ترجمات أجنبية

فورين أفيرز: حدود القوة الروسية، أسباب عدم ازدهار بوتين في عالم ترمب الفوضوي

فورين أفيرز 5-2-2026، مايكل كيماج هانا نوتي: حدود القوة الروسية، أسباب عدم ازدهار بوتين في عالم ترمب الفوضوي

مايكل كيماج

عشية غزو أوكرانيا في عام 2022، كانت روسيا تتمتع بموقع دولي مقبول. إذ ربطتها شراكة قوية مع الصين، وعلاقات اقتصادية واسعة مع أوروبا، وعلاقة عمل، متوترة لكنها قائمة، مع الولايات المتحدة، فضلاً عن شبكة غير رسمية من الشركاء الذين يمكن التعامل معهم سياسياً واقتصادياً. لم تكن موسكو تهيمن إلا على عدد محدود من الدول (غير بيلاروس)، لكنها في المقابل لم تكن تملك أعداء كُثراً، وكانت قادرة على مدّ نفوذها خارج جوارها المباشر. لم تكن قوة صاعدة أو متراجعة بقدر ما كانت “قوة متحوّلة” تملك القدرة على تغيير تموضعها.

ثم أقدمت روسيا على غزو أوكرانيا. وبفعل ذلك، باتت أوروبا والولايات المتحدة فوراً في موقع الخصومة مع موسكو. وفقد الكرملين معظم نفوذه الدبلوماسي داخل أوروبا، ليجد نفسه أكثر اعتماداً على الصين. في الوقت نفسه، استنزفت الحرب اهتمام روسيا وقدرتها العسكرية إلى حدّ كبير، ما جعل قدرتها على التأثير في ملفات بعيدة جغرافياً أمراً بالغ الصعوبة. ونتيجة لذلك، لم يتمكن الكرملين من فعل الكثير إزاء تراجع نفوذ بعض حلفائه، بمن فيهم بشار الأسد في سوريا ونيكولاس مادورو في فنزويلا. أما الحرب نفسها فلم تجرِ على نحو مُرضٍ. فبعد أربع سنوات من القتال، ما زالت أوكرانيا تسيطر على نحو 80 في المئة من أراضيها.

ومع ذلك، لا تبدو موسكو مستعدة لخفض خسائرها. وما لم يتمكن الرئيس الأميركي دونالد ترمب من إقناع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بوقف القتال، وهو احتمال ضعيف، ستسعى روسيا على الأرجح إلى تشديد قبضتها على أوكرانيا. ليس لأن ميزان القوة يميل بشكل حاسم لمصلحتها، بل لأن بوتين يريد تثبيت خط دفاع استراتيجي في مكان ما. وهو يبدو مستعداً للرد على حدود القوة الروسية عبر الانخراط أعمق في الحرب. وقد تتفاقم الكارثة الإنسانية التي ألحقها بأوكرانيا، بعدما حرمها من التدفئة والكهرباء وسط برد قارس.

على الهامش

وفي عام 2022 بدت محدودية القوة الروسية الصلبة أكثر وضوحاً حتى. إذ على رغم قيام قوى روسية ضخمة باجتياح أوكرانيا من جهات عدة، فإن تلك القوى عجزت عن السيطرة على المدن الأوكرانية الثلاث الكبرى، بينها عاصمة البلاد، وسرعان ما جرى صد القوى الروسية على طول محاور عدة. ومنذ ذلك الحين علق الكرملين في دوامة معمعة طويلة، بعد أن كان معولاً على نصر سريع وساحق.

لطالما بالغ بوتين في تقدير ما يمكن للقوة الصلبة الروسية وحدها أن تحققه. وقد ظهرت هذه المشكلة بوضوح للمرة الأولى في أوكرانيا عام 2014. فبعد الاحتجاجات التي أطاحت بفيكتور يانوكوفيتش – رئيس أوكرانيا بين عامي 2010 و2013 وحليف موسكو – فرّ الأخير من البلاد. كان يمكن لبوتين أن يفتح صفحة تعاون نظيفة مع القيادة الجديدة، لكنه اختار القوة العسكرية، فاجتاح القرم في الجنوب ودونباس في الشرق. صحيح أن روسيا ضمّت القرم وأوجدت كيانين انفصاليين في دونباس، لكنها في المقابل أضعفت، عن غير قصد، المزاج الموالي لها داخل أوكرانيا. وبعد 2014، عمّقت كييف علاقاتها مع واشنطن وأوروبا، وهو ما حاول بوتين تلافيه بشدة.

ومع حلول 2022، باتت حدود القوة الروسية أكثر وضوحاً. فعلى رغم دخول قوات روسية كبيرة أوكرانيا من محاور عدة، عجزت عن السيطرة على أكبر ثلاث مدن في البلاد، بما فيها العاصمة، وسرعان ما تراجعت على جبهات متعددة. وبدلاً من النصر السريع والكامل الذي راهن عليه الكرملين، وجد نفسه عالقاً في حرب طويلة ومرهقة.

كما أجبر صمود أوكرانيا الناجح روسيا على تعديل سياستها الخارجية. فلتجاوز قيود التصدير، لجأت موسكو إلى استيراد السلع المحظورة عبر وسطاء في آسيا الوسطى والقوقاز الجنوبي. وبدأت في بيع كميات أكبر من النفط للهند، غالباً بأسعار مخفّضة بشكل حاد. كذلك عملت روسيا على التحايل على العقوبات الأميركية والأوروبية المفروضة على قطاع الطاقة، فأنشأت ما يُعرَف بـ”أسطول الظل”، وهو مجموعة من الناقلات القديمة التي تعتمد عادة على تأمينات وهمية وشبكات تجارية غامضة لإخفاء المالكين الحقيقيين. وغدت الصين المصدر الأول للسلع الصناعية إلى روسيا، وأكبر مشترٍ لمواردها من الوقود الأحفوري.

كان تعميق موسكو علاقاتها مع بكين قراراً عملياً بقدر ما كان استراتيجياً. فقد كان الكرملين يأمل في قيادة ما يُسمّى بـ”الجنوب العالمي” بالتنسيق مع الصين، وتسريع تراجع النفوذ الغربي. وبالمقارنة مع القوة الاقتصادية الهائلة التي تستخدمها بكين لكسب النفوذ في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، تراهن روسيا على خبرتها في تقويض خصومها وعلى السمعة الإيجابية التي ما زال الاتحاد السوفياتي السابق يحتفظ بها في أجزاء من العالم ما بعد الاستعمار.

وبعد سنوات من الموازنة الدقيقة بين طهران وتل أبيب في الشرق الأوسط، بدأت موسكو منذ عام 2022 تميل بصورة واضحة نحو إيران وشركائها المناهضين للغرب. فقد عزّزت تعاونها الدفاعي مع الجمهورية الإسلامية على رغم اعتراضات إسرائيل. وفي مناسبات عدة عام 2024، استقبل بوتين في موسكو وفوداً من حركة “حماس” وجماعة الحوثيين استقبالاً رسمياً لافتاً. لم تنهَر علاقة روسيا مع إسرائيل بالكامل، إذ واصل الجانبان تنسيق أنشطتهما العسكرية لتجنّب الصدام داخل سوريا، لكن العلاقات تضرّرت بدرجة كبيرة.

هذه التحولات بالنسبة للكرملين أخفت في الحقيقة واقعاً أشد سلبية وأكثر ديمومة. فقدت روسيا قسطاً كبيراً من قدرتها على حماية شركائها ومصالحها خارج الساحة الأوكرانية. ففي عام 2023، وقف عناصر حفظ السلام الروس موقف المتفرّج بينما سيطرت أذربيجان على جيب ناغورنو-قره باغ المتنازع عليه وانتزعته من أرمينيا، الحليف التقليدي لروسيا. كذلك وفيما كانت إسرائيل تقاتل وتضعف الميليشيات المدعومة من إيران، كـ”حزب الله” في لبنان والحوثيين في اليمن، وتحارب إيران نفسها، وقفت روسيا على الهامش تراقب ما يحصل. ومرة أخرى أيضاً في ديسمبر (كانون الأول) 2024، اتخذت روسيا دور المتفرج حين أطاح متمردون محليون بنظام الأسد في سوريا، وهو نظام قاتلت موسكو طوال أعوام للحفاظ عليه وإبقائه في السلطة.

صدمة ترمب أم دفعة ترمب؟

في عام 2024، احتفل الكرملين بإعادة انتخاب ترمب. ومع بداية ولايته الثانية، توقّع كثيرون أن ازدراءه للقانون الدولي، وتبنّيه الواضح لفكرة مناطق النفوذ، وتعاطفه مع ما تسميه روسيا “القيم التقليدية” (مثل معاداة حقوق مجتمع الميم)، كلّها عوامل ستصُبّ في مصلحة موسكو. لكنّ ذلك لم يتحقق. فبعد أن تبنّت الولايات المتحدة نهجاً تعديلياً في سياستها الخارجية، باتت محدودية قدرة روسيا على استخدام قوتها خارج أوكرانيا أكثر وضوحاً. وفي صيف 2025، شاركت الولايات المتحدة إسرائيل في حملة جوية كبّدت إيران خسائر كبيرة في بنيتها التحتية العسكرية والنووية. وفي يناير (كانون الثاني)، نجح ترمب في إزاحة نيكولاس مادورو من السلطة عبر عملية عسكرية خاطفة ومرنة ليلاً، لا يقدر عليها بوتين إلا في الأحلام. وعلى رغم تذمّره المتكرر من كييف، لم يتخلّ الرئيس الأميركي عن أوكرانيا، وإن كان أقلّ سخاءً بالمساعدات مقارنة بالرئيس السابق جو بايدن.

كذلك بادر ترمب مراراً إلى التسلل نحو الفناء الخلفي لروسيا. فقد أغدق اهتمامه على قادة آسيا الوسطى، ونصّب نفسه وسيطاً أول بين أرمينيا وأذربيجان. وفي يناير، أعلنت الولايات المتحدة وأرمينيا إطار تنفيذ “مسار ترمب للسلام والازدهار الدولي”، وهو ممرّ تجاري في جنوب القوقاز. ودعا ترمب روسيا للانضمام إلى “مجلس السلام”، وهو هيئة جديدة لتسوية النزاعات، من دون منحها أي وضعية خاصة. وهو يتوقع من بوتين أن يخضع لدوره القيادي.

بوتين ليس في وارد تقديم التنازلات

مع ذلك، لم تخرج روسيا تماماً من المشهد الإقليمي أو الدولي. فما زالت تحتفظ بنفوذها في الشرق الأوسط، ورفعت مستوى حضورها في غرب أفريقيا عبر نشر “فيلق أفريقيا”، وهو تشكيل شبه عسكري يعمل لمصلحة المجالس العسكرية الحاكمة في منطقة الساحل. ولا تعتمد موسكو على دعم إيران أو فنزويلا لمواصلة حربها في أوكرانيا. وتبقى الصين وكوريا الشمالية شريكتين ملتزمتين، فيما تواصل وسائل الإعلام الروسية الاحتفاء بتقويض ترمب للتحالف عبر الأطلسي، وآخره تهديداته المتعلقة بغرينلاند.

لكن موسكو لم تجنِ أي مكاسب من التوترات بين واشنطن والعواصم الأوروبية. فأوروبا تزيد بدورها دعمها لأوكرانيا، ولا يزال “الناتو” مؤسسة فاعلة لا يمكن لروسيا تجاوزها. ولا يستطيع بوتين الافتراض أن مغامرات ترمب الخارجية ستظل محصورة في نصف الكرة الغربي والشرق الأوسط، فقد تمتد بسهولة وبشكل مفاجئ إلى جوار روسيا المباشر. كان عام 2025 عاماً سيئاً على روسيا، وقد يكون عام 2026 أسوأ. فموقع موسكو الدولي يتراجع بفعل سياسات ترمب.

حلم بوتين العسير

وفيما تكافح روسيا اليوم من أجل تأكيد حضورها الدولي، غدا بوتين في السياق أكثر هوساً بأوكرانيا. الوضع في ساحة المعركة يبدو مستقراً ومستداماً بالنسبة لموسكو. فالخطوط الأمامية الروسية صامدة وقوات الجيش الروسي تحرز تقدماً تدريجياً على الأرض. لكن موسكو تبقى بعيدة كل البعد من الانتصار. فمحادثات السلام على رغم فورة الدبلوماسية المتعلقة بأوكرانيا، لم تصل إلى أي مكان. وما زال موقف ترمب بشأن هذه الحرب في حالة تأرجح. وفي الوقت نفسه، تزداد قناعة أوروبا بفاعلية دورها، وهي لن تقبل بأي خطة سلام تُعدّ بمثابة “استسلام أوكراني”. وبدعم أوروبي متنامٍ، سترفض كييف الاستجابة لأي تنازلات استباقية لمصلحة موسكو.

وعلى رغم بؤس الحرب بالنسبة لروسيا، فإن بوتين ليس في مزاج يسمح بتقديم تنازلات. فقد أعاد توجيه الاقتصاد، وأعاد تشكيل علاقاته الدولية بما يخدم حرباً تجاوزت مدتها الآن الحملة السوفياتية ضد ألمانيا النازية. وإدراكاً منه بأن مآلات الحرب ستشكّل الاستفتاء الحاسم على إرثه الرئاسي، قد يفكّر في التصعيد، وربما يتجاوز حدود أوكرانيا. ففي يناير، وبعد تقارير عن إحراز الدول الأوروبية تقدّماً نحو التوافق على ضمانات أمنية لكييف، أطلقت روسيا صاروخاً باليستياً تجاه أوكرانيا قادر على حمل رؤوس نووية ويتجاوز مداه الحدود المسموحة ضمن “معاهدة القوات النووية المتوسطة” التي انسحبت منها الولايات المتحدة عام 2019. وقد سقط الصاروخ على بُعد نحو 60 كلم فقط من الحدود البولندية.

والحرب اليوم في الحقيقة قد تدخل مرحلة أكثر خطورة. فالدول الأوروبية، وربما من وحي مصادرة ترمب لناقلات النفط التابعة لروسيا في البحر الكاريبي وشمال المحيط الأطلسي، تقوم ببذل جهود أكبر للتضييق على أسطول الظل الروسي، المعرض سلفاً لهجمات المسيرات الأوكرانية. ومن جهتها قد تقدم روسيا على التصعيد من خلال مهاجمة طرق الإمداد الأوكرانية في أوروبا الشرقية أو عبر مهاجمة الأقمار الاصطناعية التابعة للولايات المتحدة التي توفر لكييف معلومات الاستهداف. وربما يمارس بوتين مزيداً من الضغط لتحويل حياة أوكرانيا إلى جحيم – ولفرض أعباء مالية كبيرة على حلفائها وتهديد أوروبا بموجات جديدة من اللاجئين – حتى لو لم يتمكن من تحقيق النصر.

وعلى رغم أنه من الحكمة ربما أن تعمل الولايات المتحدة وأوروبا على إعادة تأسيس مسار منسق للتعامل مع الحرب، فإن التوترات بين ضفتي الأطلسي ستعيق تلك الجهود على الأرجح. لذا على أوروبا العمل على تكثيف دعمها لكييف تزامناً مع الاستعداد لمواجهة التصعيد الروسي في أوكرانيا والمناطق المحيطة بها. والأمر الأكثر أهمية هنا هو ألا يتسرع قادة أميركا وأوروبا لإجراء أي محادثات تهدف لإنهاء النزاع. بل عليهم أن يأخذوا في الاعتبار القوة التي تتمتع بها بلدانهم. فروسيا ليست بلداً لا يقهر، كما أنها لا تحقق تقدماً. بل هي مجرد بلد من البلدان العديدة التي تضررت بفعل النظام العالمي الفوضوي الذي أطلقه ترمب في ولايته الرئاسية الثانية.

مايكل كيماج مدير معهد كينان ومؤلف كتاب “تصادمات: جذور الحرب في أوكرانيا وانعدام الاستقرار العالمي الجديد” Collisions: The Origins of the War in Ukraine and the New Global Instability.

هانا نوتي هي مديرة “برنامج أوراسيا لمنع الانتشار النووي” في مركز جايمس مارتن لدراسات منع الانتشار النووي، وباحثة بارزة غير مقيمة ضمن برنامج أوروبا، روسيا، وأوراسيا في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية.

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى