أقلام وأراء

معاريف: إذا ما وعندما تنهار السلطة

معاريف 27/2/2026، جاكي خوجيإذا ما وعندما تنهار السلطة

في يوم الاثنين من هذا الأسبوع أجرى وزير مالية السلطة مقابلة مع صحيفة “القدس” الفلسطينية. وتحدث الوزير اصطفان سلامة باستضطراد. وكالمعتاد كان قلقا. ليس بسبب غزة أو المسجد الأقصى. الموضوع المركزي على مدى كل المقابلة هو الوضع المهزوز للسلطة الفلسطينية. فقد قال سلامة انه يحوم فوق السلطة هذه الأيام تهديد وجودي.

أقواله ليست بلا أساس: وزراء في حكومة إسرائيل صرحوا مرات عديدة بانه ينبغي اسقاط السلطة. هم لا يقولون بل ويفعلون أيضا. من ناحية مالية، السلطة متعلقة بشكل حاسم بإسرائيل، وهذه تمنع عنها عشرات في المئة من ميزانيتها.

“إسرائيل تتطلع الى تدمير الاقتصاد الفلسطيني وجعله متعلقا تماما”، شدد الوزير الفلسطيني. “في الفترة الأخيرة كان الهدف الواضح هو منظومة البنوك الفلسطينية، العمود الفقري للاقتصاد. فعندما يضربون البنوك الفلسطينية فانهم عمليا يلعبون بالنار. لقد تجاوزوا كل الخطوط الحمراء وبالتالي فان الازمة التي نعيشها ليست عابرة أو مؤقتة بل ذات طابع وجودي. التهديد الوجودي الذي نقف امامه هو حقيقة قائمة وليس خيالا او مبالغة”.

مليار شيكل في الشهر

جملة نواقص تتميز بها السلطة الفلسطينية وعليه فانه على رأس المتمنين لسقوطها هم الفلسطينيون أنفسهم. اغلبية الجمهور عندهم ترى فيها جسما ضعيفا وعديم الجدوى في أفضل الأحوال، فاسد في أسوأ الأحوال. قبل سنوات عديدة، منذ ما قبل 7 أكتوبر، ندد الجمهور الفلسطيني بحكامه وتمنى استبدالهم بآخرين. سلسلة من استطلاعات الرأي العام اثبتت ذلك. ينفر الشارع الفلسطيني من أبو مازن ونائبه المتسلط حسين الشيخ. أبو مازن تمنوا دوما استبداله، وعندما سُئلوا إذا كانوا سيصوتون له، فان اغلبية جارفة من الثلثين بالمتوسط بين المستطلعين وضعوه في أسفل القائمة. آخرون مثل مروان البروغوثي وإسماعيل هنية تقدموا على أبو مازن بشكل دائم.

ليس لهذا السبب تكبدت حكومات إسرائيل عناء اضعافها. الأسباب كانت دوما سياسية. فكثيرون في اليمين يريدون إزالة السلطة لاجل إحلال سيادة إسرائيل على كامل أراضي الضفة الغربية. وأثبتت تصريحات وزير المالية الفلسطيني بان هذا الجهد نجح. فقد روى بان ديون السلطة بلغت في نهاية 2025 مستوى غير مسبوق بمبلغ 15 مليار دولار. قسم كبير منها ينبع من تأخير أموال المقاصة من قبل إسرائيل ومن 430 دعوى قضائية إسرائيلية بقيمة نحو 45 مليار شيكل، والتي تشكل على حد قوله وسيلة ضغط على السلطة. فالسلطة بحاجة الى مليار شيكل في الشهر كي تبقى على قيد الحياة. منها نحو 750 مليون مخصصة لدفع الرواتب. هذه المبالغ في معظمها تؤخر في القدس، ولاجل ميلها تزيد السلطة كل الوقت العجز في الميزانية.

“المنظومة البنكية في خط الدفاع الأخير الذي يمنع الانهيار”، أشار سلامة. “حقيقة ان السلطة لا تزال قائمة هي معجزة وهي تأتي بفضل جهد مشترك من البنوك، القطاع الخاص، الموظفين وأبناء عائلاتهم”.

كيف سيبدو الواقع اذا ما بُشرنا ذات صباح بان السلطة الفلسطينية انهارت ولم تعد قائمة؟ تصوروا انه لا توجد حكومة. ولا توجد قيادة. ولا يوجد امن ولا يوجد عنوان. هكذا الى هذا الحد او ذاك سيبدو هذا. السلطة الفلسطينية هي رب العمل الأكبر في الضفة. على طاولتها يجلس أكثر من 80 ألف من أصحاب الرواتب، موظفون، معلمون، أطباء وخبراء مختلفون. أجهزة الامن تشغل نحو 30 ألف آخرين. صحيح ان رواتب كل هؤلاء تضرر بالتدريج في السنوات الأخيرة لكن الضياع التام لمصدر رزقهم سيوقع كارثة على الاقتصاد الفلسطيني. دفعة واحدة سيتساقط الى مستقبل مجهول نحو 100 ألف رجل وامرأة في سن العمل.

للسلطة لا تزال توجد أهمية سياسية بالنسبة لابناء شعبها. رغم ضعفها فهي لا تزال الممثل الرسمي للشعب الفلسطيني ومفوضه في الساحة الدولية. هي صلتهم وممثلهم لدى شعوب العالم. كشعب يكافح في سبيل الاستقلال والحقوق، يحتاج الفلسطينيون جدا الى الدعم الدولي. هذه الحاجة تلبيها السلطة بل وأحيانا سجلت إنجازات. فقد ورطت إسرائيل في المحكمة في لاهاي. وقبل ذلك حظيت بأغلبية مبهرة في الأمم المتحدة (138 دولة ومنذئذ أضيفت 19 أخرى) لفكرة الاستقلال وإقامة الدولة الفلسطينية.  بفضل هذا التأييد، قُبلت في مكانة دولة بمكانة مراقب في المنظمة الدولية.

وبالنسبة لنا؟ في أوساط قيادة المستوطنين يوجد تأييد واسع لفكرة اسقاط السلطة، والسبب مفهوم. حسب رأيهم، بلاد إسرائيل تقع من البحر المتوسط الى نهر الأردن، وفي داخلها لا مكان لكيان سياسي غير إسرائيل. وبذلك فانهم يطوون في النسيان التعاون الأمني معها، ذات التعاون الذي قلائل يتحدثون عنه. هذه الاتصالات، التي هي في معظمها سرية، هي انجاز إسرائيلي بعيد الأثر. فتح تتحول من عدو اجرامي الى شريك مركزي في بلورة الامن القومي. أجهزة الامن الفلسطينية مسؤولة، الى جانب الجيش الإسرائيلي و”الشباك” عن أنه اليوم إذا كانت حماس والجهاد تريدان اليوم اثارة انتفاضة ثالثة فانهم لا يمكنهم أن يفعلوا ذلك بسبب حملة الملاحقة التي ادارتها هذه القوى معا منذ 15 سنة. هذا التعاون أنقذ حياة البشر ومعقول انه سينهار مع انهيار السلطة.

العيش على الحراب؟

اذا زالت السلطة، فان إسرائيل هي التي ستكون مطالبة بإدارة المناطق الواسعة خلف الخط الأخضر، المدن والقرى ومخيمات اللاجئين. سيتعين عليها ان تهتم بجهاز التعليم الفلسطيني، رخص البناء، المواصلات، تعيين موظفين من بينهم. كما أنه سيتعين عليها ان تحمي بعناية شديدة أكبر السكان الإسرائيليين. وعلى أي حال فانه ستثور مقاومة مسلحة بل حتى حادة وسيكون مطلوبا جنود في كل زاوية. كما ستسقط ضحايا.

من حق الدولة الا تعظم قوة جارتها. من حقنا أيضا أن نفكر بان السلطة هي أم كل الخطايا ومكافحتها. لكن لا ينبغي ايهام الجمهور ومن الواجب ان نروي له ما هي الاثمان الخطوة بعيدة الأثر بهذا القدر مثل انهيارها. هذا ليس فقط ضعضعة للاستقرار في يهودا والسامرة، ضياع الامن الشخصي والتورط مع الاسرة الدولية.

ان مسألة استمرار وجود السلطة تخفي قضية واسعة كان الإسرائيليون يميلون دوما للهرب منها. فهل نحن نريد أن نحكمهم، كيف نرى نحن جيراننا العرب وأي دولة نورثها نحن للأجيال القادمة. كثيرون يقولون انه من بين كل الإمكانيات السلبية، أفضلها جميعها هي العيش على الحراب. ذات مرة رأيت في ذلك خيارا. اما اليوم فلم اعد واثقا. هذه الحراب تعرف أيضا كيف تشق الطريق الى الجسد لينزف حتى الموت. قبل سنتين ونصف كنا قريبين من ذلك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى