أقلام وأراء

د. غانية ملحيس: كيف نعيش في ظل استمرار نظام الإبادة دون أن نُمحى؟ ماذا يعني العيش عندما تكون الحياة نفسها مهددة؟

د. غانية ملحيس 11-1-2026: كيف نعيش في ظل استمرار نظام الإبادة دون أن نُمحى؟ ماذا يعني العيش عندما تكون الحياة نفسها مهددة؟

الملخص التنفيذي

بعد عشرات المقالات التي شارك فيها عديد الكتّاب في تشخيص الحالة الفلسطينية، والتوافق على أن السياسة والنموذج الفلسطيني الذي تشكّل على مدى عقود قد استُنفد، وأن ما بعد الإبادة لا يمكن أن يستمر كما قبلها، يسعى هذا المقال إلى الانتقال من التشخيص إلى التأسيس.

يستكشف المقال سبل العيش والمقاومة في ظل استمرار الإبادة، مع التركيز على أن الحياة اليومية ليست مجرد نجاة، بل فعل سياسي وأخلاقي يحمي الإنسان من الاختزال إلى رقم أو ضحية، ويعيد تعريف السياسة، والزمن، والذات، والمجتمع بعد الصدمة المستمرة.

يركز المقال على المحاور التالية:

1. العيش كفعل مقاوم: الاستمرار في الحياة اليومية – من الغذاء والسكن والعلاج والتعليم إلى الحركة والعمل – بوصفه شكلا من أشكال المقاومة ضد منطق الإبادة.

2. الجسد والذاكرة: تحوّل الجسد والذاكرة إلى أدوات فعلية لمقاومة الاختزال والإدارة القسرية، والحفاظ على الكرامة الإنسانية.

3. الأخلاق اليومية: رفض اليأس، وحماية الإنسانية في التفاصيل اليومية، وتحويل الأخلاق من خطاب نظري إلى ممارسة فعلية مرتبطة بالحياة اليومية.

4. انكسار الزمن السياسي: لم يعد الزمن طبيعيا بعد الإبادة، انهارت السياسة التقليدية، وبرزت الحاجة إلى إعادة إنتاج زمن يسمح للفعل السياسي بالعمل دون انتظار اعترافات خارجية.

5. إعادة التأسيس: بوصفها مسارا لا مشروعا مركزيا، عبر مسارات متوازية تشمل المستوى الفكري، والاجتماعي، والتمثيلي، والاقتصادي، ضمن شبكات فاعلين متعددة تربط السياسة بالحياة اليومية.

6. الفعل الشبكي والمجتمعي: المبادرات اليومية، والتعليم، والنقابات، والمساعدات المجتمعية، والإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، باعتبارها بدايات لفعل سياسي مؤثر ومستدام.

7. مساءلة شروط الفعل السياسي: تأكيد أن الشرعية لا تُنتظر من الخارج، بل تُستخرج من قدرة الأفراد والمجتمع على حماية الفعل التحرري والسياسي داخل الحياة اليومية.

يخلص المقال إلى أن إعادة بناء الفعل السياسي الفلسطيني هي مسار طويل ومتدرج، يبدأ من العيش والمقاومة اليومية، واستعادة الزمن والذاكرة، وتحويل الفعل اليومي إلى ممارسة سياسية. بوصف ذلك شرطا للبقاء المادي والسياسي وعدم التحول إلى امتداد لمنطق الإبادة المستمر، ولإعادة بناء الحامل السياسي القادر على حماية الفعل التحرري، عبر شبكة مجتمعية متعددة الفاعلين تعيد تأسيس الحياة والسياسة من الداخل

المقال الكامل

كيف نعيش في ظل استمرار نظام الإبادة دون أن نُمحى؟

ماذا يعني العيش عندما تكون الحياة نفسها مهددة؟

من استنفاد السياسة إلى إعادة تأسيس الفعل الفلسطيني

بعد أكثر من عامين من الكتابة المكثفة حول استنفاد السياسة الفلسطينية بعد الإبادة، التي شارك بها عديد الكتاب الفلسطينيين من داخل الوطن وخارجه، يمكن القول أننا أنجزنا ما يكفي من التشخيص. شخّصنا انكسار الزمن السياسي، وانهيار النموذج التمثيلي، واستنفاد لغة السياسة القديمة، وعجز البنى السياسية والنخبوية القائمة عن الاستجابة لواقع تغيّر جذريا بعد الإبادة.

هذا التشخيص لم يكن ترفا نظريا، بل ضرورة أخلاقية ومعرفية، واعترافا بأن ما كان قبل الإبادة لا يمكن أن يستمر بعدها.

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لم يعد: ما الذي يحدث؟

بل: كيف نعيش داخل هذا الواقع دون أن نُمحى، ودون أن نتحول إلى امتداد لمنطق الإبادة نفسه؟ وكيف نتكيف مع واقع يبدو أنه مصمم لإلغاء وجودنا؟

أولا: العيش بوصفه الفعل السياسي الأول بعد الإبادة

1.1 ما بعد الإبادة ليس زمنا طبيعيا

في مكان لم يعد فيه الغذاء والدواء والكهرباء انتظاما، ولا الماء حقا، تستيقظ امرأة قبل الفجر لتُعد ما تبقى من طحين. ليس لأن الخبز يكفي، بل لأن أبناءها يجب أن يروا أن الصباح ما زال يحدث. تعرف أن الغد قد يكون أشد قسوة، لكنها تفعل ذلك اليوم كي لا يتحول الجوع إلى قانون، ولا الغياب إلى عادة.

هذا الصباح الذي يبدو عاديا في تفاصيله، يحمل في طياته مقاومة صامتة، ويفتح السؤال: كيف يُعاد تعريف الحياة في عالم صُمّم لإفراغها من شروطها؟

تتجسد هنا معاناة يومية لا يمكن تجاهلها، وما يحدث أمام أعيننا ليس مجرد تفاصيل عابرة، بل مؤشر على منطق أكبر يحدد شكل حياتنا.

هذا الاستمرار اليومي يوضح أن ما بعد الإبادة ليس زمنا طبيعيا، بل حالة مستمرة تعيد تشكيل الحياة نفسها. الإبادة لم، ولن، تنتهِ عند توقف القتل الجماعي، ولا حتى عند تحوّله إلى قتل فردي متواصل. كما جرى بعد اتفاق شرم الشيخ في 13/10/2025، وصدور قرار مجلس الأمن 2803 في 17/11/2025. ما تغيّر هو شكل القتل لا منطقه: من القصف إلى التجويع، من الإبادة السريعة إلى الإبادة البطيئة المستمرة. في قطاع غزة والضفة الغربية وسائر فلسطين الانتدابية وجوارها العربي والإسلامي.

ما بعد الإبادة ليس “مرحلة لاحقة”، بل حالة ممتدة تعيد تشكيل السياسة، والذات، والمعنى، واللغة، والزمن، والعلاقات الاجتماعية، والأسرية. لذلك، لا يُطرح سؤال العيش بوصفه استئنافا للحياة السابقة، بل بوصفه إعادة تعريف للحياة ذاتها داخل عالم كشف عن بنيته الإبادية. هنا يصبح السؤال: كيف يمكن لكل صباح عادي أن يكون فعل مقاومة ضد منطق الإبادة؟

2.1 العيش كفعل سياسي

في هذا السياق، يصبح الاستمرار في الحياة، حين تُصمَّم المنظومة لإفراغها من شروطها، تحديا مباشرا لمنطق الإبادة. العيش هنا ليس انسحابا من السياسة، بل أعمق أشكال الاشتباك معها.

ليس العيش بمعناه البيولوجي، بل العيش الذي يرفض العبودية، ويُصرّ على الكرامة، والمعنى، والذاكرة. فهل يمكن للروتين اليومي أن يكون شكلا من أشكال السياسة والمقاومة؟ وكيف يمكن للفعل البسيط، مثل الاستمرار في الحياة، أن يكون مواجهة لمنطق الإبادة؟

3.1 العيش كشهادة

العيش يتحول إلى شهادة: شهادة على الجريمة، وعلى فشل العالم في منعها، وعلى قدرة الإنسان على البقاء دون أن يفقد إنسانيته. العيش، بهذا المعنى، ليس نجاة فردية، بل فعل سياسي وأخلاقي يُبقي السؤال حيا.

فكيف يمكن للحياة اليومية أن تتحول إلى شهادة ضد الظلم والفشل العالمي؟ وهل نعيش فقط للبقاء أم لنقول للعالم: هذه كرامتنا ووجودنا حق؟

4.1 الجسد بوصفه ساحة السياسة الأخيرة

شاب فقد ساقه ينتظر دوره أمام عيادة مكتظة. حين يُسأل عن اسمه، يذكره كاملا. لا يكتفي باللقب الذي التصق به منذ الإصابة. الإصرار على الاسم ليس حنينا، بل رفضا هادئا لأن يُختزل جسده إلى وظيفة، أو حياته إلى ملف.

في نظام الإبادة، لا يكون الجسد مجرد ضحية للعنف، بل ساحة يُدار عليها الصراع: يُستهدف، يُضبط، يُجَوَّع، يُصاب، ويُترك ليحمل الندوب بوصفها رسائل ردع. غير أن الجسد ليس مادة خام للقتل فقط، بل قدرة على الفعل، حتى في أكثر أشكالها هشاشة. الاستمرار في الأكل، الحركة، التعلم، العلاج، والحفاظ على الإيقاع اليومي للحياة، أفعال تبدو بسيطة، لكنها في سياق الإبادة ممارسات سياسية بامتياز. اللحظة التي نرى فيها الجسد يتحمل أكثر مما يحتمل، تطرح تساؤلا أساسيا: ما الدور السياسي للذات حين تتحول البنى إلى أدوات للسيطرة؟ وكيف يمكن للجسد أن يكون مسرحا للمقاومة اليومية؟ وهل مجرد الحفاظ على القدرة على الحركة والعمل يعني مقاومة؟ ولماذا؟

5.1 مركزية العقل مقابل الجسد

الجسد الذي ينجو لا يفعل ذلك بوصفه ناجيا صامتا، بل بوصفه ذاكرة حيّة لا يمكن أرشفتها أو إدارتها بالكامل. في عرجته، وفي تعبه، وفي صموده الصامت، يكشف حدود القوة التي تسعى إلى تحويل الإنسان إلى رقم أو أثر جانبي. بهذا المعنى، لا يكون الجسد شاهدا على الإبادة فحسب، بل فاعلا يربك منطقها، لأنه يواصل الحياة حيث صُمِّمت السياسات لقطعها. فكيف يمكن للعقل والجسد معا مقاومة محاولات الاختزال والرقابة على الحياة؟ وهل يمكن للذاكرة الجسدية أن تكون أداة سياسية؟ وكيف؟

6.1 استعادة الذات من منطق الأداتية

العقل الأداتي الذي يقود الإبادة لا يدمّر الأجساد فقط، بل يعيد تشكيل الذوات: يقيس المشاعر، يدير الحزن، ويبرمج الغضب. في مواجهته، يصبح العيش استعادة للذات من كونها موضوعا للإدارة. الذات التي ترفض أن تُختزل إلى: ضحية، رمز، رقم، أو ورقة تفاوض. كيف يمكننا استعادة ذواتنا في مواجهة سياسات الإدارة والتحكم؟ وهل رفض الاختزال إلى رقم أو رمز هو شكل من أشكال المقاومة اليومية؟

7.1 الذاكرة ضد الإدارة

الذاكرة ليست استذكارا للماضي، بل فعل مقاومة ضد محو المعنى. العقل الإبادي يسعى دائما لاختزال الذاكرة في أرقام، مناسبات، أو أرشيف بارد. في المقابل، تبقى الذاكرة الحية حقل حياة لا يُدار ولا يُغلق. فكيف يمكن للذاكرة أن تصبح قوة حية تحمي الإنسان من الاختزال والإدارة؟ وهل يمكن لكل منا أن يحافظ على ذاكرته كأداة مقاومة؟

8.1 الأخلاق بعد انكشاف الزيف

بعد انكشاف زيف الخطاب الأخلاقي العالمي، يبرز السؤال: هل يمكن استعادة الأخلاق دون السقوط في المثالية؟ الأخلاق هنا ليست خطابا، بل ممارسة يومية: في اللغة، في الاختيارات، وفي شكل المقاومة ذاته. فحين تُفصل المقاومة عن بعدها الإنساني، أو تُقاس بجدواها فقط، تتحول إلى أداة داخل اقتصاد العنف نفسه.

كيف يمكن أن تتحول الأخلاق إلى فعل يومي، وليس مجرد خطاب نظري؟ وهل يمكن أن تكون مقاومة الظلم مرتبطة بقراراتنا اليومية، وليس فقط بالسياسة الكبرى؟

9.1 رفض اليأس المُدار

ليس هناك وعد بخلاص قريب، ولا سيناريوهات انتصار. لكننا نرفض اليأس المُدار: ذاك الذي يُقدَّم بوصفه عقلانية أو حكمة أو نضجا سياسيا.

الأفق هنا ليس نهاية سعيدة، بل قدرة مستمرة على الرفض: رفض التطبيع مع القتل، ورفض الصمت، ورفض اختزال الإنسان في ضحية ورقم.

في اجتماع إغاثي، يقترح أحدهم إيقاف دعم التعليم “حتى تهدأ الأمور”. لا يعترض أحد بصوت عال. بعد الاجتماع، تُخرج معلمة دفاتر قديمة وتكمل الدرس لخمسة أطفال. لا تفعل ذلك لأنها تؤمن بالنصر، بل لأنها ترفض أن يكون التعليق الدائم للحياة هو التعريف الوحيد للعقلانية. كيف يمكن للفعل اليومي البسيط أن يكون رفضا لليأس الموجّه؟ وهل نحتاج إلى انتظار الخلاص أم يمكننا بناء المقاومة من تفاصيل الحياة اليومية؟

10.1 العيش في عالم يُنتج العنف قسرا

لا يمكن للعيش بعد الإبادة أن يتجاهل حقيقة أن العنف لم يعد استثناء، بل صار بيئة مفروضة. غير أن الاعتراف بواقع العنف لا يعني التطبيع معه، ولا تحويله إلى هوية أو معيار للسياسة. الخطر لا يكمن في العنف بوصفه فعلا دفاعيا مفروضا، بل في تحوّله إلى منطق شامل يعيد تشكيل الذات، واللغة، والعلاقات، بحيث يصبح الإنسان امتدادا للأداة التي تواجهه.

التحدي بعد الإبادة ليس إنكار العنف ولا تمجيده، بل منع العنف من أن يحتكر تعريف الفعل السياسي، أو أن يعيد إنتاجنا وفق منطقه الأداتي: حساب الكلفة، تجريد الإنسان، وتبرير كل شيء باسم الضرورة. العيش، هنا، هو مقاومة هذا الاختزال تحديدا: أن نحمي إنسانيتنا ونحن نواجه عالما ينكرها، وألا نسمح لمنطق الإبادة – حتى حين نقاومه – أن يصبح منطقنا نحن.

كيف يمكن أن نعيش ونقاوم العنف اليومي دون أن نكون امتدادا لمنطق القمع ذاته؟ وهل العيش بكرامة وسط العنف يُعد فعلا سياسيا؟ ولماذا؟

ثانيا: انكسار الزمن بوصفه بنية استعمارية

1.2 الزمن كميدان صراع

انكسار الزمن ليس حالة شعورية أو تأملا فلسفيا، بل نتاج بنية استعمارية تعطل المستقبل، وتحول الحاضر إلى تكرار قسري. الاستعمار لا يسرق الأرض فقط، بل يسرق الزمن: يُفرغ السياسة من أفقها، ويحوّلها إلى إدارة انتظار.

جيل كامل يعرف أعمار أطفاله، لكنه لا يعرف متى سيتخرجون، أو أين سيعملون، أو إن كان لهم مستقبل يمكن التخطيط له. ليس لأنهم فقدوا الأمل، بل لأن الزمن نفسه صار معلقا بقرار لا يملكونه. كيف يمكن للفرد والمجتمع استعادة زمن يمكن فيه التخطيط للحياة والمستقبل؟ وهل نحن مجرد متلقين للزمن أم يمكننا إعادة تشكيله؟

2.2 وهم “المرحلة” ووهم “الشرعية”

تحوّلت “المرحلة الانتقالية” في أوسلو إلى إقامة دائمة، وتحول الزمن نفسه إلى أداة ضبط واستنزاف. ليست المشكلة فقط في تآكل الشرعية الدولية، بل في وهمها. السياسة بعد الإبادة لا يمكن أن تُبنى على انتظار اعتراف منظومة دولية كشفت عن تواطئها البنيوي. السياسة الجديدة تبدأ من مساءلة شروط الفعل، لا من البحث عن إذن.

كيف يمكن أن نتحرك سياسيا دون انتظار اعتراف النظام الدولي؟ وهل واجبنا أن نخلق شرعيتنا الخاصة عبر الفعل، أم ننتظر الإذن من الخارج؟

ثالثًا: إعادة التأسيس بوصفها مسارات لا مشروعا شاملا

1.3 من تعميم السياسة إلى مساءلة المجتمع

نحن نعمّم حين نتحدث عن “السياسة الفلسطينية” بوصفها كتلة واحدة خارج الزمن. هذا التعميم، رغم قوته النقدية، قد يوحي بأن كل ما هو سياسي قد استُنفد بالكامل، دون تمييز بين مستويات الفعل: الرسمي، الشعبي، الثقافي، المقاوم. الأخطر أننا ننتقد السلطة والبنية واللغة بعمق، لكننا نتساهل في مساءلة الذات المجتمعية: التكيّف، الاعتياد، إعادة إنتاج الخطاب، الخوف من القطيعة، وقبول الممكن بوصفه قدرا. إدخال هذا البعد يعيد المسؤولية إلى الحيز المجتمعي الأوسع.

النظام الذي يحتكر السلطة والقوة والثروة ليس وحده المسؤول، النخب السياسية والثقافية والمجتمع الذي يتكيف مع ذلك ويقبل التطويع مع تغول النظام يتحمل أيضا مسؤولية موازية. فمقولة إن “الناس على دين ملوكهم” لا تستوي دون استكمالها بحقيقة “كما تكونوا يول عليكم”. إلى أي مدى يتحمل المجتمع مسؤولية إعادة إنتاج منطق النظام؟” وكيف يمكننا مساءلة الذات الفردية والمجتمعية ضمن هذا السياق؟

2.3 من نفي القديم إلى تخيّل الممكن

نكرر، بحق، أن إعادة التأسيس ليست نظاما جديدا يعاد تدويره، وليس توافقا فصائليا، ولا حزبا جديدا، ولا مؤتمرات ولا انتخابات معزولة، ولا بيانا وحدويا.

النموذج السياسي الذي حكم الفعل الفلسطيني لعقود مصاب بعطب بنيوي تراكم على مدى عقود وكشفت الإبادة استنفاد مداه، ولا مجال لترميمه. لكن الاعتراف بذلك وحده غير كاف، فالمعرفة بما ليست عليه عملية إعادة التأسيس لا تعفينا من المهمة الأصعب: ما هي مواصفات وشروط إعادة التأسيس التي لا تعيد تدوير القديم بحلة جديدة؟

هنا يجب التوقف عند حقيقة أن لا أحدا يمتلك تصورا شاملا لما ينبغي أن تكون عليه. يزداد الأمر تعقيدا في زمن العولمة السائلة، وتفكك البنى الداخلية، وتداخل الصراعات القومية والطبقية. فيصبح السؤال: كيف تبدأ إعادة التأسيس بوصفها مسارا تاريخيا متدرجا؟ وما هو دور كل فرد في تخيّل الممكن بدلا من انتظار الحلول الجاهزة؟ وكيف يمكننا تحويل معرفة ما ليست عليه إعادة السياسة إلى خطوات عملية لإعادة البناء السياسي؟

4.3 مستويات العمل المتوازية

المستوى الفكري/اللغوي

تحرير اللغة السياسية من المصطلحات المستهلكة: “المرحلة الانتقالية”، “الشرعية”، “التمثيل”. وربطها بتجارب فلسطينية ملموسة. مقاربة هذا الموضوع تحتاج إلى خبراء متخصصين مسيسين، لا يتعاملون مع المفاهيم وفقا لاعتبارات تقنية بحتة، فالعلوم الإنسانية غير محايدة، والخبرات التقنية مهمة لكنها قد تكون ضارة إن افتقرت المعرفة الفنية للوعي السياسي.

هل اللغة التي نستخدمها تصنع واقعنا أم تعكسه فقط؟ وكيف يمكننا تطوير لغة سياسية تعيد ربط السياسة بالحياة اليومية؟

. المستوى التمثيلي

مساءلة فكرة التمثيل نفسها: من يمثل من؟ وبأي آليات؟ ولمصلحة أي أفق؟ والاعتراف بالهشاشة وبتعدد الفاعلين بدل ادعاء التمثيل الكلي. هذا الموضوع يحتاج إلى خبراء في القانون والسياسة والعلوم الاجتماعية، ومعرفة وثيقة بالقانون الدولي والإنساني، لاستشراف سبل التكيف الإيجابي لتلافي الصدام، دون إغفال حقيقة أن قواعده نتاج موازين قوى مختل لصالح القوى الدولية المتنفذة التي قسمت العالم وفق الأعراق والألوان والأديان ومركزية العرق الأبيض.

من يمثلنا فعليا في السياسة اليومية؟ وكيف يمكننا بناء تمثيل حقيقي متعدد ومستقل عن منطق الاحتكار السياسي؟

. المستوى الاجتماعي

إعادة وصل السياسة بالحياة اليومية: المعيشة، التوازن المجتمعي الحافظ للتماسك والاستقرار / اللاصق الوطني والمواطنة/ التكافل الأسري، العمل التطوعي، شبكات الدعم، والمبادرات المحلية.

استعادة دور ومسؤوليات الإدارة الحكومية والعامة تجاه المواطنين، في الأمن والتعليم والصحة والرعاية الاجتماعية. فهي الوظائف الرئيسية المناطة بالحكومات، والعقد الاجتماعي الناظم بعلاقاتها بالمواطنين ليسوا كرعايا أو عبئا، وإنما كشركاء في الوطن والقرار والمصير، ومصدر حصري لشرعية الحكام.

إصلاح السياسات التعليمية والثقافية بما يمكن من إنهاء الاغتراب المعرفي للأجيال الفلسطينية الفتية بتاريخها وتراثها وحضارتها الأصيلة، ويمكنها من مواكبة التقدم العلمي والتقني، ويعزز الابتكار والتفكير النقدي بلغتها، فاللغة هي وعاء العقل والتفكير، ومن لا يفكر بلغته يفكر بعقل غيره. وفي هذا الإطار ينبغي مراجعة سياسة التعليم الحكومي الذي ينبغي إيلاءه الأولوية الأولى، سياسية وإنفاقا ومناهج وموارد بشرية مؤهلة، وإتاحته للعامة مجانا، وإصلاح سياسات التعليم الخاص وإخضاعه للسياسات، والضوابط، والمساءلة الوطنية، والتربوية، والقانونية.

إصلاح السياسات الصحية بما يضمن الحق المتساوي لجميع المواطنين في الرعاية الصحية.

إصلاح سياسات النقل والمواصلات والاتصالات بما يوفر البنى التحتية المؤهلة ووسائل النقل العام والوصول المتكافئ للمواطنين للمعلومات.

كيف يمكن للمواطن أن يشارك في تحسين الخدمات اليومية رغم القيود السياسية والاقتصادية؟ وهل نعتبر أنفسنا شركاء أم متلقين فقط للخدمات والسياسات؟ وكيف يمكن للعمل المجتمعي الصغير أن يؤثر على إعادة بناء العقد الاجتماعي؟

المستوى الاقتصادي

مزارع أُجبر على ترك القمح لزراعة محصول تصديري لا يستطيع تصريفه، موظف حكومي مستقر اسميا، يموّل الاستهلاك عبر القروض. صاحب مصنع صغير أُغلق بسبب الإغراق الاستيرادي.

نجّار يعمل أربع عشرة ساعة يوميا في مدينة محاصرة. لا يملك ورشة مسجلة، ولا تأمينا صحيا، ولا عقدا مستقرا. حين يُسأل لماذا لا يوسّع عمله، يجيب ببساطة: الخشب مستورد، الكهرباء غير مضمونة، والطلب متقلب. لكنه في نهاية الشهر يدفع ضريبة قيمة مضافة على كل أداة، وكل قطعة خشب، وكل فاتورة. لا يدفع ضريبة دخل، ليس لأنه متهرب، بل لأنه خارج تعريف “الدخل المستقر” أصلا. هذا العامل ليس خارج الاقتصاد، بل في قلب نموذج اقتصادي صُمّم ليبقي الإنتاج هشا، والاستهلاك مرتفعا، والاعتماد دائما.

لا يمكن إعادة تأسيس زمن سياسي جديد دون فك الارتهان الاقتصادي والمعيشي الفلسطيني للاقتصاد الصهيوني والتمويل الدولي المشروط. الاقتصاد الفلسطيني القائم ليس اقتصادا ناقص السيادة فحسب، بل اقتصاد مُعاد تصميمه ليخدم منطق السيطرة: تحويل المجتمع إلى سوق استهلاكية، وتجفيف الإنتاج المحلي، وربط العمل الفلسطيني بسوق العمل الإسرائيلية، وتحويل المالية العامة إلى أداة لإدارة العجز لا لمعالجة أسبابه.

النظريات الاقتصادية التي رُوّج لها منذ أوسلو – اقتصاد السوق المفتوح، الميزة النسبية، التصدير بدل إحلال الواردات – لا تصلح في سياق استعمار استيطاني إحلالي يسيطر على الأرض، والموارد، والحدود، وحركة السلع، والأشخاص. في هذا السياق، لا تكون هذه السياسات “خيارات اقتصادية”، بل آليات تفكيك للمناعة المجتمعية.

ما الخيارات المتاحة لتعزيز الإنتاج المحلي رغم القيود؟ وكيف يمكن للأفراد والمجتمع أن يطوروا الاقتصاد الوطني ويقللوا الاعتماد على اقتصاد الاحتلال والتمويل الخارجي المشروط؟

هيكل النظام الضريبي مثال صارخ على ذلك: اعتماد شبه كلي على الضرائب غير المباشرة التي تساوي في العبء بين الفقير والمقتدر94/ /%مقابل هامش ضئيل للضرائب المباشرة التي يُفترض أن تعكس القدرة على الدخل %6 / / هذا الاختلال لا ينتج فقط ظلما اجتماعيا، بل يعيد إنتاج اقتصاد هش، واسع القاعدة الاستهلاكية، ضعيف القدرة الإنتاجية، وعالي القابلية للانفجار الاجتماعي.

من هنا، لا تكون إعادة توجيه الاقتصاد نحو تلبية الحاجات الأساسية، وتعزيز الإنتاج المحلي، وتقليص الاستهلاك الترفي، واستعادة صيغ العمل التعاوني، إجراءات تقشفية أو أخلاقية، بل شروط بقاء سياسي. فالمجتمع الذي يُدفع للاستهلاك أكثر مما ينتج، وللإنفاق أكثر مما يملك، يُنزَع عنه الزمن قبل أن تُنزَع عنه الأرض. فهل يمكن تحويل المعاناة الاقتصادية الناجمة عن العطب البنيوي بسبب سوء الخيارات إلى فعل سياسي مستمر؟

رابعا: من يبدأ؟ الفاعلون بوصفهم شبكات لا مركزا

سؤال الفاعلين لا يمكن تأجيله إلى ما بعد اكتمال الرؤية، لكنه لا يُجاب بمنطق القيادة الواحدة أو الجهة المخوّلة. في واقع التفكك السياسي، وضعف المناعة الاقتصادية، وانكسار التمثيل، لا يبدأ الفعل من مركز، بل من تعدد مواقع الفعل. يبدأ من حيث تتقاطع الحاجة مع القدرة، والمعرفة مع المسؤولية.

هل يمكن لكل فرد أن يحدد موقعه في شبكة الفعل السياسي دون انتظار مركز أو قيادة؟

1.4 الفاعلون في مسار إعادة التأسيس ليسوا بديلا عن السياسة ولا نواة سلطة جديدة، بل شبكات متقاطعة: مفكرون ومنتجو معرفة، مهنيون وخبراء، مبادرات مجتمعية، نقابات، مجموعات شبابية، أطر ثقافية، وفاعلون اقتصاديون محليون. لا يجمعهم برنامج واحد ولا قيادة واحدة، بل التزام مشترك بعدم إعادة إنتاج منطق الاحتكار، وبربط الفعل السياسي بالحياة اليومية.

كيف يمكن لكل فاعل أن يساهم في شبكة متعددة دون أن يفقد دوره أو تأثيره؟

2.4 أمثلة على الفعل الشبكي

٠ مبادرة شبابية في مخيم رفح تنظم ورش تعليمية للأطفال بعد المدرسة، تعلمهم القراءة والرياضيات، وتفتح مساحة للنقاش حول التاريخ الفلسطيني ومهارات التفكير النقدي. كيف يمكن لكل فرد أن يكون جزءا من هذه الشبكات؟

٠ نقابة معلمين تضغط على وزارة التعليم لتحسين شروط المدارس المتضررة من القصف، وتنسق جهود دعم الطلاب الضعفاء في الحصص المدرسية.

هل يكفي العمل المحلي لمواجهة الفراغ السياسي أم يجب التفكير في روابط أوسع؟

٠ مجموعة نساء في المخيمات تشرف على توزيع المساعدات الغذائية للأسر المحتاجة، وتطور خطة لتخفيف آثار الانقطاع المستمر للكهرباء والماء.

كيف يمكن للأعمال المجتمعية اليومية أن تتحول إلى فعل سياسي مستمر؟

3.4 الكلفة والمسؤولية المشتركة

هذه الأمثلة تظهر كيف يمكن للشبكات غير المركزية أن توازن بين الفرد والجماعة، وتربط السياسة بالحياة اليومية دون انتظار مركز رسمي أو قيادة موحدة. أما الكلفة، فلا تُحمَّل لجهة واحدة، ولا تُخفى خلف خطاب التضحية. الكلفة موزعة: وقتا، وموارد، وسمعة، وأمانا شخصيا. والشرط الأخلاقي لأي فعل تأسيسي هو الاعتراف بالكلفة علنا، وتوزيعها بعدل، ومنع تحويلها إلى عبء دائم على الفئات الأكثر هشاشة.

هل نحن مستعدون لتحمل الكلفة المشتركة للفعل السياسي دون تحميلها على الآخرين؟

4.4 مشاركة المتخصصين والمجتمع المدني

هذه أمثلة لحقول تحتاج إلى انخراط جماعي للمفكرين والباحثين والمثقفين والفنيين في استشراف ممكناتها في ضوء المعرفة العلمية وتجارب الشعوب، والتجارب الفلسطينية.

فالناس لا ينخرطون في السياسة بوصفها خطابا، بل بوصفها استجابة لحاجاتهم الأساسية. وهي أمثلة لما يقع في نطاق الممكن عمله لإعادة التأسيس، والتي يحتاج تناولها إلى انخراط جماعي للمتخصصين، والخبراء، والنشطاء داخل الوطن وخارجه.

كيف يمكن أن نضمن مشاركة متنوعة ومستدامة للمختصين والمجتمع المدني في عملية إعادة التأسيس؟

خامسا: من الوعي إلى الممارسة: أول فعل سياسي

1.5 الأفعال الصغيرة اليومية

في مساءٍ بلا أفق واضح، يُطفئ رجلٌ الضوء في غرفة لم تعد تتسع لكل أفراد العائلة. ليس لأن الكهرباء انقطعت، بل لأن الغد يحتاج إلى ما تبقّى من القدرة. قبل أن ينام، يضع دفترا صغيرا قرب الباب: أسماء، ملاحظات، أرقام غير مكتملة. لا خطة شاملة، ولا وعد. فقط محاولة لئلا يبدأ الغد من الصفر تماما.

كيف يمكن للأفعال الصغيرة اليومية أن تتحول إلى فعل سياسي مؤثر؟

2.5 الفعل اليومي كممارسة سياسية

ما يبدو فعلا بسيطا، هو في الواقع نقطة بداية: كيف يمكن للفعل اليومي أن يصبح ممارسة سياسية تحمي الحياة من منطق الإبادة؟ وما هي الخطوة الصغيرة التي يمكن لكل فرد القيام بها اليوم لتغيير واقعه السياسي؟ أي التفاصيل اليومية التي نراها عادية تحمل في طياتها إمكانية مقاومة منطق الإبادة؟

3.5 السياسة المرتبطة بالوعي اليومي

هكذا يبدأ الفعل السياسي بعد الإبادة: لا ببيان، ولا بمشروع مكتمل، ولا بإجماع مؤجَّل، بل بإصرار صامت على ربط الحياة بالمعنى، والزمن بالفعل، والسياسة بالحاجات اليومية. فهل نحن مستعدون للبدء بفعل سياسي صامت متدرج بدلا من انتظار خطة شاملة؟

الانتقال من التشخيص إلى التأسيس لا يحدث بقرار، بل بتحويل الوعي إلى ممارسة، والنقد إلى مسار، والرفض إلى أفعال صغيرة قابلة للتراكم. هل نحن مستعدون للبدء بفعل سياسي صامت متدرج بدلا من انتظار خطة شاملة؟ وكيف يمكننا تحويل وعينا اليومي إلى ممارسات سياسية قابلة للتراكم؟

4.5 الزمن السياسي وإعادة إنتاج الفعل

لم يعد السؤال لماذا السياسة الفلسطينية خارج زمنها، بل كيف نعيد إنتاج زمن يمكن للسياسة أن تعمل داخله دون أن تعيد إنتاج منطق الإبادة، أو تتحول إلى إدارته بأدوات أخرى. هذا الزمن لا يُمنَح، ولا يُنتظر، بل يُنتَزع ببطء: من اللغة، ومن الاقتصاد، ومن الجسد، ومن تفاصيل العيش اليومية. كيف يمكننا استعادة الزمن السياسي في حياتنا اليومية لتمكين الفعل الجماعي؟

5.5 مساءلة شروط الفعل السياسي

إعادة التأسيس، بهذا المعنى، ليست لحظة قطيعة فجائية، بل عملية تاريخية طويلة، تبدأ حين نكفّ عن البحث عمّن يملك الشرعية، ونبدأ بمساءلة شروط الفعل نفسها. وحين تصبح السياسة استجابة للحياة، لا خطابا فوقها، يمكن للزمن أن يتحرك من جديد، لا بوعد الخلاص، بل بقدرة مستمرة على الرفض، وعدم المحو. وعندها فقط تنتزع الشرعية لمستحقيها، ويستعيد الحامل السياسي الفلسطيني قدرته على حماية الفعل التحرري.

كيف يمكن لكل واحد منا مساءلة شروط الفعل السياسي دون انتظار تفويض أو شرعية خارجية؟ فإذا كان منطق الإبادة يعمل على محو الإنسان عبر إدارة حياته، فأين نضع نحن حدود المشاركة، والرفض، والعيش بوصفه فعلا سياسيا لا يُدار؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى