أقلام وأراء

رفيق خوري: كل الأعوام للحروب التي تشكل الدول

رفيق خوري 2-1-2026: كل الأعوام للحروب التي تشكل الدول

لا وداع للحروب في العام الجديد على رغم كل الأحاديث عن السلام والمساعي إلى ترتيب التسويات في الأزمات والصراعات، والتاريخ شاهد على أنه ليس في الشرق الأوسط ولا في أي منطقة من العالم سوى دول شكّلتها الحروب، من حروب التوسع لإقامة الإمبراطوريات وحروب التنافس بينها على الأرض والموارد والسيطرة إلى حروب التحرر من الاستعمار الإمبراطوري، ومن حروب بناء الأمم إلى حروب إلغاء أمم، والسلسلة طويلة. حرب غزة لم تنته بعد، وإن انضم قادة العالم إلى الرئيس دونالد ترمب في قمة شرم الشيخ لتوقيع وثيقة إنهاء الحرب وبدء السلام. حرب لبنان مستمرة بالتقسيط ضد “حزب الله” وكوادره وأسلحته بعد الضربة الكبيرة له وسط التهديد الإسرائيلي بـ”إكمال المهمة” ورفض “المقاومة الإسلامية” تسليم سلاحها للجيش اللبناني مع المفاخرة بزيادة التسلح والاستعداد لقتال العدو. أميركا وإسرائيل تهددان بشن الفصل الثاني في كسر أذرع إيران والحرب على الجمهورية الإسلامية التي لا حياة لنظامها ومشروعها من دون تسليح أذرعها ودفعها إلى البقاء في حال حرب.

لا هدنة روسية في حرب أوكرانيا خلال الأعياد، ولا شيء يوحي أن جهود ترمب وقادة أوروبا لإنهاء الحرب التي تدخل في فبراير (شباط) المقبل عامها الرابع ناجحة. ولا قدرة لأميركا وروسيا والصين والعرب والأفارقة على وقف حرب السودان بين جنرالين تشاركا في السطو على الثورة الشعبية ثم اختلفا على السلطة، ولا نهاية لحرب “إسرائيل الكبرى” على غزة والضفة الغربية ولبنان وسوريا.

لا الحروب الدورية بين الصين والهند مرشحة لأن تصبح من الماضي على رغم عضوية البلدين في تجمع “البريكس”، ولا الغارات المتبادلة بين باكستان وأفغانستان تتوقف. كوريا الشمالية تهدد بحرب على كوريا الجنوبية وأميركا بلسان كيم جونغ أون حفيد كيم إيل سونغ الذي دفعه ستالين إلى بدء حرب كوريا وساعده ماوتسي تونغ. وكمبوديا وتايلاند تدخلان في مسلسل غارات متبادلة، ولا أحد يعرف متى تبدأ الصين حرباً لاستعادة تايوان، وما إذا كان تسليم أرمينيا لأذربيجان بإقليم ناغورنو قره باغ وضع حداً نهائياً للصراع العسكري بينهما.

ذلك أننا دخلنا “عصر الحروب الدائمة” كما يرى لورنس فريدمان المحلل البريطاني البروفسور الفخري لدراسات الحرب في كلية الملك في لندن، فما سماها الرئيس فلاديمير بوتين “عملية عسكرية خاصة” في أوكرانيا صارت حرباً طويلة بكل أنواع الأسلحة والقوى والموارد الاقتصادية. وفي رأي فريدمان فإن “الصراعات المعاصرة لا تنتهي أبداً بانتصار سريع” والكل “محكوم بالتخطيط لحروب ليس لها نهاية واضحة”، و”أفضل درس لأميركا من حروبها هو أن تتفادى الوقوع فيها”. ومارا كارلين الأستاذة في جامعة جونز هوبكنز ومؤلفة كتاب “تراث العسكرية الأميركية” تتحدث عن “عودة الحرب الكلية”، فالحروب المحدودة مرشحة للتحول حروباً كلية عبر “حشد المصادر والمجتمعات ومهاجمة أهداف واسعة، وإعطاء الأولوية لمسائل الحرب على نشاط الدولة”، ومعنى هذا وقف المشاريع التنموية وفرض التقشف على الشعب في حين تلتهم جبهات الحرب كل مقدرات البلد.

مركز الناطور للدراسات والابحاثFacebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى