فايز أزعر: إدارة الوعي في العصر الرقمي.. وكيف يؤثر الاحتلال وبعض الجماعات ذات الخطاب الديني على وعي الجمهور الفلسطيني

فايز أزعر 11-1-2026: إدارة الوعي في العصر الرقمي.. وكيف يؤثر الاحتلال وبعض الجماعات ذات الخطاب الديني على وعي الجمهور الفلسطيني
في العصر الرقمي، لم يعد الوعي الجمعي نتاجاً تلقائياً للتجربة الوطنية أو للمعرفة المتراكمة، بل أصبح ساحة مفتوحة للتأثير والتوجيه وإعادة التشكيل. فوسائل التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد أدوات تواصل، بل تحولت إلى منصات مركزية لإدارة الإدراك، وتوجيه المشاعر، وإعادة تعريف القضايا، بما يخدم أجندات سياسية وأيديولوجية متشابكة.
إدارة الوعي في هذا السياق لا تقوم على فرض الأفكار بالقوة، بل على التحكم بما يراه الناس، وما يتكرر أمامهم، وكيف يُقدَّم لهم. الخوارزميات الرقمية تلعب دوراً محورياً في هذا المسار؛ فهي تضخم المحتوى المثير للانفعال، وتُقصي النقاشات العميقة، وتحبس المستخدم داخل دوائر فكرية مغلقة، يظن داخلها أن ما يراه يمثل الحقيقة الكاملة أو الرأي السائد. وهكذا، يتحول الوعي من مساحة تفكير نقدي إلى حالة انفعال دائم، تُدار عبر الصورة والعنوان السريع والشعور الآني.
في الحالة الفلسطينية، تكتسب إدارة الوعي بُعداً أكثر خطورة وتعقيداً بفعل الاحتلال الإسرائيلي، الذي يدرك أن السيطرة على الأرض لا تكتمل دون السيطرة على الوعي.
الاحتلال يوظف أدوات إعلامية ونفسية رقمية تهدف إلى تفكيك الرواية الفلسطينية، وتشويه صورة النضال، وبث الإحباط واليأس، وتحويل الصراع من قضية تحرر وطني واضحة المعالم إلى حالة ارتباك داخلي وصراع روايات. يتم ذلك عبر تضخيم الخلافات الفلسطينية، وإبراز الفشل، وترويج سرديات تُحمّل الضحية مسؤولية معاناتها، أو تُفرغ النضال الوطني من بعده الأخلاقي والوطني.
ولا يقف التأثير عند حدود الاحتلال وحده، بل يتقاطع مع دور بعض الجماعات والأحزاب ذات الخطاب المغلف بالدين، التي تستثمر الفضاء الرقمي لإدارة وعي جمهورها، لا بهدف التنوير، بل بهدف التعبئة والسيطرة. هذه الجماعات تميل إلى تحويل الدين من منظومة قيم جامعة إلى أداة اصطفاف سياسي، وتخلط بين الإيمان والموقف الحزبي، وتقدّم الخلاف السياسي على أنه صراع بين الحق والباطل، أو بين الإيمان والانحراف. في هذا السياق، يصبح النقد خيانة، والاختلاف انحرافاً، ويُغلق باب التفكير العقلاني لصالح الطاعة والانقياد.
خطورة هذا الخطاب لا تكمن فقط في مضمونه، بل في قدرته على اختراق الوعي الجمعي، خاصة لدى فئات الشباب، عبر لغة عاطفية، وشعارات بسيطة، ومحتوى رقمي سريع التأثير. ومع التكرار، تتحول الأفكار إلى مسلمات، ويُعاد تشكيل الهوية الفردية والجماعية على أسس ضيقة، تضعف الانتماء الوطني الجامع، وتُعمّق الانقسام الداخلي، وهو ما يخدم، بشكل مباشر أو غير مباشر، أهداف الاحتلال في تفتيت المجتمع الفلسطيني من الداخل.
إن أخطر ما في إدارة الوعي في العصر الرقمي هو أنها لا تُشعر الإنسان بأنه مُستهدَف. بل تمنحه وهماً بالاختيار والحرية، بينما تُدار أولوياته ومشاعره واتجاهات تفكيره بدقة عالية. وفي السياق الفلسطيني، يصبح هذا الخطر مضاعفاً، لأن الوعي المشوش لا يضعف الموقف السياسي فحسب، بل يضرب أسس الصمود المجتمعي وقدرة الشعب على الفعل الجماعي.
من هنا، تبرز الحاجة الملحّة إلى وعي فلسطيني نقدي، يُدرك أن المعركة لم تعد فقط على الأرض، بل على الرواية، وعلى المعنى، وعلى تعريف الذات والعدو. حماية الوعي الوطني اليوم تعني التمييز بين الدين كقيمة أخلاقية جامعة، وبين توظيفه كأداة سياسية، وتعني رفض الانجرار خلف السرديات السطحية، سواء جاءت من الاحتلال أو من قوى داخلية تستثمر الدين والعاطفة لتحقيق مكاسب ضيقة.
في المحصلة، إدارة الوعي في العصر الرقمي هي معركة صامتة، لكنها عميقة الأثر. والفلسطيني، وهو يواجه احتلالاً يسعى لتفكيك وعيه، وخطابات داخلية تخلط بين المقدس والسياسي، مطالب أكثر من أي وقت مضى بأن يكون شريكاً واعياً في حماية إدراكه الجمعي. فالوعي المستقل ليس فقط شرطاً للتحرر، بل هو أحد أشكال النضال الأكثر أهمية في زمن تُدار فيه العقول قبل أن تُدار الجبهات .



