أقلام وأراء

د. دلال صائب عريقات: غزة..ما بين التجويع والذكاء الاصطناعي

د. دلال صائب عريقات 26-1-2026: غزة..ما بين التجويع والذكاء الاصطناعي

لم يعد المشهد في قطاع غزة قابلاً للتوصيف ضمن كوارث الحروب التقليدية، بل بات يمثل فصلاً مظلمًا وغير مسبوق في تاريخ النزاعات الحديثة، حيث تحوّل “التجويع” من نتيجة جانبية للحرب إلى سلاح استراتيجي يُدار ويُحكَم بأدوات الذكاء الاصطناعي. فالأرقام التي تشير إلى استشهاد أكثر من 72 ألف فلسطيني، وإصابة ما يزيد عن 200 ألف منذ أكتوبر 2023، تخفي خلفها سياسة ممنهجة لهندسة الحرمان، حصدت أرواح ما يقارب 1400 إنسان حتى بعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، فقط لأنهم حاولوا الوصول إلى رغيف خبز أو طرد مساعدات. هذه ليست أضرارًا جانبية، بل نتائج محسوبة لسياسة صُمّمت بعناية لتدمير مقومات الحياة الأساسية في مساحة جغرافية محاصرة.

تاريخيًا، ارتبطت المجاعات بعوامل طبيعية كالقحط وتغيّر المناخ أو فشل المحاصيل، لكن التجربة الغزية تكشف بوضوح أن التجويع هو نتاج قرارات سياسية وعسكرية واعية. ووفق تعريفات مؤسسات دولية معنية بالسلام والأمن الغذائي، فإن المجاعة ليست حدثًا طبيعيًا بل عملية متعمّدة لتدمير أو حرمان البشر من شروط البقاء. في غزة، يتجسد هذا التعريف بأقسى صوره: حصار شامل، تحكم مطلق بالموارد، وتحويل الغذاء والماء والطاقة إلى أدوات ضغط وإبادة. ووفق مؤشرات الأمن الغذائي المتكامل، انزلق القطاع إلى مستويات كارثية، حيث يواجه مئات الآلاف خطر الموت جوعًا، في مجاعة “مهندسة” بالكامل، لا علاقة لها بالبيئة ولا بالصدفة.

ما يميز هذه الكارثة عن سابقاتها هو دخول العامل التكنولوجي بوصفه أداة مركزية في “إدارة الجوع”. فقد شَهِد قطاع غزة توظيفًا غير مسبوق لأنظمة ذكاء اصطناعي مثل “لافندر” و”غوسبيل”، لم تُستخدم فقط لتحديد الأهداف العسكرية، بل لتفكيك منظومة الحياة ذاتها. استُهدفت المخابز، مخازن الحبوب، طواحين القمح، قوارب الصيد، وحقول الزراعة، عبر خوارزميات صُممت لضمان شلّ قدرة المجتمع على إطعام نفسه. التكنولوجيا التي كان من المفترض أن تُسخَّر لتحسين سلاسل الإمداد الإنسانية، تحوّلت إلى أداة لضبط مستويات الحرمان بدقة رقمية. بل إن البحث عن الغذاء نفسه أصبح فعلًا مميتًا، حيث تُراقَب قوافل المساعدات والمدنيون الجائعون عبر الطائرات المسيّرة والأنظمة الذكية، ليُستهدفوا ببرودة حسابية.

يعاني أكثر من 40 ألف طفل دون سن العام من سوء تغذية حاد، إننا أمام تدمير طويل الأمد للقدرات الجسدية والعقلية لشعب بأكمله. هذه الأرقام تعكس انهيارًا أخلاقيًا لمنظومة الحماية الدولية، وتطرح سؤالًا خطيرًا حول مستقبل الأمن الصحي العالمي: ماذا يعني أن يصبح استخدام التكنولوجيا المتقدمة لفرض المجاعة سابقة مقبولة أو صامتًا عنها؟ إن غزة، في هذا السياق، تتحول إلى مختبر مرعب لتطبيع سياسات الإخضاع الرقمي عبر الجوع.

رغم هذا السواد، فإن النقاش حول الذكاء الاصطناعي يجب أن لا ينتهي عند كونه أداة قتل. فجوهر المأساة لا يكمن في التكنولوجيا ذاتها، بل في الخيار السياسي والأخلاقي الذي يوجّه استخدامها. الذكاء الاصطناعي الذي استُخدم في غزة لتسليح الجوع، يمكن –لو أُعيد توجيهه– أن يكون أداة للحياة، ولإعادة البناء، ولتحقيق الازدهار. يمكن لهذه الأدوات ذاتها أن تُستخدم في إدارة الموارد بعدالة، تحسين الأمن الغذائي، تطوير أنظمة صحية وتعليمية ذكية، وبناء اقتصاد معرفي حديث، لا في فلسطين وحدها بل في المنطقة بأسرها.

لا يمكن النظر إلى ما يحدث في غزة فقط بوصفه جريمة تجويع أو انتهاكًا للقانون الدولي الإنساني، بل باعتباره مفترق طرق تاريخيًا لمسار البشرية في عصر الذكاء الاصطناعي. فإما أن يُترك هذا العصر لينزلق نحو تطبيع “التجويع الذكي” وإدارة الموت بالخوارزميات، أو أن يُعاد توجيهه نحو مشروع إنساني يعيد تعريف التقدم والحداثة بوصفهما استثمارًا في الحياة لا في الموت.

من هنا، تبرز أهمية المبادرات المستقبلية التي تطرحها مجالس السلام وخطط إعادة الإعمار القائمة على مفهوم المدن الذكية في غزة، ليس كترف تخطيطي أو حلم مؤجل، بل كخيار سياسي وأخلاقي بديل. فالذكاء الاصطناعي الذي استُخدم لتدمير سلاسل الغذاء يمكن أن يُعاد توظيفه في بناء مدن ذكية قادرة على إدارة الموارد بعدالة، وضمان الأمن الغذائي، وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية، وخلق اقتصاد معرفي حديث يعيد للإنسان الغزي حقه في الحياة الكريمة. إن تحويل غزة من مختبر للحصار الرقمي إلى نموذج لمدينة ذكية للسلام والتنمية هو التحدي الحقيقي أمام المجتمع الدولي. كل هذه الأدوات الخطيرة أساسية في مخططات اليوم، والمهم كيفية توظيفها لخدمة المصالح الوطنية، وأن تكون لها قاعدة سياسية متينة بحيث لا تحل هذه الحلول الإنسانية والاقتصادية والأدوات الرقمية التي لا غنى عنها مكان الحقوق السياسية الراسخة.

 

مركز الناطور للدراسات والأبحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى