د. عمرو حمزاوي: أمريكا وإيران: دور قوى الشرق الأوسط في تحفيز الحلول التفاوضية
د. عمرو حمزاوي 3-2-2026: أمريكا وإيران: دور قوى الشرق الأوسط في تحفيز الحلول التفاوضية
أعادت التحولات العميقة التي يشهدها الشرق الأوسط خلال العقد الأخير طرح سؤال الدور الذي يمكن أن تلعبه ما يُعرف بالقوى الوسيطة، أي الدول التي لا تنتمي إلى معسكرات الهيمنة الكبرى ولكنها تمتلك من القدرات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية ما يؤهلها للتأثير في مسارات الصراع والحرب والسلام. ويبرز هذا الدور على نحو خاص في ما يتعلق بإمكانية الإعداد لمفاوضات جديدة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، ليس فقط حول الملف النووي الذي ظل محور التفاعلات بين الطرفين منذ مطلع الألفية، بل أيضاً حول القدرات الصاروخية الإيرانية وسياسات طهران الإقليمية التي باتت عاملاً مركزياً في عدم الاستقرار الإقليمي. في هذا السياق، تبرز مصر والسعودية وتركيا وقطر والإمارات كقوى وسيطة تمتلك، كلٌ بدرجات متفاوتة، أدوات التأثير والوساطة، كما تمتلك مصلحة مباشرة في الحد من الانزلاق المتكرر نحو المواجهة العسكرية وبناء إطار أمني إقليمي أكثر استدامة.
لقد أثبتت التجربة أن الاقتصار على معالجة الملف النووي الإيراني بمعزل عن السياق الإقليمي الأوسع لا يؤدي إلا إلى حلول مؤقتة وهشة. فالاتفاق النووي لعام 2015، على الرغم من أهميته في كبح البرنامج النووي الإيراني مؤقتاً، تجاهل بشكل شبه كامل مخاوف دول المنطقة المرتبطة بالقدرات الصاروخية الإيرانية، وبشبكة التحالفات مع فاعلين من دون الدولة، من ميليشيات مسلحة إلى حركات عابرة للحدود. هذا التجاهل ساهم في تعميق فجوة الثقة بين الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين، وخلق انطباعاً واسعاً بأن التفاهمات الكبرى تُصاغ فوق رؤوس دول المنطقة، لا بالشراكة معها. من هنا تنبع أهمية الدور الذي يمكن أن تضطلع به القوى الوسيطة في إعادة ربط المسار التفاوضي الأمريكي–الإيراني بالاعتبارات الأمنية الإقليمية.
تحتل السعودية موقعاً محورياً في أي جهد من هذا النوع، بحكم ثقلها السياسي والاقتصادي ومكانتها في المنظومة العربية والإسلامية، وبحكم كونها من أكثر الدول تأثراً مباشرة بالسياسات الإقليمية لإيران. وقد أظهرت الرياض في السنوات الأخيرة ميلاً متزايداً إلى توظيف الدبلوماسية إلى جانب أدوات الردع، كما يتجلى في مسار التهدئة مع إيران بوساطة صينية. هذا التحول لا يعكس ضعفاً، بل إدراكاً متنامياً بأن الصراع المفتوح يستنزف الجميع وأن غياب إطار أمني إقليمي منظم يجعل المنطقة رهينة للتصعيد غير المحسوب. ويمكن للسعودية، في حال انخراطها في الإعداد لمفاوضات أمريكية-إيرانية، أن تلعب دوراً مزدوجاً: نقل الهواجس الخليجية بوضوح إلى واشنطن، وفي الوقت نفسه اختبار مدى استعداد طهران للانتقال من سياسة النفوذ عبر الوكلاء إلى سياسة أكثر مؤسسية وانضباطاً.
أما مصر، فتستند قدرتها على الوساطة إلى تاريخ طويل من العمل الدبلوماسي، وإلى موقعها كدولة مركزية غير منخرطة مباشرة في صراعات النفوذ الخليجية–الإيرانية. تمتلك القاهرة علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة، وقنوات تواصل مفتوحة – وإن كانت محدودة – مع طهران، فضلاً عن دور تقليدي في بلورة أفكار الأمن الإقليمي العربي. ويمكن لمصر أن تساهم على نحو خاص في بلورة التصور الأشمل للنظام الأمني الإقليمي، بما يتجاوز الترتيبات الثنائية أو شبه الثنائية، ويشمل قواعد واضحة للحد من التسلح، واحترام سيادة الدول، وضبط سلوك الفاعلين من دون الدولة. كما أن الخبرة المصرية في ملفات الوساطة، من غزة إلى ليبيا، تمنحها مصداقية في التعامل مع بيئات شديدة التعقيد.
تلعب تركيا دوراً أكثر إشكالية ولكن لا غنى عنه. فهي عضو في حلف شمال الأطلسي، وشريك أمني للولايات المتحدة، وفي الوقت ذاته تمتلك علاقات اقتصادية وسياسية وثيقة مع إيران، وتنافسها في بعض الساحات وتتقاطع معها في ساحات أخرى. هذا الموقع الوسيط – المتناقض يمنح أنقرة قدرة فريدة على نقل الرسائل بين الطرفين، لكنه في الوقت نفسه يفرض عليها تحدياً يتمثل في الفصل بين دور الوسيط ومصالحها الإقليمية الخاصة، لا سيما في سوريا والعراق. ومع ذلك، فإن انخراط تركيا في أي مسار تمهيدي لمفاوضات أوسع يمكن أن يسهم في ربط الملفات الأمنية ببعضها البعض، بدلاً من معالجتها في جزر تفاوضية منفصلة.
أما قطر والإمارات، فيمثلان نموذجين مختلفين ولكن متكاملين للقوة الوسيطة. فقد بنت قطر رصيدها الدبلوماسي على استضافة المفاوضات الصعبة وفتح قنوات مع أطراف متعارضة، بما في ذلك الولايات المتحدة وإيران وحركات ما دون الدولة. هذا الدور يمنحها قدرة عملية على تسهيل الاتصالات الخلفية والتمهيد لتفاهمات أولية. في المقابل، تستند الإمارات إلى نفوذ اقتصادي واسع وعلاقات متشعبة مع واشنطن وتل أبيب وطهران في آن واحد، وقد أظهرت في السنوات الأخيرة اهتماماً متزايداً بخفض التصعيد والانخراط في مقاربات أمنية واقتصادية طويلة الأمد. ويمكن لأبوظبي أن تسهم في إدخال البعد الاقتصادي–التنموي في أي تصور أمني إقليمي، بما يجعل الاستقرار مصلحة ملموسة لا شعاراً سياسياً مجرداً.
غير أن القيمة الحقيقية لدور هذه القوى الوسيطة لا تكمن فقط في تسهيل التفاوض حول ملفات محددة، بل في قدرتها الجماعية على الدفع باتجاه فكرة النظام الأمني الإقليمي بوصفها الإطار الضروري للحد من الحروب والصراعات. فغياب مثل هذا النظام هو ما أتاح، تاريخياً، سلوكيات مارقة لدول إقليمية كإسرائيل وإيران، سواء عبر الاستخدام المفرط للقوة العسكرية أو عبر تجاوز القواعد غير المكتوبة للاشتباك. وهو أيضاً ما سمح بازدهار دور الفاعلين من دون الدولة، من ميليشيات مسلحة إلى تنظيمات عابرة للحدود، وجعلها أدوات في صراعات إقليمية ودولية.
إن أي مفاوضات أمريكية–إيرانية جديدة، مهما كانت شاملة، ستظل معرضة للفشل ما لم تُدمج في رؤية أوسع تعترف بمصالح دول المنطقة وهواجسها الأمنية، وتضع قيوداً واضحة على التسلح الصاروخي، وعلى توظيف الوكلاء، وعلى السياسات الأحادية التي تتجاهل القانون الدولي. هنا تحديداً يبرز دور القوى الوسيطة ليس كوسطاء تقنيين، بل كحملة مشروع سياسي–أمني بديل، يقوم على تقاسم المسؤولية عن الاستقرار، وعلى تحويل التنافس من صراع صفري إلى إدارة خلافات ضمن قواعد متفق عليها.
في المحصلة، لا يمكن اختزال مستقبل الأمن في الشرق الأوسط في تفاهم ثنائي بين واشنطن وطهران، مهما بلغت أهميته. فالمعادلة الإقليمية باتت أكثر تعقيداً، وتوازنات القوة أكثر تشابكاً. ومن ثم، فإن الدور الذي يمكن أن تلعبه مصر والسعودية وتركيا وقطر والإمارات يتمثل في إعادة تعريف شروط التفاوض ذاته، بحيث يصبح مدخلاً لبناء نظام أمني إقليمي يحد من منطق الحرب الدائمة، ويكبح السلوكيات المارقة، ويفتح الباب أمام شرق أوسط أقل عنفاً وأكثر قابلية للحكم والاستقرار.



