أقلام وأراء

د. إبراهيم نعيرات: زرع بذور الاضطراب: كيف تهدف الحرب إلى قلب السلطة في إيران

د. إبراهيم نعيرات 22-3-2026: زرع بذور الاضطراب: كيف تهدف الحرب إلى قلب السلطة في إيران

 

صباح يوم 28 فبراير 2026، اهتزت شوارع طهران بصوت الانفجارات الضخمة، وتصاعدت أعمدة الدخان من القصر الرئاسي ومقار أمنية أخرى. كانت هذه بداية الحرب الشاملة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، حرب لم تكن مواجهة عسكرية تقليدية فحسب، بل محاولة لإعادة تشكيل السلطة والشرعية داخل الجمهورية الإسلامية.

بعد سلسلة الاغتيالات التي طالت قيادات الصف الأول، بما في ذلك المرشد الأعلى علي خامنئي، وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني، ومستشار الأمن علي شمخاني، بالإضافة إلى كبار قادة الحرس الثوري وقوات الباسيج، تعرض النظام لضربات مباشرة على ركائزه الرمزية والسياسية. سقوط هذه الشخصيات خلق فراغًا قياديًا وفجوة في الشرعية الرمزية، إذ لا يرث القادة الجدد تلقائيًا الرصيد الرمزي الذي يمنحهم قبولًا داخليًا واسعًا، ما يزيد احتمالات التوتر والصراع داخل هرم السلطة.

النظام الإيراني يواجه تحديًا مستمرًا في موازنة النفوذ بين الحرس الثوري، المؤسسة الدينية، والبنية السياسية الرسمية. غياب شخصية جامعة لضبط هذا التوازن قد يحوّل التنسيق الضمني إلى صراع علني، ويترك الباب مفتوحًا لإعادة توزيع السلطة بصورة غير مستقرة.

من منظور استراتيجي، الحرب لم تكن مجرد مواجهة عسكرية أو تصفية قيادات، بل عملية لإضعاف النظام من الداخل وقطع استمراريته. إيران حافظت على توازنها السياسي والأمني لعقود، وتجنبت أي استفزاز مباشر يبرر هجومًا خارجيًا. ومع ذلك، بدأت الحرب دون مسبب مباشر، متجاوزة الخطوط الحمراء وخلقت سياقًا جديدًا يسمح بالتعامل مع طهران بطريقة لم تكن ممكنة سابقًا.

سلسلة الاغتيالات للقيادات العليا لم تكن مجرد تكتيك عسكري، بل ضربة استراتيجية لإضعاف الشرعية الرمزية وخلخلة شبكات السلطة الداخلية، ما يفتح المجال أمام تحولات محتملة في التوازن السياسي وظهور قوى جديدة داخل إيران. إسرائيل أعلنت صراحة أن هذه السلسلة لن تتوقف، مستهدفة كبار المسؤولين السياسيين والعسكريين والاستخباراتيين، ما يزرع الشك والخوف داخل دوائر القيادة ويزيد احتمالات التوتر والصراع الداخلي.

لا يمكن فهم تأثير الحرب دون النظر إلى الانفصال العميق بين خطاب النظام وشعور الشعب الإيراني. النظام يبني سياساته على سردية ثورية ورمزية: العدائية للغرب، الدفاع عن فلسطين، ودور إيران كحامي للشيعة في المنطقة، مستندًا إلى معتقدات دينية وسياسية تُعلي من أهمية الخارج على الداخل. لكن المواطن الإيراني يرى أن هذه العدائية غير ملهمة ولا تمثل مصالحه المباشرة. الحرب تعني بالنسبة له ارتفاع الأسعار، انقطاع الموارد، تدهور فرص العمل، وزيادة حالة عدم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

تجارب العراق، سوريا، ليبيا، واليمن أمامهم تمثل نموذجًا لما يمكن أن يحدث لإيران. المواطن يخشى أن الولايات المتحدة والقوى الخارجية لن تلتزم بحمايته، وأنها ستغادر بمجرد تحقيق أهدافها الاستراتيجية، تاركة البلاد تواجه تداعيات الحرب وحدها. وعندما يُسأل عن أسباب هذا الدمار، يجد أن السردية الرسمية قائمة على منطق ديني وثوري بعيد عن الواقع الوطني، ولا تفسر معاناته اليومية أو مصالحه الوطنية. النتيجة: تختفي الأسباب التي تجعل الشعب يقف إلى جانب النظام، ويصبح أي فراغ قيادي أو خلخلة في السلطة فرصة للمعارضة لإعادة ترتيب نفسها وتحويل السخط الاجتماعي إلى قوة سياسية حقيقية قادرة على تحدي السردية الرسمية.

من هذه الزاوية، يتضح أن الحرب لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين النظام والشعب وإحداث خلخلة في توازن السلطة الداخلي. النظام الإيراني يقف اليوم أمام مفترق حساس: تعزيز قبضته على السلطة لضمان استمراريته القصيرة المدى، أو المخاطرة بفتح المجال للمعارضة والنزاعات الداخلية على المدى المتوسط. المرحلة القادمة ستحدد شكل الروح الثورية ومستقبل السلطة، ومدى قدرة النظام على استعادة توازنه الرمزي والسياسي أو احتمال اندلاع صراعات جديدة داخل دوائره العليا.

في المحصلة، الحرب تشكل مفصلًا استراتيجيًا يعيد تعريف السلطة في الجمهورية الإسلامية، ويزرع بذور التغيير داخل إيران على كل المستويات، سواء عبر خلخلة هرم السلطة، التأثير على الشرعية الرمزية، أو توسيع مساحة المعارضة الداخلية التي يمكنها استثمار الانفصال بين السردية الرسمية ومخيلة الشعب الإيراني.

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى