ترجمات عبرية

مركز القدس  للاستراتيجية والأمن: الموقف القطري تجاه إيران في سياق الحرب الحالية

مركز القدس  للاستراتيجية والأمن (JISS) – 22/3/2026، د. أرييل أدموني ود. بنينا شوكر: الموقف القطري تجاه إيران في سياق الحرب الحالية 

منذ بدء العملية الأمريكية الإسرائيلية في إيران، شهدت قطر تحولاً حذراً ومدروساً في نهجها تجاه إيران. ورغم استمرار بعض جوانب العلاقة الوثيقة بين البلدين، يبدو أن العدوان الإيراني على دول الخليج، بما فيها قطر، سيدفع الدوحة على الأرجح إلى تبني سياسة أكثر انتقاداً، وإن لم تكن تصادمية، تجاه إيران، وإلى تخفيف رغبتها في خدمة مصالح النظام الإيراني.

قبل العملية، كانت قطر داعماً وشريكاً فاعلاً للنظام الإيراني، مع مراعاة حساسية الموقف بما يخالف توقعات الولايات المتحدة. وشملت هذه العلاقة الحفاظ على قنوات الاتصال والزيارات المتبادلة، والعلاقات التجارية، والوساطة القطرية بين إيران ودول أخرى. إضافة إلى ذلك، تتشارك إيران وقطر أكبر حقل غاز منفرد في العالم، وهو حقل قبة الشمال/بارس الجنوبي، مما يستلزم تعاوناً فنياً بين البلدين لضمان استمرارية الإنتاج والتصدير. إضافةً إلى دعم قطر المعروف لحزب الله وحماس، ساعدت الدوحة طهران على مرّ السنين في احتواء الاحتجاجات الداخلية؛ فعلى سبيل المثال، اعتادت قناة الجزيرة، الناطقة الرسمية باسم قطر، تصوير إيران بصورة معتدلة نسبيًا، متجنبةً تغطية الاحتجاجات فيها. بل وصل الأمر بالجزيرة إلى حدّ توجيه أصابع الاتهام إلى إسرائيل والولايات المتحدة، مدعيةً أنهما تُؤجّجان الاضطرابات الداخلية في إيران. علاوةً على ذلك، خلال كأس العالم 2022، اعتقلت قطر أنصار المعارضة في إيران ومنعت الصحفيين المناهضين للنظام من دخول الإمارة. وخلال موجة الاحتجاجات التي سبقت العملية الحالية في إيران، وثّقت السفارة القطرية في واشنطن المتظاهرين أمام بواباتها، ربما لتمرير بياناتهم إلى إيران.

إلا أن الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران قد اختبر قدرة قطر على الالتزام بهذه السياسة. في إطار محاولة إيران إلحاق الضرر بأي جهة تستضيف جنودًا أمريكيين على أراضيها، وممارسة ضغط غير مباشر على الولايات المتحدة، أُطلقت صواريخ وطائرات مسيرة على أهداف أمريكية ومدنية في دول خليجية مختلفة في اليوم الأول للحرب، وفي الأيام التالية استهدفت أيضًا أهدافًا مدنية في قطر. في البداية، حاول القطريون ضبط النفس، بينما سعى الإيرانيون، من جانبهم، إلى تخفيف حدة التوتر مع الدوحة رغم الهجمات، كما يتضح من تصريحات كلا الجانبين التي صوّرت الهجمات على أنها لم تكن موجهة إلى قطر نفسها، بل إلى منشآت أمريكية فقط، مثل قاعدة العديد الجوية.

إلا أن القطريين ردوا لاحقًا بشدة على الهجمات التي استهدفت أهدافًا مدنية على أراضيهم، بما في ذلك بنى تحتية حيوية ومناطق صناعية، من بينها منشآت إنتاج الغاز الطبيعي المسال، فضلًا عن مطار الدوحة الدولي (جوهرة قطر الاقتصادية والسياحية). وصرح المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية لشبكة CNN صراحةً بأن “إيران ستدفع ثمنًا باهظًا” على الهجوم على الأراضي القطرية، وأن الدوحة كانت آنذاك معزولة عن طهران. وقد جرى التأكيد على هذه الرسالة لاحقًا. رفض رئيس الوزراء القطري، محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني، رفضاً قاطعاً مزاعم إيران الكاذبة بشأن محاولاتها تجنب استهداف المدنيين. واتهم آل ثاني إيران بجر جيرانها إلى الحرب، واصفاً ذلك بأنه انتهاك صارخ لسيادة قطر ومبادئ القانون الدولي، ومؤكداً أن الهجمات الإيرانية لن تمر دون رد. كما شدد آل ثاني على أنه بالرغم من ميل قطر التقليدي للحوار، فإنها ستواجه أي عدوان يمس سيادتها أو أمنها أو سلامة أراضيها أو مصالحها الوطنية. وقد وجهت قطر رسالة قوية إلى مجلس الأمن الدولي مفادها أنها تحتفظ بحقها في الدفاع عن النفس بموجب المادة 51.

لقد شمل الهجوم الإيراني على قطر أضرارًا لحقت بمنشآت الغاز التابعة لشركة قطر للطاقة في رأس لفان. وردًا على ذلك، أمرت الحكومة القطرية بإغلاق جميع منشآت إنتاج الغاز والغاز الطبيعي المسال بشكل كامل، وهو قرارٌ، إلى جانب الحاجة لإعادة الإعمار والأسباب الأمنية، مدفوعٌ بإمكانية توليد ضغط دولي لإنهاء الحرب، نظرًا لاعتماد العديد من الدول، بما فيها بريطانيا وألمانيا، اعتمادًا كبيرًا على صادرات الغاز القطري. وبالمثل، أعلنت البحرين والكويت، بعد قطر، قطع إمدادات الطاقة. ويبدو أن قطر، في مواجهة العدوان الإيراني غير المتوقع، تحاول إظهار جبهة موحدة مع دول الخليج، مع أنها لا تتوانى في الظروف العادية عن تحديها.

ويبدو أن العدوان الإيراني قد حقق هدفه إلى حد ما، على الأقل في الساحة القطرية، فإلى جانب الخطاب الحاد والرد العسكري الدفاعي المحدود – إسقاط طائرتين إيرانيتين اخترقتا المجال الجوي القطري واعتقال عناصر من الحرس الثوري على أراضيها – يبدو أن الدوحة تسعى جاهدةً لإنهاء الصراع. وكما هو معتاد في قطر، ورغم انتقاداتها لإيران، لم تقطع البلاد علاقاتها معها، وهو ما شكّل محوراً أساسياً في تغطية قناة الجزيرة. فإلى جانب الخطاب الحادّ لكبار المسؤولين القطريين، تستمر الجزيرة في العمل بين الحين والآخر كقناة دعائية للنظام الإيراني، مُركّزةً على معاناة المدنيين في إيران نتيجة الهجمات الأمريكية والإسرائيلية من جهة، ومُخففةً من حدّة العدوان الإيراني من جهة أخرى. وهذا دليل على أن الغضب القطري تجاه إيران سطحيٌّ إلى حدّ كبير، يهدف إلى الحفاظ على علاقات مع دول الخليج وواشنطن، ولا يعكس بالضرورة رغبةً حقيقيةً في الانفصال. ويمكن إيجاد دليل آخر على ذلك في الرواية التي تروج لها حالياً وسائل الإعلام القطرية والباحثون المرتبطون بقطر، مثل عزمي بشارة، والتي تزعم أن الحرس الثوري الإيراني يتصرف بشكل مستقل في الأحداث الجارية ودون توجيه من نظام آيات الله. وتهدف هذه الرواية إلى إضفاء الشرعية على استمرار العلاقات مع النظام الإيراني، إن بقي قائماً.

حتى لو قررت دول خليجية أخرى التكاتف والقيام بعمل عسكري ضد إيران (مع أن هذا الاحتمال يبدو مستبعدًا في الوقت الراهن)، فمن المرجح أن يكون تدخل قطر رمزيًا فقط، مع الحفاظ على “لعبة مزدوجة” على غرار التقاليد القطرية – بيانات دعم من جهة، والحفاظ على علاقات مع الطرف الآخر للتحوط من المخاطر في حال نجاة النظام الإيراني من الأزمة. ويعتمد استمرار السياسة القطرية، من بين أمور أخرى، على تحركات إيران المستقبلية، فإذا اتخذت خطوة أكثر صرامة تجاه قطر، كالمساس بقيادتها، فقد تُعتبر هذه الخطوة خطًا أحمر يدفع قطر إلى تدخل أكثر فاعلية ضد إيران.

وفي هذا السياق، ينبغي دراسة ديناميكية أخرى لقطر تجاه إيران، وهي موقف السلطات في الدوحة من وجود حماس. فقد أشار تقرير إسرائيلي إلى أن قطر، احتجاجًا على عدم إدانة حماس لأفعال إيران، أعلنت للإدارة الأمريكية أنها ستطرد قيادة الحركة من أراضيها. لم تُعلّق قطر رسميًا على التقارير، لكن باحثين مُقرّبين منها نفوا ذلك، معتبرين إياه محاولة إسرائيلية لنشر معلومات مُضلّلة. وطالما لم يتم التحقق من صحة التقرير، تجدر الإشارة إلى أن قطر بارعة في تسريب وعودها إلى وسائل الإعلام في جلسات مغلقة، لا سيما فيما يتعلق بحماس، مثل وعدها في أوائل تشرين الثاني 2024. علاوة على ذلك، إذا ما تمّ الطرد بالفعل، فمن المُفترض أن يستمر الدعم المالي لحسابات أعضاء حماس حتى عودتهم. ويبدو أن خلفية التقرير تكمن في غضب قطري تجاه بعض أعضاء جماعة الإخوان المسلمين في قطر، من أصول مصرية، والذين انتقدوا علنًا الوجود العسكري الأمريكي في قطر. وكان الهدف من التسريب الإيحاء للأمريكيين بأن قطر تدعم تحركات واشنطن حتى وإن لم تستطع مواجهة إيران بشكل مباشر.

تُعاني قطر من وضع دقيق: فمن جهة، تعتمد بشكل كبير على الحماية الدفاعية الأمريكية (بما في ذلك اعتراض الصواريخ في المطار)، ولذلك تُشارك في البيانات المشتركة مع الولايات المتحدة وتُدين العدوان الإيراني علنًا. ومن جهة أخرى، لا تزال تُطالب بالحوار وتسعى للحفاظ على إمكانية الوساطة، حتى لو كان ذلك على حساب كرامتها الوطنية. إذا استمرت إيران في مهاجمة المواقع المدنية والاستراتيجية القطرية، ورغم اعتمادها على الغاز، ستواجه الدوحة صعوبة في الحفاظ على علاقات طويلة الأمد مع طهران. إن الجمع بين محاولة مهاجمة المطار، والاعتماد على الحماية الدفاعية الأمريكية، والضغوط الخليجية، يُشكل حافزًا أقوى من ذي قبل للنأي بنفسها عن إيران، على الرغم من أن الطريق إلى قطع العلاقات تمامًا لا يزال طويلًا.

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى