فورين أفيرز: إيران وحدود القوة الأميركية، ما الذي يمكن أن تحققه ضربة عسكرية توجهها واشنطن؟

فورين أفيرز 15-1-2026، أندرو ميلر: إيران وحدود القوة الأميركية، ما الذي يمكن أن تحققه ضربة عسكرية توجهها واشنطن؟

بعد مرور أكثر من أسبوعين على الاحتجاجات الواسعة النطاق ضد النظام الديني في إيران، يتزايد عدد القتلى والمعتقلين باطراد. وتقدر منظمات حقوق الإنسان الإيرانية عدد القتلى بـ2500، في حين تشير مصادر أخرى إلى أنه قد يتجاوز 10 آلاف. وغني عن القول إن الشعب الإيراني أظهر شجاعة لافتة في تحدي حكومة مستبدة لا تزال تتمتع بسلطة قمعية هائلة. وفي الوقت ذاته، يجد الرئيس الأميركي دونالد ترمب نفسه معنياً بنتائج ما يجري، بعدما شجع المحتجين مراراً عبر التلويح بتدخل عسكري لحماية المتظاهرين.
غير أن هناك علامات استفهام كبيرة تكتنف النجاعة المحتملة للتدخل العسكري الأميركي في حماية المتظاهرين. ومن المؤسف أن أحد الأحكام القليلة التي يمكن الجزم بها هو أن التدخل العسكري الأجنبي لن يفضي على الأرجح إلى إرساء أية صورة من صور الديمقراطية، ناهيك بإرساء ديمقراطية مواتية لمصالح القوة المتدخلة. وإذا كان هدف الولايات المتحدة، مثلما ينبغي أن يكون، هو دعم الشعب الإيراني في انتقاله إلى الحكم الديمقراطي، فإن النجاح قد يتوقف على ما يقرر ترمب عدم القيام به. فالولايات المتحدة تستطيع، بل يفترض بها، أن تقدم المساعدة، لكن طريقة تقديمها هي التي ستحدد ما إذا كان تأثيرها مفيداً للإيرانيين أو مضراً بهم، إذ يبقى مصير إيران في نهاية المطاف بيد شعبها.
الضغط على الزناد
مع تزايد عنف النظام ضد المتظاهرين الإيرانيين، توجهت أنظار الإيرانيين والمراقبين الدوليين إلى البيت الأبيض بحثاً عن أي مؤشر إلى أن ترمب سينفذ تهديداته بالتدخل. وقد انتقد ترمب النظام بشدة خلال اليوم التالي لبدء الاحتجاجات في “البازار الكبير” داخل طهران خلال الـ28 ديسمبر (كانون الأول) 2025، التي اندلعت بخصوص قضايا اقتصادية في المقام الأول. وسرعان ما اتسعت التظاهرات واتخذت طابعاً سياسياً، مما دفع ترمب إلى الإعلان خلال الثاني من يناير (كانون الثاني) الجاري أن الولايات المتحدة “مستعدة للتحرك”. وفي وقت لاحق، قلل من أهمية وفاة إيرانيين خلال الثامن من يناير الجاري باعتبارها نتيجة “ثلاث حالات تدافع”، ملمحاً إلى أنه لن “يحمل أحداً المسؤولية عن ذلك”. غير أنه منذ ذلك الحين، التزم إلى حد كبير بنبرة أكثر تشدداً، مؤكداً أن إدارته تدرس الخيارات العسكرية، ومعلناً خلال التاسع من يناير الجاري أن النظام الإيراني قد تجاوز الخط الأحمر، وخلال الـ13 من يناير الجاري أن “المساعدة في طريقها”.
3 سيناريوهات لمستقبل الحكم في إيران وتداعياته على الخليج
ومن الممكن أن ترمب يمهد لضربة عسكرية، أو أنه لم يحسم قراره بعد، أو ربما يتعمد إثارة الالتباس. وحتى لو كان تفكيره يندرج في إحدى هاتين النقطتين، فإن الرئيس يمكنه دائماً تغيير رأيه. ومع ذلك، يبدو واضحاً أن ترمب أصبح أخيراً أكثر استعداداً للمجازفة عسكرياً، مما يزيد من احتمال تدخل عسكري أميركي. ولم يكن ترمب أبداً انعزالياً حقيقياً، فهو يعد أن عملياته العسكرية في ولايته الثانية كانت ناجحة، وبلغت ذروتها في عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، التي كانت مبهرة من الناحية التكتيكية، وإن كانت محيرة من الناحية الاستراتيجية. فالقصص الإخبارية المثيرة، واستخدام القوة العارية، والحد الأدنى من الخسائر البشرية، كلها عوامل تجذب ترمب، ويمكن أن توفر الضربة على إيران هذه العوامل الثلاثة. وبما أن هدف هذه العمليات لن يكون بالضرورة المنشآت النووية التي يزعم أنه “دمرها” خلال يونيو (حزيران) 2025، يمكن لترمب أن يوجه استئناف النشاط العسكري الأميركي في إيران من دون المخاطرة غير الضرورية أو تقويض روايته عن النجاح.
وثمة عامل آخر وراء قرار ترمب، وهو تصوره بخصوص من الذي يحتمل أن يفوز في نهاية المطاف، الحكومة أو المتظاهرين. فالرئيس يكره أن يربط نفسه بقضية خاسرة (وسبق أن شتم الجنود الأميركيين الذين سقطوا في الحرب بوصفهم “أغبياء”). وإذا بدا له أن النظام على وشك قمع الاحتجاجات، فمن المرجح أن ينأى بنفسه عن قضية الشعب الإيراني، بدلاً من التدخل لمنع وقوع مذبحة. ومن ناحية أخرى، قد يكون ترمب حريصاً على توجيه الضربة القاضية لنظام بدأ بالفعل في الانهيار. ويعزى رفض الرئيس مقابلة ولي العهد الإيراني السابق رضا بهلوي في مارالاغو إلى تصور البيت الأبيض بأنه لا يمتلك الشجاعة لقيادة إيران حتى لو سقط النظام.
الخيارات المتاحة
من المؤسف أن الولايات المتحدة لم تستطع حماية المتظاهرين الإيرانيين مباشرة من الجو، إذ لا تستطيع الطائرات الأميركية إنزال درع واق فوق التظاهرات، أو الإبقاء على مراقبة مستمرة لتحييد المعتدين من النظام الذين يقتربون من المتظاهرين. ومن الناحية النظرية، فإن نشر جنود أميركيين على الأرض، وهو ما استبعده ترمب، يمكن أن يوفر حماية أفضل، ولكن نظراً إلى قرب المتظاهرين وعناصر النظام من بعضهم بعضاً، من المحتمل وقوع حوادث “نيران صديقة”. وعلى عكس ما كانت عليه الحال في ليبيا خلال عام 2011، إذ وفرت منطقة “حظر الطيران” الحماية لبعض الليبيين، لا يمكن لإدارة ترمب حماية الإيرانيين سوى بوسائل غير مباشرة.
وفي إطار المعايير العامة التي وضعها ترمب، يمكن تصنيف الخيارات المتاحة للولايات المتحدة إلى فئتين: تلك التي تهدف إلى ردع أي تصعيد إيراني إضافي ضد المتظاهرين والولايات المتحدة، وتلك التي تهدف إلى تعطيل قدرة قوات الأمن الإيرانية على مهاجمة المتظاهرين. وعلى رغم أن بعض الخيارات يخدم الغرضين معاً، فإن معظمها يميل إلى فئة أكثر من الأخرى. فعلى سبيل المثال، تندرج الضربات ضد مواقع تصنيع وتخزين الصواريخ الباليستية أو كبار المسؤولين في إيران ضمن فئة الردع. ومن شأن زيادة إضعاف الصواريخ الباليستية الإيرانية أن يقوض قدرة إيران على الرد أو شن أعمال عدائية ضد خصومها الخارجيين، مما يجعلها عرضة للخطر، لكنه لن يكون له تأثير مباشر يذكر على قدرات النظام القمعية. أما ما يعرف بعمليات “استهداف الشخصيات”، فيمكن أن يعرقل بصورة موقتة أداء النظام من الداخل، لكن أثرها الأساس يبقى رادعاً، لأن قادة آخرين سيجدون أنفسهم مضطرين للتفكير في عواقب دعمهم لمزيد من العنف ضد المحتجين.
من ناحية أخرى، فإن تعطيل أنشطة النظام يستلزم شن هجمات على البنية التحتية للاتصالات، ومصنعي المعدات المستخدمة في قمع الاحتجاجات، ومرافق القيادة والسيطرة، وقواعد الأمن الداخلي الرئيسة. ويمكن ضرب بعض هذه الأهداف عبر وسائل سيبرانية، في حين تتطلب أهداف أخرى اتخاذ إجراءات تقليدية. والغرض الأساس من عمليات كهذه هو إحداث أضرار ملموسة، أي إبطاء وتيرة ردود النظام المتماسكة على الاحتجاجات، أو منعها في أفضل الأحوال، بالتالي إتاحة بعض المساحة للمتظاهرين للتحرك. وإذا أصبح من الصعب على النظام التواصل والتنظيم وتركيز قواته، فسيصبح أقل قدرة على قمع المعارضة الداخلية. وكما هي الحال في فئة الردع، يمكن أن يرتبط استهداف الشخصيات بعمليات التعطيل، ولكن منذ مقتل قاسم سليماني، قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني عام 2020، لم يعد هناك أي زعيم إيراني بعينه له أهمية خاصة للنظام. ومن شأن مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي أو شل حركته أن يتسبب في أطول فترة من الاختلال، لكن الحرس الثوري والهيئات الأمنية الأخرى متماسكة ومخلصة للنظام بدرجة كافية تجعل من المتوقع أن تستأنف عملياتها بسرعة.
وإذا اختار ترمب التدخل، فمن المرجح أن يأذن بضربة واحدة أو سلسلة قصيرة من الضربات، مع الامتناع عن نشر قوات برية (ستكون عملية مطرقة منتصف الليل خلال حرب يونيو نموذجاً منطقياً لشن ضربات على المنشآت النووية أو غيرها من البنى التحتية الرئيسة). ولكن سيكون لديه مجموعة متنوعة من العمليات ضمن تلك المعايير العامة، من نواحي وسائل الهجوم (الاختراقات الإلكترونية، والصواريخ التي تطلق من السفن، والصواريخ التي تطلق من الطائرات من بعد وبصورة مباشرة)، والأهداف، والغايات. ويتمتع الجيش الأميركي بقدرة كبيرة على تنفيذ عمليات خاصة على الأراضي الإيرانية، مشابهة، إن لم تكن مطابقة، لتلك التي نفذت لاعتقال مادورو في كاراكاس، إلا أن خطر الفشل الذي قد يصل إلى مستوى محاولة الرئيس جيمي كارتر لاستعادة الرهائن عام 1980 قد يكون كبيراً للغاية وربما بما يكفي لثني ترمب عن هذا المسار. والسؤال الذي يبقى بلا إجابة هو الدور الذي قد تلعبه إسرائيل، إن لعبت أي دور، في دعم المهمة الأميركية. ومن المرجح أن تشعر إيران بأنها مضطرة للرد على أي من هذه الخيارات، ولكن من المتوقع أن يوازن النظام رده ما لم ير في الضربات تهديداً وجودياً.
اللعبة الطويلة
القاسم المشترك بين كل هذه الخيارات هو أنها لن توفر للمتظاهرين أكثر من حماية موقتة، إذ يمكن أن يؤدي تعطيل القيادة والسيطرة والقضاء على القادة الرئيسين إلى إحداث ارتباك موقت، ولكن ما لم يتزامن هذا الاضطراب مع تحرك منسق من جانب المعارضة للتقدم نحو أهم المؤسسات العامة، فلن يكون له تأثير استراتيجي. وبالمثل، يمكن أن تؤدي الضربات الأميركية الهادفة إلى الردع إلى تقييد النظام الإيراني على المدى القصير تجاه المتظاهرين. ومع ذلك، إذا اعتبر النظام أن التظاهرات على وشك إطاحة الجمهورية الإسلامية، فلن يكون حتى التهديد بالتدخل الأميركي كافياً لتهدئة القمع الذي يمارسه هذا النظام الوحشي. ومن المرجح أن تكون غريزة البقاء هذه أقوى من الاعتبارات الأخرى، كمسألة ما إذا كان التدخل الأميركي سيشجع المتظاهرين أو يوحد فئات أخرى من الشعب خلف النظام.
وفي نهاية المطاف، فإن نجاح الضربات العسكرية أو فشلها يعتمد على تأثيرها في إيران وتطلعات المتظاهرين. وعلى رغم أنه من المستحيل تعميم دافع واحد وراء التظاهرات، فإن الدعوات الواسعة النطاق التي تصدح بشعار “حرية، حرية، حرية” تشير إلى أن الديمقراطية في مقدمة مطالب الإيرانيين، كما أن سجل التدخلات الأجنبية لتعزيز الديمقراطية مخيب للآمال، في أقل تقدير. فمقابل أمثلة ناجحة مثل ألمانيا واليابان، يزخر السجل التاريخي بعدد من الأمثلة الفاشلة. والأهم من ذلك، أن هذا ليس انحرافاً إحصائياً أو شذوذاً، بل يعد سبباً ونتيجة مباشرين.
ومهما كانت نيات الدولة المتدخلة، فإن تدخل قوة أجنبية يشوه السياسة في البلد الذي تدخله. وعوضاً عن السعي إلى بناء توافق بين مواطنيهم وتطوير حلول سياسية دائمة، يلجأ القادة المحليون إلى القوة الأجنبية للحصول على الحماية والموارد. وهذا التحويل للانتباه والسلطة النهائية إلى الخارج يعوق مسار ترسيخ الديمقراطية. وبمعنى آخر، يمكن للقوى الأجنبية أن تقلب الأنظمة، وحتى إن تشرف على إقامة حكومات ديمقراطية، ولكنها بذلك تضمن فشلها على المدى الطويل. وتكون الأخطار شديدة خصوصاً عندما يتدخل الجيش.
وبوجود ترمب على رأس السلطة في البيت الأبيض، هناك مزيد من الأسباب التي تدفع إلى الشك في أن التدخل سيكون بهدف دعم الديمقراطية. وما علينا سوى أن ننظر إلى فنزويلا، إذ استغرق الأمر بترمب ساعات قليلة بعد الإطاحة بمادورو ليتخلى عن زعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو. وفي الواقع، من الأصح وصف التدخل الأميركي بأنه تغيير شكلي للنظام، بوضع نائبة الرئيس مادورو غير المنتخبة على رأس السلطة، بدلاً من تغيير النظام.
وفي المجمل، فإن الفوائد المحتملة الموقتة للضربات الجوية (أو حتى مهمة العمليات الخاصة) لا تكفي لتجشم الأخطار التي قد تترتب على تصعيد إيران ضد كل من الولايات المتحدة والمتظاهرين، أو تسريع الحاجة إلى تدخل عسكري مستمر. وحتى إذا نجح الجيش الأميركي في حماية المتظاهرين وترجيح كفة الميزان لمصلحة المعارضة، فمن المرجح أن يكون ذلك انتصاراً باهظ الثمن يجعل التحرير الحقيقي للشعب الإيراني شبه مستحيل. ومن ناحية أخرى، قد يكون من المفيد تجربة زيادة حدة الهجمات الإلكترونية، لأنها لن تثير على الأرجح رداً عسكرياً إيرانياً أو تؤدي إلى عواقب غير مقصودة تضر بالتحركات الداخلية الإيرانية.
توازن دقيق
للولايات المتحدة مصلحة مباشرة في مآلات الاحتجاجات الجارية في إيران، كما أن مواقفها السابقة – سواء اتسمت بالفعل أو الامتناع عنه – تعد جزءاً من تفسير الأزمة الوجودية التي يواجهها النظام اليوم. وخلال المرحلة المقبلة، ينبغي لواشنطن ألا تسعى لفرض مسار الأحداث في إيران ولا الادعاء بأنها مجرد متفرج محايد. فإذا كانت إدارة ترمب جادة في مساعدة الإيرانيين، فعليها أن توازن بين حدود النفوذ الأميركي وحتمية دعم شعب يواجه أوقاتاً عصيبة، في لحظة ستكون لها انعكاسات مهمة على الأمنين الإقليمي والدولي.
وبادئ ذي بدء، يتعين على ترمب أن يكف عن التهديد بالتدخل العسكري الأميركي في إيران أو التلويح بذلك، ما لم يكن ينوي التدخل فعلاً. فقد شجعت تصريحاته السابقة بعض المتظاهرين على الخروج إلى الشوارع وتعريض أنفسهم لأخطار قد تودي بحيواتهم. وأعاد المتظاهرون تسمية الشوارع باسم ترمب، ووضعوا ملصقات تحمل اسمه، وناشدوه إرسال الجيش الأميركي. لذا، فإن الخداع خلال وقت تتعرض فيه حياة الناس للخطر ليس أمراً غير لائق برئيس فحسب، بل هو أمر غير إنساني.
وخلال الوقت نفسه، يجب على إدارة ترمب أن تبذل كل ما في وسعها لإغراق إيران بمحطات “ستارلينك” المجانية لتجاوز حجب الإنترنت في البلاد. وعلى رغم أن رائد الأعمال التكنولوجي إيلون ماسك جعل خدمات “ستارلينك” مجانية، فإن ذلك لا قيمة له ما لم يتمكن مزيد من الإيرانيين من الوصول إلى هذه المعدات. فقد تمكن النظام من تعطيل خدمات “ستارلينك” باستخدام أجهزة تحديد المواقع الجغرافية (GPS) وغيرها من أجهزة التشويش، التي ربما حصل عليها من حلفائه في الخارج. لكن ماسك مشهور (أو له سمعة سيئة) بدفع موظفيه إلى تحقيق إنجازات تبدو مستحيلة، وهذه مناسبة يمكن أن يكون فيها مثل هذا الجهد قوة للخير. وعلى عكس التدخل العسكري المباشر، فإن توفير معدات الاتصالات والمعلومات سيمنح الإيرانيين القدرة على إقامة صلات في ما بينهم بطريقة أكثر عضوية.
وينبغي للحكومة الأميركية أن تشجع حلفاءها على إنشاء محكمة دولية لها سلطة التحقيق والمحاكمة في انتهاكات القانون الدولي والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وغيرها من الانتهاكات الصارخة التي ترتكبها الحكومة الإيرانية. ويجب أن يخول هذا الكيان الجديد التحقيق مع أفراد الأمن الإيرانيين من الرتب الدنيا، الذين من المرجح أن تتأثر قراراتهم وأفعالهم أكثر من كبار مسؤولي النظام المنخرطين بالفعل في انتهاكات جسيمة. وإذا كان على الضباط الإيرانيين وأفراد الأمن والشرطة العاديين التفكير في مصيرهم الشخصي داخل إيران ما بعد “الجمهورية الإسلامية”، فمن المحتمل أن يفكروا ملياً قبل إصدار الأوامر القمعية أو تنفيذها. فمثل هذه الانقسامات في المؤسسة الأمنية هي بالضبط ما يمكن أن يغير ميزان القوى على الأرض. ونظراً إلى الجهود التي بذلتها الولايات المتحدة خلال الأعوام الأخيرة لحماية مسؤوليها ومسؤولي حلفائها من العدالة الدولية، لن تتمتع أية إدارة أميركية بالصدقية اللازمة لقيادة مثل هذه المبادرة. ولحسن الحظ، فإن بعض حلفاء الولايات المتحدة في وضع أفضل.
ويجدر بترمب أيضاً الامتناع عن السعي إلى التفاوض على اتفاق جديد للحد من الأسلحة النووية إذا كان الثمن هو رفع العقوبات. فعلى رغم أن النظام يحاول بوضوح صرف الانتباه عن الاحتجاجات بعرضه التفاوض، فإنه من غير المرجح أن توافق طهران على اتفاق جديد مفيد طالما خامنئي موجود في السلطة. وحتى لو كان هناك دليل قاطع على أن خامنئي مستعد للتفاوض، فمن غير الحكمة التفاوض مع حكومة مشكوك في استمراريتها. وفي الواقع، هناك خطر من أن يؤدي إبرام اتفاق يقوي النظام إلى انقلاب المعارضة الإيرانية على الولايات المتحدة. وهذا من شأنه أن يجعل التعاون المستقبلي في شأن البرنامج النووي الإيراني صعباً، بغض النظر عمن يحكم البلاد.
ومع ذلك، في حالة عدم التوصل إلى اتفاق كامل، يمكن للإدارة أن تنظر في الامتناع عن التدخل العسكري في إيران مقابل عودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وإذا أطاحت المعارضة النظام، فقد يكون من الصعب تعقب بقايا البرنامج النووي الإيراني. ومن شأن منح الوكالة الدولية بداية مبكرة واستمرارية في مراقبة المنشآت النووية، أن يهيئ أرضية أفضل لاتفاق مستقبلي. وإن كان من المستبعد أن يوافق النظام على هذا الترتيب، إلا أن مقايضة العمل العسكري (بدلاً من رفع العقوبات) بالوصول إلى المنشآت النووية ستكون في مصلحة الولايات المتحدة بصورة واضحة.
دور داعم
الولايات المتحدة قوة عظمى، لكن هذا لا يجعلها قادرة على كل شيء. فهناك عدد من الحالات التي يكون فيها النجاح بعيد المنال، بصرف النظر عن الجهد المبذول. وهناك حالات أخرى قد تملك فيها واشنطن فرصة للنجاح، لكن كلفة التحرك الأحادي، وما ينطوي عليه من أخطار ومن سيدفع ثمن أي خطأ، تجعل التدخل غير مبرر. وينطبق كلا التحذيرين على أية عملية عسكرية أميركية محتملة في إيران، مما يجعل نسبة الأخطار إلى المكاسب مرتفعة إلى حد لا يمكن تحمله. ولا يملك ترمب أي خيار موثوق للدفاع المباشر عن المتظاهرين الإيرانيين، في حين أن الوسائل غير المباشرة لحماية الشعب الإيراني، من خلال الردع أو تعطيل قوات النظام، لن تساعد غالباً في كسب كثير من الوقت. وإن كلف الفشل (انتقام النظام الإيراني من المتظاهرين أو الولايات المتحدة) حقيقية، فيما ستكون كلف النجاح (فشل آخر في الانتقال الديمقراطي بسبب التدخل العسكري) مأسوية.
وفي هذه الحالة، فإن السياسة الناجحة هي تلك التي تمكن الشعب الإيراني من استعادة السيطرة على مستقبله. ولدى الولايات المتحدة دور داعم مهم، وليس دوراً رئيساً، في هذا المسعى.
*أندرو ميلر هو زميل بارز في شؤون الأمن القومي والسياسة الدولية في “مركز التقدم الأميركي”. شغل منصب نائب مساعد وزير الخارجية للشؤون الإسرائيلية – الفلسطينية في إدارة بايدن، وعمل مديراً لقضايا مصر وإسرائيل العسكرية في مجلس الأمن القومي خلال إدارة أوباما.



