ران ادليست / أميرا الصعود والهبوط
معاريف – بقلم ران ادليست – 29/6/2018
رجلان شابان في منتصف الثلاثينيات من عمرهما زارا اسرائيل هذا الاسبوع. وكلاهما ولدا مع ملعقة ذهب في الفم، وكلاهما تربيا مع صدمة عائلية على رؤوس الاشهاد، فيما أن العالم كله يشارك في مشاعرهم. الامير وليام مع موت امه في حادثة طرق، جارد كوشنير مع حبس ابيه بسبب الغش. واحد يأتي من اوروبا، والثاني من أمريكا، وكلاهما رسولان.
كوشنير مثّل “صفقة القرن” مثلما تسمي مهزلة ترامب حل النزاع الاسرائيلي – الفلسطيني. اما وليام فمثّل موقف الاسرة المالكة البريطانية في النزاع. والاسرة المالكة هي الاخرى مهزلة بحد ذاتها، ولكن عندما تنال المهزلة الزخم فان الجمهور يعانق، ويكون لها وجود سياسي. لقد قام وليام في الشرق الاوسط جولة رحمة تسيدية، لا سياسية مزعومة، ولكنه عمليا فعل لا يوجد اكثر منه سياسة. وادعى كوشنير الانشغال بالقرص السياسي الصلب فيما ليس له اي فكرة عما يعنى به. فقد قال لصحيفة “القدس”: “وفقا لتحليلي توجد هنا فرصة لاتفاق جيد”، وكان الحديث يدور عن صفقة اخرى، بينما الارض والواقع مفعمان بالنوازع، بالدم، بالعنف، بالتزمت الديني وبالاساس بتطلع غير قابل للشراء او البيع الى الحرية والى رموز الهوية الشخصية والوطنية، سواء في الجانب الفلسطيني أم في الجانب اليهودي.
يحاول كوشنير اغراء الفلسطينيين بالتحسينات الاقتصادية، وكان المال ليس الامر الهام في العالم، بل الامر الوحيد في العالم: “كل شيء متعلق بقيادة الطرفين للحلول الوسط مقابل المكاسب الكبرى التي سيحصلون عليها”.
وبخلاف نتنياهو الذي لا هو ولا المؤمنون به او المعارضون له يصدقون كلمة واحدة تخرج من فمه عندي احساس بان كوشنير وشركاءه، خريجي الرأسمالية الخنزيرية الامريكية، يصدقون ما يقولونه، وهذه مصيبة غير قليلة بحد ذاتها. فالى الشعب الفلسطيني يتوجه كوشنير من فوق رأس ابو مازن فيقول: “لست واثقا من أن الرئيس عباس قادر على عمل هذا“، قال لـ “القدس”.
اما وليام فقد التقى ابو مازن في مكتبه في رام الله، فيما التقى كوشنير نتنياهو في منزله في بلفور، وهكذا يتبين بان من يدير العرض هو ابو مازن، الذي طرق الباب في وجه كوشنير – أي ترامب – وكل شيء يتم بقولته.
منذ سنين يدفنون هنا أبو مازن. كل مرة بحجة مختلفة. ذات مرة كان “صوصا” ومرة اخرى ارهابي، تارة هو ناف للكارثة وبالاساس رافض للحديث مع دولة اسرائيل. وحسب منطق حكومة اليمين، فانه يريد استمرار الاحتلال كي يواصل الارهاب. ويوجد هنا ما يكفي من الاغبياء الذين يشترون هذا الهراء.
والامير وليام؟ هو يتجول في القدس الشرقية وفي جبل الزيتون، اللذين هما “منطقتين محتلتين” على حد تعريف الاسرة المالكة والحكومة البريطانية. ونتنياهو يبتلع. فليس هو ولا زوجته يفوتان تصوير مع ملك المستقبل، ولكن سموتريتش يتحدث: “زيارة وليام هامة، ولكن ليس في ظل سحق كرامتنا الوطنية، وأنا أميل لان امنع هذا بجسدي اذا لم يمنع بطريق دبلوماسي.
كوشنير يتحدث بجدية عميقة مع “مسؤولين في مصر” عن مصير غزة؛ وليام، الذي يتدفق في عروقه دم أزرق، ينزل الى الشعب ويلعب كرة القدم مع فرق شباب اليهودي والعربي، اولئك الذين دماؤهم احمر ومع فتيان دماؤهم مباحة. باختصار، لو كان لاحد ما ذرة أمل في أن تؤدي “صفقة القرن” الى حوار اسرائيلي فلسطيني، فقد انطفأ هذا نهائيا مع زيارة الوفد الغريب الذي كله يهود مؤيدون للمستوطنات، وحق نتنياهو في أن يبقى رئيس وزراء الى أبد الآبدين.
صفقة المعنيين
في القدس يمر الطريق لان نفهم نهائيا لماذا كانت زيارة كوشنير زيارة عزاء بمناسبة وفاة مبادرة صفقة القرن. فقد قال شمعون بيرس دوما “ابقوا القدس في كل مفاوضات الى النهاية”. فتكليف هذا الثلاثي، كوشنير – فريدمان – غرينبلت ان يدير اليوم المفاوضات على القدس، هو كتكليف الثلاثي المرح إدارة المفاوضات مع كوسوفو، وليس مؤكدا من يضحك اكثر.
صحيح أن كوشنير اعترف بان “كل الزعماء العرب في المنطقة عادوا وقالوا انهم معنيون بان يروا دولة فلسطينية عاصمتها شرقي القدس”، ولكن حقيقة أنه قال هذا بعد زيارة نتنياهو المفاجئة لدى عبدالله ملك الاردن، تقول ان الرجل لم يفهم على الاطلاق كم هي هذه القصة كبيرة عليه. فقد شرح بان “الزعماء العربي” اشاروا الى أنهم معنيون بان يبقى المسجد الاقصى مفتوحا امام المسلمين في اطار الاتفاق”.
لا يوجد قول بائس اكثر من هذا في سياق موقف العالم العربي من القدس. “معنيون”؟ غرينبلت، فريدمان وكوشنير كلهم هم نيويوركيون، اي سماسرة عقارات دوما. من ناحيتهم الاقصى هو موضوع لـ “معنيين” عرب؛ خلافا للمبكى والبلدة القديمة بالطبع، هناك تسود روح فاضلة. والان اذهب وحاول التسوية بين الفاضلة التي تقع وفقا لمصادرنا في جبل البيت وبين حصان محمد، البراق، الذي اندفع كل الطريق من الصخرة التي في جبل البيت حتى السماء السابعة، حيث التقى محمد الله الذي اعطاه خمس صلوات يوميا فرضت على المسلمين، مثابة اعادة صياغة لالواح العهد (الكلمات العشرة التي اعطاها الوهيم لموشيه. ليس لدي اي فكرة ما الذي يتأمرون عليه هناك في رباعية القمار لنتنياهو، كوشنير، عبدالله وولي العهد السعودي في موضوع القدس، ولكني مقتنع بان ليس لاي منهم فرصة للفوز وكلهم يكذبون للجميع. والمناورة الاخيرة هي الضغط على كيس المرارة الاقتصادية والامنية لعبدالله كي “يعرب عن موافقة” لفكرة ان تكون فلسطين هي أبو ديس، واغلب الظن ايضا تواجد سعودي في جبل البيت (فكرة قديمة)، التي هي هدية بن سلمان للتيار المتزمت في السعودية.
مثل كل الافكار والمحاولات لتربيع الدائرة المقدسية، فانه حتى اولئك الذين يبدأون في الظلام سينتهون هناك. في كامب ديفيد بيغن طرح الرئيس جيمي كارتر فكرة علم سعودي على جبل البيت لارضاء العالم العربي، وشلومو بن عامي في ايام كامب ديفيد البهيجة لايهود باراك عني بتدويل الحوض المقدس – فكرة ممتازة ولكن ليس لها أمل في حكومة نتنياهو. وحتى كوشنير كانت لديه فكرة ممتازة، بعد أن فهم بانه لن يكون ممكنا خياطة صفقة منفصلة في الضفة بدون غزة ولا يمكن التقدم عندما تكون غزة تغلي.



