د. ياسر أبوبكر: بين “أنسنة التعليم” وواقعية الإصلاح: قراءة نقدية في طرح د. فواز عقل
د. ياسر أبوبكر 30-3-2026: بين “أنسنة التعليم” وواقعية الإصلاح: قراءة نقدية في طرح د. فواز عقل
يأتي مقال د. فواز عقل في لحظة تربوية مأزومة، لا ليصف الواقع فقط، بل ليهزّه. وهو في ذلك ينجح إلى حد بعيد. فالنص لا يجامل، ولا يهادن، بل يضع إصبعه على جوهر الخلل: تعليم فقد علاقته بالإنسان، واختُزل إلى منظومة قياس جامدة. وهذه شجاعة فكرية تُحسب له، في زمن يغلب عليه التجميل الخطابي.
أولى نقاط قوة المقال أنه أعاد تعريف المشكلة. لم يتحدث عن “ضعف مخرجات” أو “تحديات تعليمية”، بل عن نكبة تربوية، وهو توصيف – رغم حدّته – يعكس إدراكًا بأن الأزمة ليست إجرائية، بل بنيوية. كما أن تركيزه على أن التعليم يجب أن “يصنع إنسانًا لا مجرد طالب” يعيد النقاش إلى مركزه الصحيح، ويحرره من سجن العلامة والامتحان.
ثانيًا، يحسب للنص أنه أعاد الاعتبار للبعد الإنساني في التربية. حين يطالب بتعليم يفتح نوافذ العقل، ويغرس الحوار، ويعزز التعاون، فإنه ينحاز بوضوح إلى المدرسة بوصفها فضاءً لتشكيل الوعي، لا مجرد محطة لتخزين المعرفة. وهذا يتقاطع مع أرقى ما وصلت إليه الأدبيات التربوية المعاصرة في التعلم العميق وبناء الكفايات.
ثالثًا، يلفت المقال الانتباه إلى اختلال خطير في تعريف النجاح، حين يتم اختزاله في ورقة امتحان. هذه نقطة مركزية، لأنها تمس العقد الاجتماعي غير المعلن بين المدرسة والمجتمع: ماذا نريد من التعليم؟ شهادة أم إنسانًا قادرًا على الفعل؟
غير أن قوة النص تكمن أيضًا في ما يكشفه من نقص. فالمقال، رغم غناه القيمي، يبقى في إطار البيان الأخلاقي أكثر منه مشروعًا إصلاحيًا مكتمل الأركان. هو يقول لنا بوضوح “ماذا يجب أن يكون”، لكنه لا يقدّم إجابة كافية عن ” كيف يمكن أن يحدث “.
أول ما يلفت النظر في هذا السياق هو غياب البعد التنفيذي. الدعوة إلى أنسنة التعليم، رغم أهميتها، تحتاج إلى ترجمة عملية: كيف نعيد تصميم التقويم؟ ما شكل البدائل عن الامتحان المركزي؟ كيف نضمن العدالة في ظل تنوع البيئات المدرسية؟ هذه الأسئلة لم تجد طريقها إلى النص، وهي أسئلة حاسمة في السياق الفلسطيني تحديدًا.
ثانيًا، يتعامل المقال مع التعليم وكأنه فضاء مستقل عن شروطه السياسية والاقتصادية، بينما الواقع الفلسطيني يفرض قيودًا معقدة: احتلال، تفاوت في الموارد، ضغط اجتماعي على الشهادة باعتبارها أداة صعود اجتماعي. أي مشروع إصلاحي لا يشتبك مع هذه المحددات يبقى أقرب إلى المثال منه إلى الواقع.
ثالثًا، يميل النص إلى المبالغة في ثنائية “العلامة مقابل الإنسان”، وكأنهما نقيضان مطلقان. والحقيقة أن التحدي التربوي المعاصر ليس في إلغاء القياس، بل في إعادة تصميمه ليقيس ما يستحق القياس: الفهم، التحليل، القدرة على حل المشكلات، والعمل التعاوني. المشكلة ليست في وجود التقييم، بل في فقر أدواته.
رابعًا، ورغم حديثه عن “مهارات العصر”، يغيب عن المقال تحليل عميق لطبيعة التحول الرقمي الذي يعيد تشكيل التعلم. نحن أمام جيل لا يتعلم بالطريقة التي تعلّمنا بها، لا لأن قدراته أقل، بل لأن بيئة المعرفة تغيرت جذريًا. إدماج هذا البعد لم يعد خيارًا، بل شرطًا لأي رؤية تعليمية معاصرة.
غير أن ما يُحسب للدكتور فواز عقل، ويستحق التوقف عنده بعمق، هو استدعاؤه لمفهوم
” العقيدة التربوية ” ومقارنته بالعقيدة العسكرية. فهذه ليست مجرد استعارة بلاغية، بل محاولة لإعادة تعريف التعليم بوصفه منظومة فكرية موجِّهة للسلوك الجمعي، تمامًا كما تفعل العقيدة العسكرية في تشكيل الجيوش.
في العقيدة العسكرية، لا يُترك شيء للصدفة: هناك تصور واضح للمهمة، وبناء متكامل للإنسان، وانضباط يستند إلى رؤية لا إلى إجراءات. وهنا تكمن قوة الطرح: فالدكتور فواز يطرح سؤالًا ضمنيًا بالغ الأهمية: هل نملك في التعليم ما يشبه ذلك؟ هل لدينا عقيدة تربوية واضحة تحدد أي إنسان نريد أن نصنع، وما القيم التي يجب أن تحكمه، وما المهارات التي يحتاجها في معركة الحياة ؟
الجواب في واقعنا، وبكل صراحة، هو: لا.
نحن نملك مناهج، وامتحانات، وتعليمات ،،، لكننا لا نملك عقيدة. نملك أدوات، لكننا نفتقد البوصلة.
غير أن هذه المقارنة، رغم عمقها، تحتاج إلى ضبط تربوي دقيق. فالتعليم، بخلاف المؤسسة العسكرية، لا يمكن أن يقوم على الانضباط الصارم أو الرؤية الأحادية للحقيقة. وإذا تحولت
” العقيدة التربوية ” إلى نموذج مغلق، فإننا نخاطر بإنتاج عقول منضبطة لكنها غير حرة. ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في استنساخ العقيدة العسكرية، بل في بناء عقيدة تربوية مرنة، تجمع بين وضوح الرؤية وحرية التفكير، بين الانتماء والقدرة على النقد، بين الالتزام والقابلية للتجديد.
من هنا، فإن تطوير طرح د. فواز لا يكون بنقضه، بل بالبناء عليه. وإذا أردنا نقل الفكرة من مستوى الوعي إلى مستوى الفعل، فإننا بحاجة إلى ثلاث نقلات أساسية:
أولًا، تفكيك مركزية الامتحان الواحد عبر نظام تقويم تراكمي يجمع بين التقييم المستمر، والمشاريع التطبيقية، والاختبارات التحليلية، بما يوزع المخاطرة ويعزز العدالة.
ثانيًا، إعادة تعريف دور المعلم من ناقل للمعرفة إلى مصمم لخبرات التعلم، وهذا يتطلب استثمارًا جادًا في التدريب المهني، لا مجرد تعميمات نظرية.
ثالثًا، مواءمة القبول الجامعي مع فلسفة التعليم الجديدة، لأن أي تغيير في المدرسة سيبقى محدود الأثر إذا ظل معيار الدخول إلى الجامعة قائمًا على رقم واحد.
إن ما يطرحه د. فواز عقل هو ضرورة فكرية لا غنى عنها، لكنه يحتاج إلى استكمال هندسي. فالتعليم لا يُصلح بالنيات الحسنة وحدها، بل بتصميم أنظمة قادرة على ترجمة هذه النيات إلى ممارسات يومية داخل الصف.
وفي هذا السياق، وبكل تواضع، أجد نفسي – وأنا حديث عهد نسبيًا في هذا الحقل – مدفوعًا لا لادعاء امتلاك الإجابات، بل لتوجيه دعوة صريحة إلى ذوي الخبرة والدراية ممن سبقونا في هذا المسار، أن يتقدموا برؤى عملية قابلة للتنفيذ، لا تقوم على إعادة تدوير نظريات تقادمت وأُفرط في تكرارها حتى فقدت معناها، بل تنطلق من واقعنا الفلسطيني المأزوم، وتستجيب لتعقيداته، وتؤسس لمسار إصلاحي جديد لا يكتفي بوصف الأزمة، بل يمتلك الجرأة على معالجتها.
الخلاصة أن المقال نجح في إعادة طرح السؤال الكبير: أي إنسان نريد أن نصنع؟ لكن الإجابة عن هذا السؤال لن تكتمل إلا حين نربط بين الرؤية والقابلية للتنفيذ، بين الحلم والبنية، بين الأخلاق والنظام.
ففي نهاية المطاف، ليست المشكلة أن لدينا أفكارًا جميلة عن التعليم ،،
بل أن هذه الأفكار لم تتحول بعد إلى سياسات.



