منوعات

د. المتوكل طه: “جَمْر الكلام” الذي يضيء الشِعر

د. المتوكل طه 16-2-2026: “جَمْر الكلام” الذي يضيء الشِعر

صدر كتاب جديد للمبدع وحيد تاجا، بعنوان”جمر الكلام”، ضمّ قرابة ثلاثين لقاء، مع عدد من الشعراء والنقاد الفلسطينيين، على اختلاف أجيالهم وتجاربهم، مقدّما حمولة متنوعة، ستساهم، بالضرورة، في فهم وإضاءة وتفكيك الشِعر الفلسطيني، عبر أعوامه الستين الأخيرة.

ومع أنّ الصديق تاجا افتتح كتابه بغير سؤال “ثقيل”، وأشار إلى خلاصات شبه نهائية، إلا أنه دعا القارئ إلى استخلاص الإجابة على تلك الأسئلة، وتبيان صحّة الاستخلاصات، من تضاعيف الإجابات التي قدّمها مَن حاورهم..مع أنّ المقابلات ليست على وتيرة واحدة. وعزاؤه أنه يريد أن يتتبّع الخطّ التاريخي “الكرنولوجي” للشِعر، ويُظْهر تحوّلاته..فكانت بعض “العيّنات”، على قلّتها، لا تعبّر، بالفعل، عن حقيقة وصفاء وامتلاء نهر الشِعر، الذي خاضه الشعراء المكرّسون بجدارة حاسمة.

إن الشِعر الفلسطيني قد تميّز بأنه ذو خلفيات ومرجعيات كثيرة، بسبب الشتات مرّة، وبسبب الأيديولوجية مرّة أخرى، وبسبب السياسة أيضاً. ولهذا فإنه ليس نسيجاً واحداً أو تجربة واحدة. فالتحديات المختلفة والقضايا المتعددة التي فرضت نفسها على هذا الشِعر، جعلت منه متعددَ الأشكال والأساليب والذروات. ويكاد لا يَجمَع بين هذا الشِعر سوى مقاربته للقضية الوطنية على تفاوت هذه المقاربة.

إن القصيـدة التي ولـدت في الأرض المحتلة بعـد احتلال العام (1967)، كانت بصورة أو بأخرى، قصيدة الجماعة وقصيدة المكان وقصيدة التحريض بشكلها المهم، وبهذا الصدد يمكن القول؛ إن الواقع كان يقدم نماذج مذهلة في عبقريتها وتعبيرها عن روح الجماعة، الأمر الذي جعل من القصيدة – بشكل عام، تظل أقل بهاءً وحضوراً من النموذج – بمعنى آخر، ليس هناك معادل موضوعي للحياة أبداً، الفن صورة مختصرة، فيها حذف كثير وفيها اقتصاد كثير وفيها تعمّد كثير. وفيما نقدم الحياة نفسها مرة واحدة بكامل التفاصيل مشعلة جميع الأحاسيس، فإن الفن يكتفي من كل ذلك البهاء بإطار واحد يحاول تجميع الصورة الأولى.

وبعد العام (1993أوسلو)، وما جرى من زعزعة المفاهيم وموت بعض القديم وميلاد جديد آخر، وتغيّر المزاج واللغة والمصطلح والمرجعيات، وما طرأ على المجتمع الفلسطيني من تغيرات بنيوية، فإن القصيدة الفلسطينية في الداخل- حيث طعمت بأصوات وتجارب جديدة عليها- واجهت قضايا ومسائل أخرى مختلفة، كان عليها أولاً أن تتوازن؛ بمعنى البحث عن لغة جديدة وآفاق جديدة ومرافئ للعودة إليها، وكان عليها أن تردّ، بشكل أو بآخر، على تحديات من نوع ثقافي لم تتعوّد عليه، كالعلاقة مع الآخر، والعلاقة مع السلطة، وكان عليها، أيضاً، أن تقارن نفسها بالتجارب العالمية التي ذهبت بعيداً بالتجربة الشعرية. بعد العام (1993) كان هناك مخاض على المستوى السياسي والاجتماعي، والشِعري، أيضا.

ما نريد أن نصل إليه، هو أن المقاربة النقدية بما تتضمن من عمليات تحليل وتفكيك وتقييم للشِعر الفلسطيني، وخاصة شعر الداخل (الضفة والقطاع والأرض المحتلة العام 1948)، يجب أن تكون نابعة من البيئة التي صدر منها هذا الإبداع الشِعري، بمعنى أن النقد يجب أن يستخدم ذات المصطلحات وذات المزاج وذات القضايا التي تناولها النص المقارَبْ.

وعليه فإن المقاربة النقدية لمثل هذا الأدب الخاص، المحكوم بالزمان والمكان والظرف التاريخي والحضاري، يجب أن تنبع من داخله، ومن شروطه، ومن نسقه العام.

إنّ المنهج الخاص، والخاص جداً، الذي نحاول الإمساك به أو الإشارة إلى ملامحه يتمثل في أبعاده الثلاثة: السيكولوجية، والتاريخية، والسوسيولوجية. هذه الأبعاد التي تضمّها روح الجماعة، حيث تسيطر هذه الروح طيلة الوقت على معظم النتاج الشعري الفلسطيني، وكأنّها كلمة السرّ في ذلك النتاج.

المنهج الخاص يعني فهم الظاهرة من الداخل وليس من الخارج. ولأنّ الإبداع الشِعري الفلسطيني في الأرض المحتلة، كان إلى هذه الدرجة خاصاً، ومختلفاً، كان لا بدّ للمنهج النقدي أو يكون، أيضاً، إلى ذلك الحدّ خاصّاً ومختلفاً. وأعتقد أن “الشهادات” التي قدّمها معظم الشعراء والنقاد في هذا الكتاب، تتماهى مع ما ذهبنا إليه، وتشفع له وتؤكّده.

فالمنجز الشِعري الفلسطيني، وخلال السنوات الأربعين الماضية، التي بدأت متفائلة وانتهت إلى نبرة التساؤل أو التشاؤم، كانت بحقّ خير دليل سوسيولوجي وتاريخي على التحوّلات العميقة التي أصابت البنى الفكرية والثقافية والسياسية في فلسطين والعالم العربي.

كان شكل القصيدة ولغتها وموسيقاها وصورتها الشعرية تعبيراً عن تغيّر تاريخي بالأساس. هذا التغيّر الذي خلق صورة شِعرية هي جزء من رؤية العالم الذي تغيّر، هذا ما حاولنا أن نتتبعه وأن نلمسه وأن نتذوقه.

 ستظلّ في بالنا مناهج النقد ولكن – بالدرجة نفسها- ينبغي أن تبقى عيوننا وقلوبنا على النصّ.

والآن؛ وبعد هذا العدوان على غزّة، وبعد ما أفرزته نظرية الرّعب الصهيونية من نتائج، وما آلت إليه الحال في قطاع غزّة..سنرى واقعا جديداً مخيفا وصادما، وسنقرأ نصوصا، وستُكتب أخرى، ستكون معجونة بالدماء والهباء، كما ستكون مطعّمة بالأساطير والحدّة والمفارقات والذهول..ما يجعلنا لا نتعجّل في إطلاق أيّ حُكمٍ نقدي، لأن ذلك استباقا للحقيقة، على رغم توفّر كمٍّ كافٍ من الشواهد الإبداعية، التي تمثّل إرهاصات لظاهرة جديدة في الأدب الفلسطيني،هي “أدب الحرب”..مع أنني كتبت عن “شعراء غزة،الآن”.

وأُكرر؛ ما الذي يجعل من إبداعٍ ما..شِعراً؟ علماً أن النقّاد القدماء والمحدثين قد أشبعوا هذا السؤال أجوبةً، جعلت للشِعر تعريفات بعدد البشر! إضافةً إلى أنهم، قديماً، ميّزوا بين النَّظم والشِعر، على اعتبار أن الوزن الشعري لا يكفي وحده لأن يجعل من النّظم شِعراً، وعلى أساس أن ثمة عناصر لا بدّ إلاّ أن تتوفر في “البناء” حتى نشير أليه ب “الشِعر”.

ومنذ عقود؛ تتباين الآراء حول قصيدة “النثر”، وتتقاطب ما بين معترف بها، بشروط صارمة، وما بين ناظرٍ إليها باعتبارها نصّاً أدبياً لم يرقَ إلى مجد الشِعر، لأنها لم تنهض على قوام التفعيلة وبحور الخليل، وكأن الموسيقى هي الشرط الأكبر والأساس لأن تكون هذه الكتابة شِعراً! وباعتقادي، فإن قصيدة “النثر” ما زالت تُكابد على طريق شرعنة ذاتها، ولم تتوصّل بعد إلى شاطئ يجمع شعث الآراء المتباعدة حولها، حتى وهي تعترف جميعها بهذا النوع من الكتابة، ذلك أن قصيدة النثر لا شكل نهائي لها، ولا حدود لها، حتى اللحظة، إذ نرى هذه القصيدة تتزيّا مرّة ب “الهايكو” أو”القصّ” أو “التدوير”..لتصل إلى “الكُتلة”، وتتكئ كثيراً على أشكال الإبداع الأخرى، وتقدّمه على اعتبار أنه قصيدة “حداثية”، لا يحقّ لناقدٍ أن ينال من شرعيتها، أو من حقّ الشاعر في أن يذهب عميقاً في “التجريب”، وكأنه سابق لعصره. مع أنّ الحداثة “موقف”، وليست “زمن”.

إن ضرورة التجريب، والحرية المقترنة، أبدياً، مع الإبداع، تعني معرفة ووعي أدواتنا التي سنشكّل بها ملامح كتابتنا، ونبني عوالم إبداعنا، الذي يتغيّا سلامة كلّ خليةٍ ولونٍ وحرفٍ وإيقاعٍ واستطالة، في سياق الانسجام والتكامل..ما لم نتجرّأ على أُسس واجبة صارمة، هي أرض الكتابة، إلاّ إذا كنّا نقصد “دادائيّة” جديدة، قد لا نعرف دوافعها ومقاصدها، أو نقصد ترجمات يقوم البعض بتحويرها، ثمّ يتبنّاها باعتبارها نصّه الخاص!

وإن الموسيقى في الشِعر ليست إيقاعا فحسب، إنها روح الزمن الذي يصعد إلى المتن، ويعبّر عن اللحظة ويعرّفها. وللحديث بقيّة، إن لزم الأمر.

شكرا جميلا للمبدع الصديق وحيد تاجا على انشغاله بالأدب الفلسطيني، علما أنه سبق وأصدر كتابه المميز”الرواية الفلسطينية – حوارات نقدية”، ليكمل دائرة الضوء على مشهد الأدب، عبر مجترحيه من المبدعين الفلسطينيين. 

 

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى