أقلام وأراء

مصطفى إبراهيم: غزة: فرصة لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني

مصطفى إبراهيم 30-1-2026: غزة: فرصة لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني

يشكّل ترحيب الفلسطينيين باتفاق وقف إطلاق النار، وبخطوة تشكيل اللجنة الوطنية لإدارة غزة، لحظة قد تبدو ضرورية لوقف الإبادة الجماعية المستمرة، لكنها تبقى لحظة غير مكتملة ما لم تتحوّل إلى مدخلٍ حقيقي لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني، سياسياً ومجتمعياً، والانطلاق نحو حوار وطني شامل يعيد بناء التنظيم السياسي وصياغة مشروع وطني دائم ينبع من الإرادة الفلسطينية، لا من ترتيبات مفروضة من الخارج.

وفي هذا السياق، يبدو اعتماد نبرة غير خطابية وشعاراتية ضرورة سياسية وأخلاقية، لا بوصفها قبولاً بالأمر الواقع، بل كخيار واعٍ يهدف إلى استثمار هذه اللحظة لوقف النزيف الإنساني، وترميم المجتمع الفلسطيني الذي أنهكته حرب الإبادة الجماعية وآثارها العميقة، والتي ما زالت مستمرة بأشكال متعددة، رغم أي تهدئة معلنة.

غير أن هذا الهدوء لا ينبغي أن يحجب حقيقة أن مجلس السلام، والهياكل التنظيمية والإدارية المنبثقة عنه، ليست فلسطينية في مرجعيتها أو بنيتها، بل تمثل عملياً شكلاً من أشكال الوصاية السياسية، ونزع تدريجي للحقوق الوطنية والسياسية، حتى وإن جرى تغليفها بخطاب إنساني. فحتى اللجنة الوطنية لإدارة غزة لا تتجاوز كونها هيئة محلية خدمية، تستمد صلاحياتها من المجلس التنفيذي للسلام، لا من تفويض وطني أو شرعية شعبية.

إن تشكيل مجلس السلام هو نتاج تفاهم أميركي حظي بمباركة دولية وعربية وإسلامية، ويعكس بنية نظام أميركي–إسرائيلي كولونيالي استيطاني، يقوم على التنكّر المنهجي للحقوق السياسية الفلسطينية، وإعادة إنتاج نزع الحقوق بصيغة إنسانية، ضمن سياسة تفكيك متعمد للمجتمع الفلسطيني وإدارته بدل تمكينه. هذا الواقع يفرض على الفلسطينيين التعامل معه بحذر سياسي، يجمع بين تخفيف المعاناة الإنسانية، والحفاظ على الحقوق وعدم استبدالها بإدارة خدماتية منزوعة السيادة.

وحتى مع الادعاء بأن مهمة مجلس السلام مؤقتة، ومحصورة بفترة انتقالية لا تتجاوز عامين، فإن ذلك لا يُعفي الفلسطينيين من مسؤولية صياغة بديل وطني واضح، يقوم على مشروع جماعي يستند إلى المصالح الوطنية، والصمود المنظم، والتعافي، وإعادة البناء والإعمار، بالتوازي مع عمل داخلي جاد لإعادة بناء الثقة المجتمعية، ولمّ الشمل، ومعالجة الانقسام، وإعادة الاعتبار للسياسة كأداة حماية لا كعبء إضافي على مجتمع مُنهك.

إن استغلال هذه الفرصة يتطلب الانتقال من منطق إدارة الكارثة إلى منطق التعافي وإعادة البناء، إجتماعياً وسياسياً، مع إدراك أن الإبادة، وإن خفّ صوتها إعلامياً، ما زالت مستمرة بأشكال أخرى: بالحصار، والتجويع، وتعطيل الإعمار، وتأجيل الانسحاب الإسرائيلي. ومن هنا، فإن ترميم المجتمع الفلسطيني وبناء شبكات تضامن داخلية ودولية، في إطار المشروعية الوطنية، يشكّلان مدخلاً أساسياً لمواجهة محاولات الاستفراد بالفلسطينيين، وكسر الخطط المعلنة وغير المعلنة الهادفة إلى إعادة هندسة المجتمع الفلسطيني في ظل النزوح، والانقسام، وضعف النظام السياسي وترهّل هياكله.

 

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى