية – الشرقية”. ويدعي كوهن بان القراءة المنوطة للواقع تنبع من سببن. الاول هو سكرة القوة في اسرائيل. والسبب الثاني هو الايمان الاعمى بان لخطوات اسرائيل العسكرية يوجد اسناد من الادارة الامريكية. وذلك رغم أن الرئيس دونالد ترامب يثبت المرة تلو الاخرى بانه غير متوقع وسند متهالك. يشدد كوهن، وهو ليس الوحيد، على أنه بخلاف التقديرات في اسرائيل وفي الولايات المتحدة، فان ايران لا تستسلم للعقوبات القاسية التي تفرض عليها وتبدي صمودا. وهو يشدد على أنه “في نهاية المطاف، فان سياسة تنبع من الاكتفاء والثناء الذاتي، من غياب التواضع (الحال لا يدوم ابدا) – من شأنها ان تؤدي الى الانتقام من جانب ايران”.
يعتقد كوهن بان على اسرائيل ان تغير القرص. الا ترى في الجبهة الشمالية – الشرقية (العراق، لبنان، سوريا وايران) كل شيء، ان تستأنف المبادرات الدبلوماسية في غزة ومع السلطة الفلسطينية وان تصحو من الايمان بترامب وبالقوة العسكرية كالرد الوحيد على كل تحدٍ. ينبغي الامل في أن تعمل الحكومة الجديدة، بعد أن تتشكل، اذا ما تشكلت، بشكل مختلف.



