أقلام وأراء
د. مجدي جميل شقورة: ما الذي تنتظره غزة من أوروبا؟
د. مجدي جميل شقورة 29-1-2026: ما الذي تنتظره غزة من أوروبا؟
في ظل الأوضاع الإنسانية والسياسية المتدهورة التي يعيشها قطاع غزة، يبرز الموقف الأوروبي، ولا سيما امتناع بعض دول الاتحاد الأوروبي عن الانخراط الكامل في «مجلس السلام»، كموضوع جدل مهم. فبينما تبقى أوروبا مترددة في بعض المواقف الرسمية، كان موقف وزير الخارجية الفرنسي، جان-نويل بارو، جديرًا بالإشادة. إذ أكد بارو بوضوح على دعم اللجنة الوطنية لإدارة غزة، معتبراً أن دعم صمود القطاع مسؤولية دولية لا يمكن الاكتفاء فيها بالتصريحات أو المساعدات الطارئة.
دعم اللجنة الوطنية لإدارة غزة
يمثل موقف فرنسا نموذجًا يُحتذى به لجميع دول الاتحاد الأوروبي. فبدلاً من الانخراط الجزئي أو التحفظ على مجلس السلام، يمكن لدول الاتحاد الأوروبي اتباع حذو فرنسا في دعم اللجنة الوطنية لإدارة غزة باعتبارها الإطار الوطني الشرعي لإدارة الشؤون الداخلية. ويشمل ذلك تقديم دعم مؤسسي ومالي مستدام، يمكن اللجنة من تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين، بعيدًا عن التجاذبات السياسية، وتمهيد الطريق لمرحلة انتقالية مستقرة.
حضور أوروبي ميداني: ثقافي ورقابي
ليس الدعم الأوروبي مقصورًا على الجانب السياسي أو المالي فقط، بل يتطلب حضورًا ميدانيًا ملموسًا:
•الثقافة والتعليم: يجب على دول الاتحاد الأوروبي إنشاء مراكز ثقافية في غزة، على غرار المراكز الفرنسية، لتفتح نافذة للشباب على العالم، وتكسر العزلة الفكرية، وتدعم التعليم العالي والتبادل المعرفي.
•المراقبة والرقابة: وجود أوروبي على الأرض قادر على نقل الصورة الحقيقية ورصد الانتهاكات، بما يعزز احترام القانون الدولي الإنساني ويحد من الإفلات من العقاب.
دعم قطاعات الصمود: الصحة والزراعة والتعليم
يبقى التحدي الأكبر هو دعم القطاعات الحيوية التي تضمن بقاء المجتمع الغزي، مع التركيز على بناء الكوادر المحلية والتعليم العالي والاستفادة من الخبرات الموجودة على الأرض:
•القطاع الصحي: إعادة بناء المستشفيات، تأمين الأدوية، تدريب الكوادر الصحية، ومنح دراسية خارجية، مع الاستفادة من الخبرات الطبية المحلية لضمان استدامة الخدمات.
•القطاع الزراعي: دعم السيادة الغذائية، إعادة تأهيل الأراضي، تدريب المزارعين على التقنيات الحديثة، منح دراسية للطلاب الزراعيين، والاستفادة من الخبرات العملية على الأرض.
•قطاع التعليم: تطوير المدارس والجامعات، منح دراسية محلية وخارجية، بناء الكوادر العلمية، ودعم البحث العلمي، بما يحول الفراغ التعليمي إلى قوة إنتاجية ومجتمعية.
بين التحديات والمسؤولية
تواجه أوروبا تحديات سياسية وميدانية كبيرة، إلا أن موقف فرنسا يُمثل نموذجًا عمليًا للالتزام الدولي. يجب على دول الاتحاد الأوروبي أن تتحرك بجرأة، لربط الدعم الإنساني بالمسار السياسي العادل، والضغط لإنهاء الاحتلال وضمان الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.
في الختام
إن دعم صمود غزة لم يعد خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل اختبار لمصداقية القيم الأوروبية. موقف فرنسا يفتح نافذة مهمة، وعلى دول الاتحاد الأوروبي أن تحذو حذوها، ليس فقط بالدعم المالي والمؤسسي للجنة الوطنية، بل من خلال وجود ثقافي وتعليمي مستدام على الأرض. النجاح الحقيقي يتحقق عندما تتحول الأقوال إلى أفعال: مستشفى يعمل، أرض تُزرع، مدرسة تُعيد الأمل، وطلاب وعلماء يبنون القدرات المحلية ويضمنون الاستدامة. هذا هو الدور الذي تنتظره غزة من أوروبا اليوم، قبل غداً.



