د. مروان إميل طوباسي: من فشل العدوان العسكري إلى السياسة ، فُرص فلسطين بعد حرب الأستنزاف
د. مروان إميل طوباسي 9-4-2026: من فشل العدوان العسكري إلى السياسة ، فُرص فلسطين بعد حرب الأستنزاف
في لحظات وقف إطلاق النار ، لا تُقاس النتائج بعدد الصواريخ التي أُطلقت ، ولا بحجم الدمار الذي خلفته الحرب ، بل بالسؤال الأكثر قسوة وهو ، من فرض معادلاته على الآخر ؟ ومن خرج دون أن ينكسر ؟
ما تسرب عن اتفاق لوقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة لمدة اسبوعين خاصة بعد إفشال الصين وروسيا لمسودة قرار في مجلس الأمن بدعم أمريكي حول مضيق هرمز ، لا يعكس نهاية حرب بقدر ما يكشف عن حقيقة توازن قوى جديد تشكل تحت النار . توازن لا يسمح بانتصار حاسم ، لكنه أيضاً لا يختزل النتائج في مجرد تعادل بسيط .
إيران ، التي دخلت المواجهة وهي تدرك فارق القوة التقليدي ، لم تراهن على الحسم العسكري ، بل على إطالة أمد الصراع وتحويله إلى حرب استنزاف مفتوحة كما أشرت في مقال سابق ، حيث نجحت إلى حد بعيد في ذلك . لم تنهار مؤسساتها ، ولم تُشل قدرتها العسكرية او المدنية رغم جرائم الاغتيلات والضربات المتكررة ، بل تم ملاحظة التوافق والالتفاف الايراني الشعبي الواسع حتى من المعارضة حول شعار الدفاع عن الوطن ، ما قد يفتح باعتقادي باب إصلاحات داخلية بالنظام لكن بقرار إيراني مستقل . كما وحافظت على قدراتها الصاروخية كأداة ردع مستمر حتى اللحظة الاخيرة واستطاعت الحفاظ على اتفاقياتها مع الصين وروسيا ، ما جعل كلفة الحرب على خصومها تتصاعد مع الوقت خاصة اسرائيل .
في المقابل ، لم يكن التلويح بورقة مضيق هرمز مجرد ضغط إعلامي ، بل أداة تأثير حقيقية على الاقتصاد العالمي كما استطاعت استثمار العديد من اوراق القوة لديها ، وبالتالي على صانع القرار الأمريكي وعلى نظام البترودولار ، رغم ان هذا المضيق كان مفتوحا ما قبل العدوان . صحيح أن طهران لم تذهب إلى إغلاق كامل ، لكنها أبقت هذا الاحتمال قائماً بما يكفي لرفع مستوى القلق العالمي وتعقيد حسابات الحرب ، ما دفع الشعوب الأوروبية وحتى في الشوارع الأمريكية التضامن معها او على الاقل مناهضة الحرب ضدها .
ومع ذلك ، فإن ما تحقق لإيران يمكن وصفه بانتصار جزئي ، بمعنى النجاح في منع الهزيمة وفرض معادلة استنزاف طويلة لم تؤدي الى استسلامها كما كان يروج الثنائي ترامب ونتنياهو ، كما واثمرت عن تقديم بنود عشرة كاسأس للمفاوضات من ضمنها موضوع بروتوكل المرور بمضيق هرمز وتخصيب اليورانيوم وفق معايير الوكالة الدولية ، وهو إنجاز مهم باعتقادي الى جانب بنود اخرى مثل القواعد الأمريكية والعقوبات ، لكنه يختلف عن القدرة على فرض إرادة كاملة على الخصم بالمفاوضات المقبلة التي ستفرض نوعا من تنازلات الطرفين واحداث نوعا من التوازنات بالمفهوم الدبلوماسي ، لكنه سيحافظ على الكرامة الوطنية لايران التي حاولت أمريكيا سلبها دون نجاح وتحقيق اجزاء كبيرة من مطالبها .
على الجهة الأخرى ، تبدو الصورة أكثر تعقيداً ، فالولايات المتحدة وإسرائيل لم تفشلا فقط في تحقيق أهدافهما ، بل تكبدتا كلفة استراتيجية أعلى مما كانتا تتوقعان بكثير . إذ أن الدخول في حرب بهدف الحسم والخروج دون تحقيقه لا يُعد تعادلاً ، بل تراجعاً نسبياً في القدرة على فرض الإرادة ومن تحقيق ما اعلن سابقا من اهداف العدوان ، مما قد يمكن اعتباره شكلاً من الهزيمة .
الأهم من ذلك ، أن الانعكاس السياسي لهذه التطورات بدا واضحاً في الخطاب الأمريكي نفسه ، فتصريحات وانفعالات ترامب الإعلامية وتكرار الأكاذيب عكست حالة من التوتر وعدم الرضا عن مسار العمليات العسكرية ، بما يوحي بأن النتائج لم تكن على مستوى التوقعات التي سبقت الحرب .
إلى جانب ذلك ، برز عامل لا يقل أهمية ، وهو تراجع مستوى الاصطفاف التقليدي للحلفاء مع الموقف الأمريكي ، بل توسع حالة الاعتراض بالداخل الامريكي تجاه الحرب . فقد أظهرت مواقف عدد من الحلفاء الغربيين والإقليميين ميلاً إلى الحذر أو النأي بالنفس وتحديدا “حلف الناتو ” ، بدلاً من الانخراط الكامل كما جرت العادة في مواجهات سابقة ، كما وإلى تدني مكانة ترامب الانتخابية والحزب الجمهوري وفق الاستطلاعات . وهذا لا يعني انقلاباً على التحالفات ، لكنه يشير بوضوح إلى تآكل في مستوى الإجماع ، وارتفاع كلفة الانخراط في سياسات المواجهة الأمريكية المتوحشة .
أما إسرائيل والتي ارتكبت مجزرة بشعة جديدة في بيروت راح صحبتها اكثر من ٣٠٠ شخص ، ستبقى حكومتها بقيادة مجرم الحرب نتتياهو المُخرب الدائم لاي أتفاق ، بحكم عدم وجود مصلحة لديها في وقف العدوان مع حلفاؤها من الإنجيليين الصهاينة الفاشيين بالبيت الابيض مع إيران ، والتي بنت جزءاً أساسياً من عقيدتها على فكرة الحسم السريع والرؤية التوراتية المسيانية والقوة المهيمنة بالمنطقة ، فتجد نفسها أمام واقع مختلف ، حيث تتآكل هذه الفرضية تدريجياً تحت ما تم من ضغط المواجهات الممتدة بالجبهتين الايرانية واللبنانية وما رافقها من خسائر . ويبقى هنا السؤال حول قدرة الإدارة الامريكية في فرض وقف اطلاق النار على اسرائيل بخصوص لبنان التي يريد نتنياهو الاستمرار فيها كسلاح في مواجهة خصومه السياسين بأسرائيل .
وهو ما يجعل كلفة هذه الحرب عليها سياسياً واقتصادياً ونفسياً الى جانب زيادة تضرر صورتها امام العالم خاصة بعد الإبادة في غزة أعمق من مجرد نتائج ميدانية مباشرة .
من هنا ، يبدو وقف إطلاق النار أقرب إلى اعتراف غير معلن بحقيقة واحدة ، بأن لا أحد قادر على كسر الآخر دون دفع ثمن يتجاوز قدرته على الأحتمال . إنها معادلة استنزاف متبادل ، لكنها لا تحمل نفس الوزن لكل طرف .
بالنسبة لنا فلسطينياً ، لا يمكن قراءة هذه النتيجة بوصفها توازناً محايداً ، فالتراجع النسبي في قدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على الحسم يفتح نظرياً الآن هامشاً سياسياً يمكن البناء عليه . ليس لأن موازين القوى انقلبت ، بل لأن الطرف المقابل من التحالف الامريكي الإسرائيلي بات أكثر حذراً وأقل قدرة على فرض حلول أحادية كما في السابق .
لكن هذا الهامش لا يتحول تلقائياً إلى مكسب ، فالتجربة الفلسطينية أثبتت أن الفرص تضيع حين يغيب الفاعل القادر على استثمارها . وبين الانقسام ، وغياب الرؤية السياسية الموحدة وتراجع المبادرة ، غالباً ما تتحول المتغيرات الإقليمية الكبرى إلى مجرد مشهد يُراقَب ، لا لحظة يُبنى عليها .
وهنا تكمن الإشكالية الحقيقية ، وهي ليست في قوة العدو فقط ، بل في عجزنا عن تحويل أي تراجع لديه إلى إنجاز سياسي . فالتاريخ لا يكافئ من ينتظر ، بل من يملك القدرة على الفعل .
وفي ضوء ما جرى ، قد لا تكون هذه اللحظة مجرد نهاية جولة عسكرية ، بل بداية لمرحلة سياسية مختلفة . ففشل “العدوان الأستباقي” في تحقيق أهدافه ، أو على الأقل عجزهم عن فرض نصر حاسم ، يفتح الباب أمام إعادة ترتيب العلاقات الإقليمية على أسس أكثر واقعية وتوازناً .
ولعل استعادة مسارات التهدئة والمصالحات على غرار ما تحقق سابقاً بين السعودية وإيران بوساطة الصين قد تعود إلى الواجهة ، ولكن هذه المرة من موقع توازن أكثر وضوحاً ، قائم على الأحترام المتبادل لا على الإملاءات وعلى المعادلات الجديدة بالاقليم ، بعد الضربات التي تلقتها القواعد الأمريكية العسكرية التي لم تقدم اي حماية لدول الخليج ، بل لمكانة أسرائيل فقط .
في هذا السياق ، قد يكون من المناسب أيضاً التفكير في إعادة فتح قنوات حوار فلسطيني–إيراني ، ولكن على أسس مختلفة ، علاقة تقوم على عدم التدخل في القرار الوطني الفلسطيني ، مقابل الاستفادة السياسية من موقع إيران الإقليمي المتقدم اليوم ، بما يخدم القضية الفلسطينية دون ارتهان أو اصطفاف أعمى . فالمعادلات الجديدة لا تفرض علينا اختيار المحاور ، بقدر ما تتيح ، إن أحسنا القراءة ، مساحة لإعادة التموضع بقدر أعلى من الأستقلالية .
أما سقوط لغة التهديد ، التي بلغت حدّ التلويح بمحو “حضارة” بأكملها ، كما عكست تصريحات ترامب ، فيحمل دلالة لا تقل أهمية ، بأن منطق القوة الفجّة المتوحشة ، حين يفشل في الميدان ، يتراجع أمام ضرورات السياسة . وهو ما يعيد التذكير بأن الشعوب ، مهما كانت تحت الضغط لا تُعاد صياغتها بالإنذارات ، بل تتفاعل مع موازين قوى تُصنع بالصمود والتراكم .
وبين وهم الانتصارات الإقليمية ، وخطر التهميش السياسي ، يبقى السؤال الفلسطيني معلقاً ، هل نحن أمام فرصة لإعادة بناء مشروع وطني تحرري قادر على الفعل بما يفرض حل جذر المشاكل بالاقليم المتمثل بالأحتلال ، أم أمام محطة جديدة نُعاد فيها مرة أخرى كموضوع في صراعات الآخرين ؟.



