فورين أفيرز: هل تسير الحرب في إيران على خطى الحرب في أوكرانيا؟
كيف يمكن لأميركا تجنب ما يشبه المأزق الروسي

فورين أفيرز 27-3-2026، جيمس جيفري: هل تسير الحرب في إيران على خطى الحرب في أوكرانيا؟

عندما بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل قصف إيران في أواخر فبراير (شباط) الماضي، يرجح أن الرئيس الأميركي ومستشاريه كانوا يعتقدون أن بوسعهم إضعاف النظام الإيراني وأن الوضع سرعان ما سيستقر، كما حصل إثر العملية العسكرية لإزاحة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في يناير (كانون الثاني) الماضي. وبالنظر إلى الإخفاقات المتكررة في مفاوضات الملف النووي مع طهران، وإلى الرغبة الإسرائيلية في تحييد الترسانة الصاروخية الإيرانية المتنامية، بدا لترمب ومستشاريه أن التحرك الآن أفضل من انتظار مواجهة يرون أنها ستقع حتماً. وكانت واشنطن حشدت قواتها في المنطقة، فيما بدا النظام الإيراني – في مواجهة إسرائيل أكثر جرأة واحتجاجات داخلية متصاعدة – أضعف مما كان عليه منذ عقود. لكن ما جرى لاحقاً بدا أقرب إلى الحرب الروسية في أوكرانيا منه إلى التدخل الأميركي الخاطف في فنزويلا. فالرد الإيراني العنيف أفضى إلى حرب استنزاف واحتمال جمود يشبه ما يحدث في أوكرانيا. وكما هي حال روسيا، لا تملك الولايات المتحدة مساراً واضحاً نحو تحقيق نصر حاسم، وتواجه خطر الانزلاق إلى حرب طويلة الأمد لا مخرج لها.
ولتلافي الأخطاء عينها التي وقعت بها روسيا، يرجح أن تضطر واشنطن إلى القبول بتسوية في إيران. وذاك من الممكن أن يتضمن الموافقة على وقف إطلاق نار مقابل قيود دائمة على عمليات التخصيب النووية الإيرانية، ونقل ما تملكه إيران من يورانيوم عالي التخصيب تدفنه في أصفهان وأمكنة أخرى، وفرض قيود على برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية وعلى مدى تلك الصواريخ. وذاك سيمنح الشرق الأوسط أمناً أكبر، على رغم أنه قد يسمح لإيران في النهاية بإعادة بناء قدراتها لإزعاج جيرانها الخليجيين بما بقي لديها من صواريخ قصيرة المدى وقدرات في الطائرات المسيّرة. وتشير خطة السلام المكونة من 15 نقطة التي طرحها ترمب إلى إدراك واشنطن لحاجة التوصل إلى مخرج من الأزمة. لكن على واشنطن، كي تتجنب المأزق العصيب الذي تواجهه روسيا في أوكرانيا، أن تبقى ملتزمة هذا المسار.
بلد ثوري ذو قضية
مهما كانت هفوات إدارة ترمب في استراتيجيتها المتبعة، إلا أن تاريخ عدوانية إيران المباشرة وغير المباشرة عنى أن الحرب ستقع حتماً في يوم من الأيام، إذ كما شرح هينري كيسنجر عام 2006، على إيران أن تقرر ما إذا كانت تريد أن تكون قضية – أي دولة دينية توجهها الأيديولوجيا ومعاداة الوضع القائم مع طموحات هيمنة إقليمية، أو دولة، تركز بالدرجة الأولى على مصالح اعتيادية كالأمن والتنمية. ونجحت إيران بين عامي 1979 و2023 في توسيع قوتها الإقليمية عبر تقديم نفسها كقضية ودولة في آن، من دون إجبار بقية العالم على التوصل إلى نتيجة نهائية واضحة في هذا الخصوص. كذلك قامت إيران تدريجاً ببناء تحالفات مع نظام بشار الأسد في سوريا ومع الجماعات والميليشيات الشيعية في العراق و”حزب الله” في لبنان و”حماس” في غزة والضفة الغربية والحوثيين في اليمن. وفي إشارة إلى مدى تميز النجاح الإيراني في تلك الاستراتيجية، حذر الملك الأردني عبدالله الثاني عام 2005 من قيام “هلال شيعي” جديد في الشرق الأوسط.
لكن المخاوف الدولية خلال تلك الفترة تركزت على برنامج إيران النووي. وعلى رغم كشف الولايات المتحدة عام 2007 عن معطيات استخباراتية دامغة تظهر عمل إيران على تطوير أسلحة نووية، قامت طهران بلعب أوراقها بطريقة ذكية. فأقنعت إدارة أوباما وقادة أوروبيين أساسيين بأنها في الواقع دولة، أو لديها القدرة على أن تكون كذلك، شرط أن يتعامل الغرب معها على هذا الأساس. حتى إن الرئيس الأميركي باراك أوباما ضمن مقابلة عام 2016 اقترح أن “تتشارك” السعودية المنطقة مع إيران. والنتيجة كانت الاتفاق النووي المبرم عام 2015 الذي اعترف بحق إيران، بعد 15 عاماً، في تخصيب اليورانيوم من دون حدود، مقابل عمليات تفتيش معززة، لكن غير متكاملة، والتزام بعدم السعي أبداً إلى امتلاك أسلحة نووية (هو التزام مضحك في ضوء المعلومات الاستخباراتية).
وأسفر تمدد إيران الإقليمي على حساب سيادة الدول العربية، عبر دعم وكلائها المحليين في نزاعات سوريا واليمن، وبدرجة أقل في العراق ولبنان وغزة بين عامي 2004 و2023، عن نحو مليون قتيل و17 مليون نازح، بيد أن ذلك لم يستدعِ ردوداً مستدامة من قبل الولايات المتحدة وشركائها لتحقيق أكثر من مجرد وساطة لوقف إطلاق نار في سوريا عام 2018. فالقادة الغربيون تمسكوا باعتقادهم الذي يرى أن إيران مشكلة يمكن إدارتها دبلوماسياً – التعامل معها كـ”دولة” لا “قضية” – بدلاً من مواجهتها عسكرياً. كذلك رأوا أن إيران قادرة على الانتصار في سياق أي تصعيد. فطهران لديها قدرة كبيرة على تحمل الألم، كما لديها القوة لتهديد دول الخليج بالمسيّرات والصواريخ، وبإمكانها تعريض تجارة النفط الدولية للخطر من خلال إغلاق مضيق هرمز. وفي هذا السياق بينت هجمات السابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023 على إسرائيل، ولجزء كبير من المجتمع الدولي، أن إيران لا تكبح بالدبلوماسية. فـ”حماس”، وقد تبعها وكلاء آخرون لإيران، ثم إيران نفسها بالنهاية، بدأت بقتال إسرائيل. ونفذ “حزب الله” هجمات صاروخية من لبنان؛ ثم قام الحوثيون بإغلاق البحر الأحمر أمام حركة الشحن؛ كما قامت الميليشيات العراقية المؤيدة لإيران بمهاجمة إسرائيل والجنود الأميركيين المتمركزين في الشرق الأوسط؛ وأطلقت إيران صليتين صاروخيتين ضخمتين على إسرائيل عام 2024. لكن حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) 2025 التي اغتالت فيها الولايات المتحدة وإسرائيل قادة وعلماء نوويين إيرانيين وألحقت أضراراً بمواقع نووية وصاروخية، أظهرت أن بوسع العمل العسكري إضعاف إيران ووكلائها على نحو حاسم. وعلى الأثر افترضت واشنطن أن طهران ستتقبل الهزيمة، بيد أن إيران، بدلاً من ذلك، سعت إلى إعادة ترميم برنامجها النووي ومخزونها من الصواريخ متوسطة المدى. فاستنتجت إسرائيل، وبعدها الولايات المتحدة، أن إيران لا تزال قضية، ولم تصبح دولة بعد، وأن المسألة تتطلب مزيداً من العمليات العسكرية.
من كييف إلى طهران
لقد راهنت الولايات المتحدة وإسرائيل على أن هجوماً سريعاً على رأس النظام الإيراني من شأنه شل النظام المذكور. وهذا في الحقيقة يعكس التكتيكات التي بات ترمب يعتمد عليها، إذ إنه خلال ولايتيه الرئاسيتين استخدم الضربات الصاروخية أو الغارات الجوية للقضاء على قادة محددين أو تدمير مواقع استراتيجية، وتضمن ذلك ما بين عامي 2017 و2018 قصف القوات السورية المرتبطة ببرنامج الأسلحة الكيماوية، واغتيال الجنرال الإيراني قاسم سليماني عام 2020، واعتقال مادورو في كراكاس بداية يناير الماضي. وعلى المنوال ذاته، حين قامت روسيا باجتياح أوكرانيا في فبراير عام 2022، اعتقدت موسكو أيضاً بأن هجوماً سريعاً على كييف وعلى أبرز قادتها سيؤدي إلى انهيار المقاومة. لكنها وجدت نفسها، في النهاية، غارقة في حرب استنزاف.
واليوم، تجد الولايات المتحدة وإسرائيل نفسيهما في وضع مماثل داخل إيران. فتمكنت طهران من مواصلة إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة على إسرائيل ودول الخليج، وعرقلت معظم صادرات النفط والغاز من الخليج العربي، مما خلق، حتى الآن في الأقل، حال جمود تشبه ما تواجهه موسكو في أوكرانيا.
والطريقة العسكرية المعهودة لكسر حالات جمود كهذه تتمثل في عمليات هجومية برية. لكن بعد أربعة أعوام من القتال، لم يعُد لدى روسيا وأوكرانيا ما يكفي من القوى البرية الإضافية للقيام بهجمات حاسمة. وفي حرب إيران يبقى التحرك البري الكبير أقل ترجيحاً حتى، فيما سيستدعي أي تحرك بري كبير من إيران ضربة جوية أميركية مدمّرة. وعلى رغم توافر القوات البرية لدى الولايات المتحدة، فإن هناك معارضة شعبية شديدة للزج بها في القتال إضافة إلى القيود التكتيكية الكبيرة. وعلى خلاف ما كان في حرب الخليج عام 1991 وغزو العراق عام 2003، لا توجد منطقة مجاورة لإيران يمكن للولايات المتحدة حشد قواتها فيها، كما أن مساحة إيران وعدد سكانها هما أكثر من ضعف مساحة وعدد سكان العراق.
إن الصواريخ والمسيّرات، والغارات الجوية – والدفاعات التي تواجه تلك الصواريخ والمسيّرات والطائرات – تمثل أساس العمليات العسكرية في كل من إيران وأوكرانيا. لكن وفق ما تعلمت روسيا في الحرب الأوكرانية، من النادر أن تقوم القوة الجوية وحدها بدور حاسم في النزاع. كذلك فإن طهران لا تستطيع الدفاع المباشر ضد القصف الأميركي – الإسرائيلي، ولا إلحاق الأذى الجسيم بإسرائيل رداً على الهجمات. لذلك تقوم طهران للتعويض عن هذا، بتسيير حملة استنزاف ذات بعدين. فتعمل، من الناحية الأولى، على استنفاد مخزونات الأسلحة عند خصومها مستخدمة المسيّرات والصواريخ لإنهاك أنظمة الدفاع الجوي الموجودة لدى شركاء واشنطن، وبدرجة أقل مخزوناتهم من الصواريخ الدقيقة. وتقوم، من الناحية الثانية، بخوض “حرب ألم” – حرب تشمل صبرها على تحمل الضربات العقابية، وأيضاً قدرتها على إلحاق الأذى بدول الخليج شركاء واشنطن. وفي هذا الإطار، يمتد ذاك الألم ليطاول حلفاء الولايات المتحدة الأوروبيين والآسيويين، إضافة إلى الجمهور الأميركي، بسبب ارتفاع أسعار الوقود والنقص المحتمل في الإمدادات.
وتواجه روسيا والولايات المتحدة، باعتبارهما الطرفين المهاجمين، حقيقة أن الجيوش لا تخوض الحروب وحدها، بل الدول. فما يهم في سياق الحروب يتخطى الأسلحة والتكتيكات المتبعة، إذ بوسع مسائل كالقدرات الإنتاجية والكلف الاقتصادية ومعنويات الجمهور ومزاجه السياسي والمخاوف الدولية الأوسع، أن تحد من الخيارات العسكرية التي يمكن للدولة استخدامها في خضم الحرب. وإن بقاء روسيا في المعركة ضد أوكرانيا، في جزء كبير منه، يعود لقيام الصين بشراء النفط الروسي وتوفيرها لموسكو إمدادات عالية التقنية مثل المكونات الإلكترونية لإنتاج الأسلحة، إضافة إلى الدعم الدبلوماسي. لكن هذا ينمي اعتماد روسيا على بكين، بالتالي يزيد من حاجتها إلى الاستجابة للمخاوف الصينية مثل تجنب إطلاق التهديدات باستخدام الأسلحة النووية. وواشنطن أيضاً من جهتها عليها إيقاف انجراف حلفائها بعيداً – أولئك الحلفاء الذين تضرروا سلفاً من حرب إيران بسبب الارتفاع الكبير في أسعار النفط، إذ لو تجاهلت الولايات المتحدة هذا الأمر فإن الحلفاء المذكورين من المحتمل أن يقرروا حظر القواعد العسكرية الأميركية على أراضيهم أو الانسحاب من أي تعاون عسكري آخر في المنطقة. وتحتاج الولايات المتحدة أيضاً إلى إنهاء الحرب من دون استنزاف مخزونها من الأسلحة أو استنزاف قواتها إلى أجل غير مسمى، حتى تعزز قدرتها على ردع الصين في مضيق تايوان.
حذار الحروب التي لا تنتهي
حروب الاستنزاف يمكن أن تستمر لأعوام، خصوصاً إن كانت الأطراف المشاركة فيها تعدّ النزاع القائم صراعاً وجودياً – كحال إيران وأوكرانيا وإسرائيل – أو صراعاً في غاية الأهمية لدورها الدولي عموماً، كما هي الحال بالنسبة إلى روسيا والولايات المتحدة. وحرب إيران اليوم تتناقص شعبيتها في الكونغرس وأوساط الرأي العام الأميركي وحلفاء الولايات المتحدة. إلا أن إدارة ترمب تبدو مصممة على إثبات صلابتها، وستمارس إسرائيل من جهتها التي تود القتال حتى انهيار النظام الإيراني، الضغوط على الولايات المتحدة لمواصلة المسار.
وعلى رغم اختلاف الغزو الروسي العدواني لجارته أوكرانيا عن هدف واشنطن المتمثل في كبح التهديد التوسعي الإيراني، فإن الدولتين تواجهان صعوبة مماثلة في مواءمة أهدافهما النهائية مع الوسائل المتاحة لتحقيقها. فروسيا تريد تحويل أوكرانيا إلى دولة ضعيفة ومحايدة وخاضعة، فيما تسعى الولايات المتحدة إلى إيران بلا سياسة خارجية أيديولوجية – أي إلى إيران “دولة”، لا قضية مكرسة هدفها إخضاع منطقتي الخليج والمشرق. لكن واشنطن وموسكو لم تشيرا بوضوح إلى الحد الأدنى الذي تحتاجان لتحقيقه كي تصلان إلى أهدافهما المرجوة، مما يولد ضغوطاً للتحرك المتواصل سعياً إلى ما هو أكثر قليلاً. وفي الحالتين يبدو أن الأكثر ترجيحاً هو حرب طويلة الأمد من دون نتائج واضحة. ومن شبه المؤكد هنا أنه سيكون على الولايات المتحدة القبول بنتيجة أقل من أهدافها القصوى. لكن أية خلاصة لهذه الحرب لا بد من أن تقلل من قدرة طهران على تعزيز أجندتها الأيديولوجية. بالتالي يمكن لواشنطن التفاوض على وقف إطلاق نار يتبنى حلاً وسطياً، وإنهاء العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية، ورفع العقوبات الاقتصادية، مقابل تخلي إيران عن كافة عمليات التخصيب تقريباً وغيرها من العناصر المتعلقة بما بقي من برنامجها النووي، إضافة إلى القبول بقيود صارمة على عدد وقدرات الصواريخ التي في حوزتها. ومن شأن القيود الصارمة على عمليات التخصيب تحديداً، أن تستبعد العيوب الأساسية التي عاناها الاتفاق النووي المعقود عام 2015. فتلك العيوب كانت تضمنت موافقة رسمية على عمليات التخصيب الإيرانية، إذ لم توضع القيود إلا على درجة التخصيب وكمياته لمدة 15 عاماً، وأعفيت إيران من المساءلة عن برنامج تسلحها المثبت. أما روسيا، فأظهرت حتى الآن عدم استعدادها لقبول تسوية واقعية في أوكرانيا. لكن، بعد أربع سنوات من القتال وكلفة بشرية واقتصادية ودبلوماسية هائلة، لم تُحرز تقدماً عسكرياً يُذكر، ولم تنجح في كسر إرادة الشعب الأوكراني.
إن التوصل إلى تسوية مع إيران لن ينهي تماماً خطر اندلاع حرب جديدة، وسيتطلب يقظة أميركية مستمرة. ومن المحتمل أن ينتقده بعضهم باعتباره أقل مما يبرر هذا الجهد العسكري الهائل والأخطار المرافقة له. ومع ذلك، فإن خيار التسوية الآن سيسهم أكثر في تحقيق الأهداف الجوهرية المتمثلة في استقرار المنطقة وتعزيز صدقية الولايات المتحدة، مقارنة بخياري تغيير النظام أو السماح لطهران بإعادة بناء أدوات تهديدها الإقليمي. والأهم أنه سيحول دون تحول إيران إلى فخ جيوسياسي للولايات المتحدة، شبيه بما مثلته أوكرانيا بالنسبة لروسيا.
* جيمس جيفري باحث بارز في مقعد فيليب سولوندز بـ”معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى”، موظف دبلوماسي في سبع إدارات أميركية. تولى بين عامي 2018 و2020 مهمتي الممثل الخاص للدور الأميركي في سوريا والمبعوث الخاص في التحالف الدولي لمحاربة تنظيم “داعش”.



