منوعات

د. منى أبو حمدية: أنجيلينا جولي على بوابة الرمل… حين تقدّمت الإنسانية على الأضواء

د. منى أبو حمدية 9-1-2026: أنجيلينا جولي على بوابة الرمل… حين تقدّمت الإنسانية على الأضواء

لم تكن أنجيلينا جولي عابرةً عند بوابة الرمل، ولا زائرةَ مجاملةٍ في مشهدٍ مثقلٍ بالدم والرماد. جاءت إلى معبر رفح كما تأتي الإنسانية حين تضيق السياسة، وكما يحضر الضمير حين ينهك العالم من كثرة التبرير. خطوةٌ واحدة على تخوم غزة كانت كافية لتقول إن بعض الحضور أبلغ من ألف خطاب، وإن الوقوف في جهة الألم اختيار أخلاقي لا علاقة له بعدد الكاميرات.

“نجمةٌ تخلّت عن البريق لتلامس الجرح”

أنجيلينا جولي، سفيرة النوايا الحسنة، لم تحمل إلى رفح شهرتها، بل تاريخاً إنسانياً راكمته عبر سنوات من الانحياز للمنكوبين والنازحين في بقاع العالم. في زيارتها، لم تكن تمارس دور الفنانة، بل دور الإنسان حين يقرّر أن يرى بعينيه لا عبر الشاشات. وقفت عند حدود غزة، لا لتتحدث باسمها، بل لتصغي إلى صمتها، ولتمنح النازحين اعترافاً بسيطاً: أنكم مرئيون، وأن معاناتكم ليست هامشاً في نشرات الأخبار.

“مسارح مضاءة… وضميرٌ مؤجَّل”

في المقابل، بدا المشهد الفني العربي كأنه يعيش في عالمٍ موازٍ، حيث تُدار الحفلات، وتُفتَح الصالات، وتُستهلك المأساة في منشورات عابرة لا تحتمل ثقل الفقد. تحوّل التفاعل إلى إيماءة رقمية باردة، لا ترقى إلى حجم الكارثة الإنسانية في غزة، ولا تلامس عمق الجرح الفلسطيني. غاب الفن عن دوره الطبيعي، لا كزينة للحياة، بل كصوتٍ لها حين تختنق.

إن غياب الفنانين والمشاهير العرب عن مشهد غزة لم يكن تفصيلاً، بل كاشفاً لحجم التراجع الأخلاقي، وانسحاباً صامتاً من ساحة كان يفترض أن تكون لهم.

فالفن، حين ينفصل عن الألم العام، يفقد مبرر وجوده، ويتحوّل إلى ترفٍ لا ذاكرة له.

“رسالة إلى الفنانين العرب”

يا من حملتم يوماً وجدان الناس على أصواتكم وصوركم، تذكّروا أن زيارة غزة ليست فعل تضامنٍ عابر، بل ثقافة مقاومة لا يجوز التخلي عنها. أن تكونوا هناك، جسداً أو موقفاً، هو استعادة لدورٍ تاريخيٍّ عرفه الفن العربي حين كان جزءاً من المعركة، لا متفرجاً عليها. فغزة ليست قضيةً خارجية، ولا مأساةً بعيدة، بل مرآة لاختبار الصدق في الفن والانحياز في اللحظات الفاصلة.

وفي الختام؛ علّمتنا أنجيلينا جولي، عند بوابة الرمل، أن الإنسانية قد تسبق الأضواء حين يختار أصحابها الطريق الأصعب. لم تدخل غزة، لكنها دخلت السؤال الأكبر:

أين يقف الفن حين تُحاصَر الحياة؟

والجواب لا يزال مفتوحاً… بانتظار أن يقرّر الفن العربي أن يعود إلى موقعه الطبيعي: شاهداً، ومنحازاً، وغير قابلٍ للتأجيل.

مركز الناطور للدراسات والابحاثFacebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى