منوعات

محمد قاروط أبو رحمه: أثر تدريبات المشاة العسكرية في ترسيخ الجدية والمصداقية

محمد قاروط أبو رحمه 9-2-2026: أثر تدريبات المشاة العسكرية في ترسيخ الجدية والمصداقية

تُعدّ تدريبات المشاة العسكرية من أكثر أنماط التدريب صرامة وتأثيرًا في بناء الجدية والمصداقية، لكونها تعتمد على الإنسان بوصفه الأداة الرئيسة في الميدان، وتضع الجندي في تماس مباشر مع الأرض، والجهد، والضغط، والحرمان، دون وسائط تقنية تخفف العبء أو تحجب الواقع.

ففي تدريب المشاة، لا تُختبر المعرفة النظرية فقط، بل تُختبر القدرة الحقيقية على الاحتمال والانضباط واتخاذ القرار في ظروف قاسية، مثل المسير الطويل، والعمل الميداني المتواصل، والحرمان من الراحة، مما يفرز تلقائيًا الأفراد القادرين على الاستمرار دون ادعاء أو تظاهر بالكفاءة.

وتغرس هذه التدريبات انضباطًا ذاتيًا عالي المستوى، لأن الجندي يتعلم الالتزام الصارم بالتعليمات في بيئة لا تحتمل الخطأ، حيث إن أي تقصير فردي ينعكس مباشرة على سلامة المجموعة. هذا الانضباط العملي، غير القابل للتزييف، يتحول إلى جدية راسخة في الأداء، تتجاوز حدود التدريب إلى السلوك اليومي والمهني.

كما تُنمّي تدريبات المشاة المصداقية من خلال الاختبار العلني للكفاءة؛ فالأداء يتم أمام الزملاء والقادة وفي ظروف مكشوفة، مما يجعل الجندي موضع تقييم حقيقي ومستمر. ولا تُبنى الثقة هنا على الأقوال، بل على القدرة الفعلية على تنفيذ المهام وتحمل المسؤولية تحت الضغط.

وتُسهم الطبيعة الجماعية لتدريب المشاة في ترسيخ روح الاعتماد المتبادل، حيث يتعلّم الجندي أن نجاحه مرهون بقدرة الفريق على الصمود والعمل كوحدة واحدة. وهذا يولّد شعورًا عميقًا بالمسؤولية والانتماء، ويعزّز الجدية في الالتزام، والمصداقية في تمثيل المجموعة والمؤسسة.

وتُعد الصلابة النفسية إحدى أبرز مخرجات تدريب المشاة، إذ يتعرّض المتدرب لإجهاد متواصل يكشف ردود أفعاله الحقيقية، ويُنمّي لديه القدرة على التحكم في القلق، والتكيف مع المتغيرات، واتخاذ القرار في لحظات الإنهاك، وهي صفات لا تتكوّن إلا في بيئات تدريبية ميدانية صارمة.

ولا يقتصر أثر هذه التدريبات على الحياة العسكرية، بل يمتد إلى الحياة المدنية، حيث ينعكس ما اكتسبه الفرد من انضباط، وتحمل للمسؤولية، وجدية في الأداء، على سلوكه المجتمعي والمهني، ويزيد من موثوقيته واعتماده على نفسه.

وعليه، فإن تدريبات المشاة العسكرية لا تُعد مجرد إعداد بدني أو مهاري، بل هي مدرسة قيمية عملية تُنتج أفرادًا يتمتعون بالجدية، والمصداقية، والقدرة على مواجهة التحديات بثبات ومسؤولية.

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى