أقلام وأراء

مصطفى إبراهيم: اليوم الـ 32 للحرب: بين معركة إيران وضغط الجبهة اللبنانية.. تتكشف حدود القوة الإسرائيلية

مصطفى إبراهيم 1-4-2026: اليوم الـ 32 للحرب: بين معركة إيران وضغط الجبهة اللبنانية.. تتكشف حدود القوة الإسرائيلية

مع دخول الحرب الامريكية الاسرائيلية ضد ايران يومها الثاني والثلاثين، يجد الجيش الإسرائيلي نفسه أمام معضلة استراتيجية كبرى؛ حيث تلتهم الجبهة الإيرانية معظم القدرات الجوية، مما يترك القوات البرية في لبنان في مواجهة واقع ميداني قاسٍ وبغطاء جوي أقل من المطلوب. الوعود بـ “نصر حاسم” تصطدم اليوم بحقائق الأرض، وسط تزايد الإحباط الشعبي الناتج عن الفجوة المتسعة بين التقارير الرسمية والواقع العملياتي.

معضلة توزيع الموارد والغطاء الجوي

يشير المحللون العسكريون، وفي مقدمتهم عاموس هرئيل (صحيفة هآرتس)، إلى أن تكثيف القدرات الجوية في المواجهة مع إيران فرض قيوداً واضحة على مستوى الدعم الجوي المتاح للقوات البرية في جنوب لبنان. هذا التوزيع الاستراتيجي خلق أزمة ميدانية؛ حيث بات سلاح الجو —الذي يمثل حجر الزاوية في العقيدة القتالية الإسرائيلية لتحقيق سرعة الحسم— غير قادر على توفير التفوق الحاسم في جميع الساحات بنفس القوة والزخم، ما يجعل أي تقدم بري سريع محفوفاً بالمخاطر الجسيمة.
وتجسدت هذه المعضلة بوضوح في حادثة “قرية بيت ليف”، حيث سقط أربعة قتلى من كتيبة الاستطلاع التابعة لـ لواء ناحال. وتعكس هذه الواقعة قدرة حزب الله على التكيف واستغلال النقص في الغطاء الجوي عبر تكتيكات “حرب العصابات”، ونقل منصات الإطلاق إلى مواقع أصغر متناثرة تحت الغطاء الطبيعي، مع الاستمرار في إطلاق نحو 200 هدف يومياً بين صواريخ ومسيّرات، ما يجعل الحديث عن “نصر حاسم” في لبنان بعيداً عن المنطق الميداني، خاصة مع تشتت القوات البرية بين لبنان وغزة والضفة الغربية.

عقيدة الجيش الإسرائيلي بعد 7 أكتوبر 2023

كشفت الحرب المستمرة منذ هجوم 7 أكتوبر عن تحول جوهري في عقيدة الجيش الإسرائيلي: الانتقال من البحث عن الحسم السريع إلى استراتيجية “إطالة أمد إعادة بناء قدرات العدو”. وبدلاً من السعي لتحقيق انتصار مفاجئ أو إسقاط أنظمة كاملة، تركز الاستراتيجية الحالية على ضرب الموارد والمعدات لإلحاق أقصى ضرر ممكن وتأخير التعافي العسكري للخصم لسنوات، وهو مبدأ يطبق اليوم على إيران ولبنان على حد سواء، ويعكس فهماً جديداً للواقع المعقد الذي فرضته المواجهات متعددة الجبهات.

الجبهة الإيرانية: تدمير القدرات لا إسقاط النظام

في الساحة الإيرانية، تستمر الضربات المكثفة مستهدفة منشآت الصواريخ الباليستية، الدفاعات الجوية، ومصانع المعادن (كمصنع موباركة في أصفهان)، وحتى مراكز إنتاج “الفنتانيل”. وبينما تشير تقارير —غير مؤكدة— إلى احتمال القضاء على شخصيات وازنة مثل رئيس السلطة القضائية غلام حسين إيجئي، يرى المحلل العسكري دافيد جندلمان أن النجاح العسكري تمثل في “قمع” الدفاعات الجوية لدرجة تسمح للقاذفات الأمريكية الثقيلة (\bm{B-52}) بالعمل من مسافات قريبة جداً وبذخائر أقل تكلفة.

ورغم تدمير أهداف “الفئة الأولى”، إلا أن إيران لا تزال تملك مخزوناً يقدر بـ 300 إلى 800 صاروخ، ونحو 100-150 منصة إطلاق فعالة قادرة على مواصلة الاستنزاف لأسابيع، خاصة وأن بعض المنصات لم تُدمر بالكامل بل تم تعطيل مداخل أنفاقها التي يعيد الإيرانيون فتحها بالجرافات خلال 12 ساعة فقط.

التضليل الإعلامي وأزمة الثقة الداخلية

يكشف المشهد عن فجوة مصداقية ناتجة عما يوصف بـ”تضليل إعلامي” مارسته جهات عسكرية وسياسية بشأن حجم الضرر الفعلي الذي لحق بالقدرات الإيرانية. هذا التباين، مضافاً إليه سياسات الحكومة الداخلية —مثل تخصيص 800 مليون شيكل للأحزاب الحريدية والإصرار على إعفائهم من الخدمة العسكرية في وقت ينزف فيه الجيش— عمّق حالة الاحتقان لدى الجمهور الإسرائيلي الذي يرى أولويات السلطة تبتعد عن متطلبات استراتيجية الحرب الميدانية.

خطاب “الضربات العشر” وخفض سقف التوقعات

سياسياً، حلل عميحاي شتاين خطاب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الأخير بوصفه “خطاباً انتخابياً” بامتياز يهدف لخفض سقف التوقعات. فبعد أن كان الطموح المعلن هو تغيير النظام في طهران، تراجع نتنياهو ليتحدث عن “عشرة إنجازات” تقنية وتكتيكية، مقراً ضمنياً بأن النظام الإيراني قد يبقى في مكانه عند نهاية هذه الجولة، ومحاولاً تبرير استمرار الحرب دون حسم سياسي جذري.

الخلاصة: استراتيجية “التعافي الطويل” في انتظار ترامب

تتمثل الاستراتيجية الإسرائيلية الحالية في “إلحاق أقصى ضرر ممكن لإطالة أمد تعافي العدو”، وهي استعادة لعقيدة قديمة تعود للخمسينيات. ومع استنفاد الأهداف الرئيسية في إيران، تترقب المؤسسة العسكرية قرار الرئيس الأمريكي ترامب حول الاستمرار نحو أهداف ثانوية أو وضع نقطة نهاية لهذه المرحلة.

إن تراكم الضربات على إيران واستمرار الضغط في لبنان يظهران تحديات استراتيجية هائلة تتمثل في محدودية الموارد، تعقيد إدارة الجبهات المتعددة، والضغط الداخلي المتزايد.

ويبقى السؤال معلقاً: متى تنتهي الحرب؟ في ظل تقديرات ضبابية تعتمد على قدرة الجيش على إدارة موارده في ساحات تتسع يوماً بعد يوم، تحت وطأة عقيدة تقوم على الاستنزاف المستمر وإضعاف الخصم بدلاً من الحسم النهائي.

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى