د. عمرو حمزاوي: نقاشات ميونيخ.. بحث الأوروبيين عن الاستقلالية الاستراتيجية
د. عمرو حمزاوي 17-2-2026: نقاشات ميونيخ.. بحث الأوروبيين عن الاستقلالية الاستراتيجية
لم يكن انعقاد مؤتمر ميونيخ للأمن في فبراير 2026 حدثًا دوريًا عابرًا في روزنامة الاجتماعات الأمنية الدولية، بل جاء هذه المرة محمّلًا بدلالات أعمق تتجاوز النقاشات التقليدية حول إدارة الأزمات إلى مساءلة البنية ذاتها التي قامت عليها الشراكة عبر الأطلسي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. ففي ظل تصاعد الشكوك الأوروبية إزاء توجهات إدارة دونالد ترامب، بدا المؤتمر كمنصة لإعادة تعريف مفهوم الأمن الأوروبي، ولمراجعة الافتراضات التي حكمت اعتماد القارة لعقود طويلة على المظلة الأمريكية داخل حلف شمال الأطلسي.
التحول الذي ظهر في ميونيخ لم يكن وليد لحظة انفعالية أو رد فعل ظرفي، بل نتيجة تراكم إدراكي وسياسي داخل العواصم الأوروبية مفاده أن البيئة الدولية دخلت طورًا جديدًا يتسم بتراجع اليقين الاستراتيجي، وبانحسار قابلية القوى الكبرى لتحمل أعباء النظام الدولي كما تشكل بعد عام 1945.
هذا الإدراك تعزز مع الخطاب الصادر عن الإدارة الأمريكية الحالية، الذي أعاد التأكيد على أولوية الداخل الأمريكي، وعلى ضرورة أن يتحمل الحلفاء نصيبًا أكبر من أعباء الدفاع الجماعي، بل وأوحى في بعض مواقفه بأن الالتزامات التقليدية لم تعد مُسلّمات غير قابلة للمراجعة.
في هذا السياق، لم يعد الحديث الأوروبي عن “الاستقلالية الاستراتيجية” مجرد مفهوم نظري أو شعار سياسي يُستخدم لتحسين شروط التفاوض مع واشنطن، بل أصبح إطارًا عمليًا لإعادة بناء القدرات الدفاعية والصناعية والتكنولوجية للقارة. النقاشات التي شهدها المؤتمر عكست انتقالًا تدريجيًا من منطق الاطمئنان إلى الضمانة الأمريكية، إلى منطق التحوط إزاء احتمال تآكل هذه الضمانة أو إعادة تعريفها بشروط أمريكية أحادية. وهذا الانتقال لا يعني قطيعة مع الولايات المتحدة، وإنما إعادة تموضع تسعى من خلاله أوروبا إلى تقليص فجوة الاعتماد الاستراتيجي.
المداولات الرسمية وغير الرسمية في ميونيخ كشفت عن ثلاثة مسارات متداخلة تشكل في مجموعها حصادًا سياسيًا للمؤتمر. المسار الأول يتمثل في السعي إلى تعزيز الإنفاق الدفاعي الأوروبي بصورة مستدامة، ليس فقط استجابة لضغوط أمريكية قديمة بشأن تقاسم الأعباء، بل انطلاقًا من قناعة متزايدة بأن الردع الفعّال يتطلب قدرات ذاتية قابلة للاستخدام دون انتظار قرار من خارج القارة. المسار الثاني يرتبط ببناء قاعدة صناعية دفاعية أوروبية أكثر تكاملًا، قادرة على إنتاج منظومات تسليح متقدمة وتقنيات استراتيجية دون اعتماد مفرط على سلاسل إمداد عابرة للأطلسي. أما المسار الثالث فيتعلق بإصلاح آليات اتخاذ القرار داخل الاتحاد الأوروبي بما يسمح بسرعة أكبر في الاستجابة للأزمات، وبدرجة أعلى من التماسك السياسي.
اللافت أن هذا التوجه لم يعد مقتصرًا على دول بعينها طالما دفعت نحو الاستقلالية، بل بات يحظى بقبول أوسع داخل طيف متنوع من الحكومات الأوروبية. صحيح أن درجات الحماس تختلف، وأن بعض الدول لا تزال ترى في المظلة الأمريكية عنصرًا لا بديل عنه، إلا أن القاسم المشترك الذي برز في ميونيخ هو الإقرار بأن الاعتماد الأحادي لم يعد خيارًا آمنًا في بيئة دولية تتسم بالسيولة والتنافس الحاد بين القوى الكبرى.
من الناحية المفاهيمية، يمكن القول إن أوروبا انتقلت من مرحلة “تقاسم القيادة” داخل الحلف الأطلسي إلى مرحلة البحث عن “قدرة على القيادة الذاتية” عند الضرورة. الفارق بين المرحلتين جوهري؛ ففي الأولى، كانت أوروبا فاعلًا مهمًا لكنه يعمل ضمن بنية تقودها واشنطن. أما في الثانية، فهي تسعى إلى امتلاك خيار التحرك المستقل إذا ما اقتضت الظروف، سواء تعلق الأمر بإدارة نزاع في الجوار الأوروبي، أو بالتصدي لتهديدات هجينة تشمل الفضاء السيبراني والطاقة وسلاسل الإمداد.
غير أن هذا التحول لا يخلو من إشكاليات. فتعزيز الاستقلالية الدفاعية يطرح أسئلة حول العلاقة المستقبلية مع حلف شمال الأطلسي: هل ستُفضي الجهود الأوروبية إلى ازدواجية في الهياكل العسكرية، أم إلى تكامل أكثر توازنًا داخل الحلف؟ كما يثير تساؤلات حول القدرات النووية الأوروبية، وحول ما إذا كانت الردعية الفرنسية يمكن أن تشكل ركيزة أوسع لأمن القارة. هذه الأسئلة لم تُحسم في ميونيخ، لكنها طُرحت بوضوح غير مسبوق، ما يعكس حجم القلق الذي بات يلازم صناع القرار الأوروبيين.
إلى جانب البعد العسكري، أظهر المؤتمر إدراكًا متناميًا بأن الاستقلالية الاستراتيجية لا يمكن اختزالها في زيادة الإنفاق الدفاعي. فهي تتطلب سياسات صناعية وتكنولوجية متكاملة، واستثمارات في البحث العلمي، وتعزيزًا لقدرات الابتكار في مجالات الذكاء الاصطناعي والفضاء والأمن السيبراني. كما تتطلب توافقًا سياسيًا داخليًا حول تعريف المصالح الأوروبية المشتركة، وهو أمر ليس يسيرًا في ظل تباينات جيوسياسية وتاريخية بين دول الشمال والجنوب، والشرق والغرب.
في الوقت ذاته، سعت الإدارة الأمريكية إلى تبديد المخاوف الأوروبية عبر تأكيد التزامها بالمادة الخامسة من ميثاق الحلف، غير أن هذه التطمينات لم تُزل بالكامل الشكوك المتراكمة. فالمشكلة في نظر كثير من الأوروبيين لا تتعلق بتصريح محدد، بل بنمط أوسع من التفكير الاستراتيجي الأمريكي يربط الالتزامات الخارجية بحسابات داخلية متقلبة، ويُبقي الباب مفتوحًا أمام إعادة تعريف دور الولايات المتحدة في العالم وفق أولويات ضيقة.
من هنا يمكن فهم الحصاد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ باعتباره لحظة وعي أوروبي بحدود الرهان على استمرارية النظام الأطلسي بصيغته التقليدية. هذا الوعي لا ينطوي على نزعة انفصالية، بل على رغبة في إعادة توازن العلاقة بحيث تقوم على قدر أكبر من التكافؤ. فالشراكة المتوازنة، في نظر الأوروبيين، لا تعني مساواة حسابية في القدرات فحسب، بل استقلالية في القرار تتيح للقارة الدفاع عن مصالحها حتى في حال تباينت مع الأولويات الأمريكية.
يبقى السؤال الأهم: هل تمتلك أوروبا الإرادة السياسية والقدرة المؤسسية لترجمة هذا التحول إلى واقع ملموس؟ التجارب السابقة تشير إلى أن الطموحات الأوروبية كثيرًا ما اصطدمت بحسابات السيادة الوطنية وبالتردد إزاء نقل صلاحيات إضافية إلى المستوى فوق القومي. غير أن ما تغيّر اليوم هو حجم التهديدات وتآكل اليقين. فالحرب في أوكرانيا، وتصاعد التوترات الجيوسياسية، والشكوك في استدامة الالتزامات الأمريكية، كلها عوامل تضغط باتجاه تسريع الخطى.
في تقديري، أن ما شهده مؤتمر ميونيخ هذا العام يمثل بداية مرحلة انتقالية في الأمن الأوروبي، عنوانها إعادة تعريف العلاقة بين الشراكة والاستقلالية. وإذا ما نجحت أوروبا في تحويل النقاشات إلى سياسات تنفيذية، فإن السنوات المقبلة قد تشهد تشكّل عمود أوروبي أكثر صلابة داخل المنظومة الغربية. أما إذا تعثرت هذه الجهود، فسيظل الحديث عن الاستقلالية الاستراتيجية أقرب إلى طموح مشروع منه إلى واقع متحقق. هكذا، يمكن القول إن ميونيخ لم يقدّم حلولًا نهائية بقدر ما كشف عن تحوّل ذهني وسياسي عميق داخل القارة الأوروبية. وهو تحوّل سيظل مرهونًا بقدرة الأوروبيين على تجاوز خلافاتهم، وبمدى وضوح المسار الذي ستسلكه الولايات المتحدة في ظل إدارة ترامب. لكن المؤكد أن مرحلة الاطمئنان غير المشروط قد انتهت، وأن أوروبا دخلت زمن اختبار إرادتها الاستراتيجية وقدرتها على صياغة أمنها بيدها.



