أقلام وأراء

مروان إميل طوباسي: غزة بين تدوير الأحتلال وسياق التحرر الوطني

مروان إميل طوباسي 22-1-2026: غزة بين تدوير الأحتلال وسياق التحرر الوطني

لم يكن حرص الأحتلال على أستمرار حكم حركة “حماس” في قطاع غزة تفصيلاً عابراً في سياساته ، بل خياراً استراتيجياً ثابتاً جرى الأستثمار فيه على مدار سنوات الأنقسام . فوجود “حماس” في المشهد يوفر للأحتلال الذريعة الأكثر ملائمة لمواصلة عدوانه على شعبنا أمام العالم ، وتبرير سياساته التصفوية بأشكال إجرامية ، وإدامة الأنقسام الفلسطيني بوصفه أداة ابتزاز سياسي وأمني وغطاءً دائماً لضغط الأحتلال ومنع أي أفق وطني جامع .

من هذا المنظور ، يمكن فهم السعي الإسرائيلي الحثيث لعرقلة أي صيغة فلسطينية بديلة لإدارة قطاع غزة ، بما في ذلك ما طُرح سابقاً تحت مسمى “لجنة غزة الإدارية”. فالمطلوب إسرائيلياً لم يكن يوماً إنهاء حكم “حماس”، بقدر ما كان توظيف هذا الحكم وضمان بقائه في المشهد ، كما هو مطلوب أيضا بنفس القدر محاولات توظيف دور السلطة الوطنية بعد انسداد أفق أتفاق أوسلو ، بما يخدم معادلات السيطرة والتهجير والتفكيك وإدارة الأنقسام ، لا تجاوزه .

في هذا السياق الذي يسعى فيه ترامب الى الالتفاف على هيئة الأمم المتحدة ومنظماتها التي بات ينسحب منها ويدمر نتنياهو اخر منها كما جرى مع “الانروا” بالقُدس ، وعلى الشرعية الدولية والقانون الدولي واستبداله بقانون الغطرسة والقرصنة ، يبرز اعلان ما سُمّي ميثاق “مجلس السلام الدولي لإدارة قطاع غزة” كنموذج فاضح لأستبدال ميثاق هيئة الامم المتحدة و لإعادة تدوير الأحتلال وإنتاج الوصاية ، لا لإنهاء الأحتلال . فبأستثناء رئيس جهاز المخابرات المصرية ودكتور علي شعث وقلة محدودة جداً من الأعضاء فيه ، جرى تهميش التمثيل الفلسطيني الرسمي المفترض ، مقابل حضور واسع لشخصيات تنحدر من أصول يهودية أو تنتمي للفكر الصهيوني أو تجمع بين الأمرين ، ومعروفة بمواقفها الداعمة لسياسات الاحتلال والتطبيع وتبرير الجرائم الإسرائيلية وأثارة الحروب حول العالم .

ويكتمل الطابع الوظيفي لما سُمّي “مجلس السلام الدولي لإدارة قطاع غزة” مع إعلان رئيس حكومة الأحتلال بنيامين نتنياهو قبوله دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للانضمام إلى عضويته ، في مفارقة سياسية كاشفة لا تحتاج إلى كثير من التفصيل باعتبار مجرم حرب مطلوب القضاء الدولي . فمشاركة رأس المشروع الاستيطاني ، وقائد حرب الإبادة والتهجير ، في هيئة تُقدَم بوصفها “مجلساً للسلام”، لا يمكن قرأتها إلا باعتبارها دليلاً إضافياً على أن هذا المجلس لا يستهدف إنهاء الأحتلال أو محاسبته ، بل إعادة تأهيله سياسياً ، ومنحه غطاءً دولياً جديداً بارادة أمريكية ، وتكريس منطق إدارة السيطرة بدل تفكيكها.

وهنا يتضح أن “السلام” المقترح ليس سوى أداة لإعادة إنتاج القوة ذاتها ، بصيغة أقل كلفة أخلاقياً وإعلامياً ، وأكثر انسجاماً مع الهيمنة الأميركية–الإسرائيلية على تعريف الحلول ومساراتها ، ما يستوجب وضوح وجرأة اعلان الموقف الفلسطيني الرافض لهذا المجلس وهيكلياته الثلاثة ، لا رفضا لوقف حرب الإبادة بحق ابناء شعبنا في قطاع غزة وتمكينهم من الحياة بكرامة .

نحن هنا إذاً ، أمام محاولة جديدة لتكريس أحتلال للقطاع بصيغة مبتكرة ، تُقدَم كحل إنساني أو إداري ، بينما يتمثل جوهرها الفعلي في فصل غزة عن سياقها الوطني ، وتقويض المشروع التحرري الفلسطيني ، وتحويل القضية من قضية تحرر وطني إلى ملف لإدارة السكان تحت إشراف “دولي” أمريكي في واقعه الفعلي بعد تحفظات جهات دولية عديدة عليه ، وبشروط القوة والهيمنة الأميركية–الإسرائيلية .

اللافت هنا ، ولمن يروج لهذه الصيغة باعتبارها “مخرجاً واقعياً ” في ظل ظروف اختلال موازين القوى ، أن بعض الانتقادات الصادرة من داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية نفسها ، كما ورد في تقارير صحفية إسرائيلية من بينها “هآرتس”، لا تكشف فشلاً أخلاقياً للمشروع ، بل تفضح تصميمه الوظيفي . فهذه الانتقادات لا تنطلق من اعتراض على منطق الوصاية أو استمرار السيطرة ، بل من خشية إسرائيلية من ألّا ينجح المشروع في إدارة غزة بالشكل الذي يخدم أمن الأحتلال على المدى الطويل ، أو أن لا يضبط حركة “حماس” بما يكفي ضمن معادلة التحكم غير المباشر .

وبمعنى أدق ، فإن الخلافات الإسرائيلية حول “مجلس السلام” لا تدور حول مبدأ الأحتلال أو ضرورة إنهائه ، بل حول أنجع السبل لإدارته بأقل كلفة سياسية وأمنية ، مع الإبقاء على غزة مفصولة عن سياقها الوطني ، وعلى الانقسام الفلسطيني كأداة استراتيجية قابلة للتوظيف . وهو ما ينسجم تماماً مع التجربة الفلسطينية الطويلة في التعامل مع مشاريع تُسوَق كحلول مؤقتة أو انتقالية ، بينما تُستخدم عملياً لإدامة الواقع القائم وتدوير الأزمة .

وعليه ، لا ينبغي قراءة هذه الانتقادات الإسرائيلية بوصفها دليلاً على تصدع المشروع ، بل كجزء من نقاش داخلي حول تحسين أدائه الوظيفي ، لا تغييره . فالمشروع ، في جوهره لا يستهدف إنهاء حكم “حماس” فعلياً ، ولا إعادة توحيد التمثيل الفلسطيني ، بل إدارة وجود حركة حماس ضمن معادلة مضبوطة تُبقي غزة تحت السيطرة ، وتمنع تحولها إلى رافعة لوحدة وطنية أو برنامج تحرري جامع ، مع فتح الباب لاحقاً لتعميم النموذج نفسه في الضفة الغربية دون القُدس .

تفكيك هذه المعادلات المفروضة لا يمكن أن يتحقق عبر التكيف مع موازين قوى صُنعت لإدامة الهزيمة ، ولا عبر منح شرعية فلسطينية حتى ولو مبطنة لمشاريع الوصاية تحت عناوين “الإدارة” أو “السلام”، بل من خلال استعادة السياسة الوطنية من يد الهيمنة الخارجية عليها . ويبدأ ذلك برفض أي صيغة لإدارة قطاع غزة خارج إطار منظمة التحرير الفلسطينية كمرجعية وطنية جامعة ، ودوليا بما لها من مكانة وكصاحبة الولاية الجغرافية والسياسية ، والعمل الجاد على إعادة بناء وحدة التمثيل الوطني على قاعدة الشراكة الوطنية الواسعة والبرنامج التحرري ، لا إدارة الأنقسام .

كما وتنفيذ كافة القرارات الرسمية الصادرة عن المجلس المركزي لمنظمة التحرير في دوراته السابقة والتي دعت إلى ترسيخ الوحدة الوطنية ووقف التنسيق الأمني وإعادة تعريف العلاقة مع الأحتلال خاصة بعد انسداد أفق “أوسلو” الذي يتم استكماله اليوم بالمفهوم الأسرائيلي .

وفي هذا الإطار ، تبقى حركة “فتح”، بما تمثّله من دور تأسيسي في المشروع الوطني التحرري الى جانب مكونات الحركة الوطنية ، الحلقة الأقوى القادرة على تحمّل مسؤولية إصلاح منظمة التحرير وفق الإرادة السياسية والقرار الوطني المستقل ومنهح المواطنة والديمقراطية الأنتخابية دون الأنتقاص من الحقوق الأساسية لأي من ابناء شعبنا باعتبارهم اعضاء طبيعيين بمنظمة التحرير سنداً للميثاق الوطني ، ودون تجاوز نصوص وثيقة اعلان الإستقلال ، وهو ما يشكل التحدي الأهم امام انعقاد المؤتمر الثامن لحركة “فتح” المزمع عقده قريبا والذي يتوجب ان يخرج برؤية وبرنامج سياسي وأدوات قادرة على مواجهة التحديات كحركة تحرر وطني لا كواجهة لأدارة الأزمة .

ومن جهة اخرى هنالك ضرورة من اجل الإسراع في دعوة المجلس الوطني الفلسطيني على اسس سليمة وشفافة من العضوية للانعقاد كأعلى هيئة لمنظمة التحرير وكجسم تشريعي مُخول في النظر بالقوانين وتعديلاتها ، وفي مكان يضمن أستقلالية أعماله عن تدخل الأحتلال ، مع إجراء انتخابات ديمقراطية عاجلة لعضويته بما يشمل الشتات الفلسطيني حيث أمكن.

وحده هذا المسار كفيل بوقف تاثير مراكز النفوذ وبمنع تحويل غزة إلى مختبر دائم للأحتلال المُحدث ، والحفاظ على القضية الفلسطينية في سياقها الطبيعي كقضية تحرر وطني ، لا كملف إداري خاضع لشروط الهيمنة الأميركية–الإسرائيلية بعيدا عن القانون الدولي والقرارات الأممية والحقوق غير القابلة للتصرف لشعبنا .

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى