فايننشال تايمز: الحرب مع إيران تكشف هشاشة الوضع البحري الأميركي

فايننشال تايمز 23-3-2026: الحرب مع إيران تكشف هشاشة الوضع البحري الأميركي
أبرزت الحرب في إيران مؤخرا نقطة ضعف في التجارة والأمن البحريين. فقد أدى إغلاق مضيق هرمز، إلى جانب الهجمات على الموانئ في دبي والمخاوف من أن يشارك الحوثيون بمزيد من الهجمات في البحر الأحمر، إلى توقف حركة الشحن العالمية في المنطقة، بما في ذلك نقل إمدادات الطاقة الحيوية، تماما. وقد كشف هذا عن حقيقة أن أميركا — ولا العالم — لم يكونوا مستعدين بعد لمواجهة سرعة تأثير الاضطرابات الجيواقتصادية على التجارة العالمية.
ويثير الاستغراب أن العالم لم يستعد بعد لهذا الوضع، رغم أننا شهدنا أحداثاً مماثلة على مدى ما يقرب من ثلاثة عقود. ففي زلزال تايوان عام 1999 تعطلت إمدادات أشباه الموصلات عالميًا وأُغلقت المصانع في كاليفورنيا وتكساس. وفي تسونامي اليابان عام 2011 توقفت أجزاء من سلسلة التوريد العالمية للسيارات لعدة أشهر.
وبالطبع هناك العديد من المشكلات في سلاسل الإمداد الناتجة عن جائحة “كوفيد”، والتضخم في الغذاء والطاقة الذي تسبب به الحرب في أوكرانيا.
والآن، يأتي الرئيس دونالد ترامب بأحد أكبر صدمات سلاسل الإمداد — هذه المرة في مجال النفط — مع القليل من التخطيط المسبق لإدارة الاضطراب. فبالرغم من كل الحديث بعد الجائحة عن بناء أنظمة اقتصادية مرنة وفعّالة، يبدو أننا لم ننجح في أي منهما.
ضع في اعتبارك أن ترامب اضطر الأسبوع الماضي إلى التنازل عن قانون “جونز” القديم، الذي ينص على أن السفن الأميركية المبنية والمُسجلة في أميركا فقط هي التي يمكنها نقل البضائع بين الموانئ الأميركية. هذا القانون كان مثار جدل طويل، إذ أدى فقدان القاعدة الصناعية الأميركية في مجال الشحن إلى تقليل وفورات الحجم في صناعة بناء السفن الأميركية.
وقد يعني ذلك أن العديد من الشركات الأجنبية يمكنها تصنيع السفن وإدارة العمليات البحرية بتكلفة أقل من الصناعة الأميركية. يأمل ترامب في خفض أسعار النفط والغاز، على الأقل مؤقتا، من خلال السماح للسفن الأجنبية بنقل البضائع بين الموانئ الأميركية، مما يجعل شحن هذه السلع — التي ارتفعت أسعارها بشكل حاد بسبب الحرب في إيران — أرخص.
من غير الواضح ما إذا كان هذا سيحقق أكثر من خفض طفيف في أسعار النفط. ومع ذلك، فقد أعاد فتح النقاش حول قانون “جونز”. تشير ورقة بيضاء صدرت عام 2026 عن جامعة فاندربيلت حول تحديات صناعة السفن إلى أن “السوق المحمي بقانون جونز لا يمكن أن يدفع النهوض الصناعي اللازم للتنافسية العالمية دون إصلاح جذري واستثمار عام”.
ووفقا للباحثين، يشجع القانون المشغلين على إصلاح السفن القديمة المسجلة في أميركا بدلاً من بناء سفن جديدة، التي تكلف ثلاثة إلى ثمانية أضعاف تكلفة السفن الأجنبية.
ويشير الباحثون إلى أن “إلغاء قانون جونز يقدم مكسبا قصير الأجل، بينما يزيد الهشاشة على المدى الطويل. فبدون متطلبات الحماية المحلية، سيشتري المشغلون ببساطة سفنًا أجنبية أرخص (وممولة من الدولة)، تاركين أميركا بلا قاعدة صناعية”.
وفي الواقع، هذا ما حدث تقريبا في كل مجالات الشحن خارج نطاق القانون — إذ أصبحت الصناعة الآن مهيمنة على السفن الصينية. ويؤكد كل من باحثي فاندربيلت وورقة “Open Markets” حول كيفية إنقاذ صناعة السفن الأميركية على أن المشكلة الحقيقية تكمن في فشل الحكومة في توفير إشارات طلب قوية للصناعة من خلال الدعم المستمر على مدى سنوات وعقود. إن ضمان إعادة ربط قطاعي بناء السفن العام والخاص هو الطريقة التاريخية الوحيدة التي مكنت أي دولة من بناء قوة بحرية قوية، وقطاع بحري تجاري مزدهر، ودفاع بحري متين.
ومن المهم تذكر سبب وجود هذا القانون أصلاً. ففي بداية القرن العشرين، كانت أميركا تعتمد بشكل خطير على كارتيلات الشحن الأجنبية (بما في ذلك تلك في المملكة المتحدة، التي كانت مدعومة من الدولة). وقد دفعت القوة الاحتكارية لهذه الشركات أسعار شحن العناصر الأساسية إلى مستويات عالية جدًا، تصل إلى 20 ضعفا.
ووفقا لإدوارد هيرلي، رئيس مجلس الشحن الأميركي في ذلك الوقت، “بينما كان هناك بعض المبرر خلال الحرب العالمية الأولى لهذه الزيادات الهائلة في أسعار الإيجار والتكاليف، كان واضحا أنها كانت مضخمة بشكل مصطنع”.
وهذا يشبه إلى حد كبير القوة الاحتكارية التي تمارسها اليوم أكبر شركات الشحن في العالم، بما في ذلك “MSC ومايرسك وكوسكو وهاباك-لويد”، وعدد قليل من الشركات الأخرى التي تسيطر على 90% من القدرة الاستيعابية للشحن العالمي.
ومع ظهور ناقلات النفط العملاقة وحاويات الشحن، أصبحت السفن الكبيرة القليلة تحمل معظم البضائع العالمية (90% منها يُنقل بحراً). وهو نظام قائم على “الكفاءة” أكثر من كونه قائمًا على المرونة — خاصة في عصر جديد من الحرب يمكن لطائرة إيرانية رخيصة واحدة أن تدمر ناقلة في دقائق.
إذا كانت السفن هي بالفعل أشباه الموصلات الجديدة، كما أكدت الإدارتان الأميركيتان الأخيرتان، فسيتعين على أميركا إعادة التفكير بالكامل في الطريقة التي تحفز بها وتنظم بناء السفن الجديدة. وما يلزم هو تقليل عدد الناقلات العملاقة والفرقاطات، وزيادة عدد السفن المرنة متعددة الاستخدامات، ربما بالتعاون مع شركاء آخرين (فالقليل من الدول يمكنها بناء السفن بالكامل بمفردها).
سواء حدث هذا أم لا، فإن الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز سيزيد من الرغبة في البحث عن طرق شحن جديدة — على سبيل المثال، في القطب الشمالي. ففي عالم تتنافس فيه القوى الكبرى، تساوي المرونة الأمان.



