د. إبراهيم نعيرات: الدولة الفردية والدولة المؤسسية: لماذا تبدو إيران عصيّة على السقوط السريع؟
د. إبراهيم نعيرات 14-3-2026: الدولة الفردية والدولة المؤسسية: لماذا تبدو إيران عصيّة على السقوط السريع؟
في تحليل السياسات الدولية، لا يكون الخلاف دائمًا حول الوقائع بقدر ما يكون حول كيفية تفسيرها وتقدير نتائجها المستقبلية. وفي حالة إيران، لا يدور النقاش حول ما إذا كانت دولة قابلة للانهيار السريع أم لا، بل حول كيفية التعامل مع دولة أثبتت قدرتها على الصمود تحت ضغط طويل، وفي الوقت نفسه تسعى إلى تثبيت موقع إقليمي ودولي يتجاوز حدودها التقليدية.
هذا النقاش يرتبط بمسألة أعمق في فهم استقرار الدول: الفرق بين الدولة التي تقوم على شخص الحاكم، والدولة التي تقوم على منظومة مؤسسات متجذرة. فالدول التي تتركز فيها السلطة في يد فرد أو دائرة ضيقة للغاية تصبح في كثير من الأحيان امتدادًا لذلك الشخص. وعندما يسقط مركز السلطة، تسقط معه الدولة أو تتفكك مؤسساتها بسرعة، لأن البنية المؤسسية لم تكن مستقلة بما يكفي للاستمرار بدونه.
تجارب الشرق الأوسط خلال العقود الأخيرة تقدم أمثلة واضحة على هذا النمط. ففي العراق، كان النظام السياسي شديد الارتباط بمركز القيادة الفردية. وعندما سقطت تلك القيادة عام 2003، انهارت معها أجزاء واسعة من بنية الدولة، لأن النظام كان قائمًا إلى حد كبير على مركز سلطة واحد شديد التركيز. وفي ليبيا أيضًا أدى سقوط النظام إلى فراغ مؤسساتي واسع، لأن بنية الدولة لم تكن قد تطورت إلى مؤسسات مستقلة قادرة على إدارة انتقال السلطة. أما في سوريا، فقد كشف الصراع الطويل مدى هشاشة التوازنات عندما تتعرض السلطة المركزية لهزة عنيفة، لأن بنية الدولة كانت مرتبطة إلى حد بعيد بمركز السلطة نفسه.
هذه التجارب عززت لدى بعض صناع القرار فكرة أن إسقاط القيادة قد يكون الطريق الأسرع لإعادة تشكيل الدول. غير أن هذا التصور لا ينطبق على الدول التي تمتلك بنية مؤسساتية متماسكة. ففي مثل هذه الدول لا يختفي النظام بسقوط القيادة، لأن مؤسسات الدولة السياسية والإدارية والأمنية تستمر في العمل، وتعيد إنتاج السلطة داخل الإطار القائم.
في هذا السياق تحديدًا يمكن فهم الحالة الإيرانية. فعلى مدى عقود، تعاملت الولايات المتحدة وإسرائيل مع إيران بوصفها أحد التحديات الاستراتيجية الكبرى في الشرق الأوسط. لكن مع مرور الوقت أصبح واضحًا أن إيران ليست نظامًا هشًا يمكن أن يتداعى بفعل الضغوط الاقتصادية أو العزلة السياسية. فقد تشكلت الدولة الإيرانية بعد الثورة على أساس بنية مؤسساتية معقدة ومتداخلة، تضم مؤسسات دستورية وسياسية وأمنية وإدارية قادرة على الاستمرار حتى في ظروف الضغط الشديد.
هذا العامل المؤسسي كان حاسمًا في قدرة إيران على الصمود أمام العقوبات الدولية الطويلة. فعلى مدى سنوات، تعرض الاقتصاد الإيراني لضغوط قاسية، وتعرضت الدولة لمحاولات عزل سياسي ومالي واسع. ومع ذلك لم تؤد هذه الضغوط إلى اهتزاز الدولة أو انهيار بنيتها، بل دفعتها في كثير من الأحيان إلى تطوير آليات بديلة للتكيف والاستمرار.
بالنسبة لدوائر القرار في واشنطن وتل أبيب، حملت هذه التجربة دلالة واضحة: العقوبات وحدها لن تسقط دولة تمتلك مؤسسات راسخة. بل على العكس، قد تمنحها الوقت لإعادة ترتيب اقتصادها وتعزيز قدراتها الاستراتيجية. ومع استمرار إيران في تطوير برامجها التقنية والعسكرية وتوسيع حضورها الإقليمي، بدأت تتشكل قناعة متزايدة بأن ترك الأمور تسير على هذا النحو قد يعني في النهاية ترسخ قوة إقليمية يصعب احتواؤها.
من هذا المنظور، لم يكن التحول في التفكير الاستراتيجي نتيجة سوء فهم لطبيعة الدولة الإيرانية بقدر ما كان نتيجة إدراك متزايد لصلابتها. فبعد سنوات طويلة من الضغوط والعقوبات التي لم تؤد إلى الانهيار المتوقع، بات واضحًا أن إيران تمضي في مسار يهدف إلى ترسيخ موقعها كقوة إقليمية ذات وزن دولي.
هذا المسار لا يرتبط فقط بالسياسة الخارجية، بل ببنية الدولة نفسها. فالدول التي تمتلك مؤسسات راسخة لا تسعى فقط إلى الصمود، بل إلى ضمان استمراريتها عبر تثبيت مكانتها في النظام الإقليمي والدولي. ومن هذا المنطلق، ترى إيران أن دورها الإقليمي ونفوذها السياسي والأمني جزء من استراتيجية أوسع لضمان عدم تهميشها أو تجاوزها في معادلات القوة.
هنا تحديدًا تكمن المعضلة بالنسبة للولايات المتحدة وإسرائيل. فكلما طال أمد الوضع القائم، ازدادت فرص إيران في تعزيز حضورها الإقليمي وتطوير قدراتها الاستراتيجية. وهذا ما أدى إلى تزايد النقاش داخل دوائر القرار حول ما إذا كان استمرار سياسة الانتظار والاحتواء سيجعل التعامل مع إيران في المستقبل أكثر صعوبة.
فمن وجهة نظر بعض هذه التقديرات، قد يعني عدم التحرك الآن مواجهة واقع إقليمي جديد تصبح فيه إيران قوة أكثر رسوخًا وتأثيرًا. أما المبادرة إلى المواجهة أو التصعيد، فتبقى خيارًا محفوفًا بالمخاطر نظرًا لطبيعة الدولة الإيرانية نفسها، ولشبكة النفوذ التي بنتها في الإقليم.
في النهاية، تكشف هذه المعادلة عن درس أساسي في فهم استقرار الدول: الدول التي تقوم على شخص الحاكم قد تسقط بسقوطه، أما الدول التي تقوم على مؤسسات راسخة فلا تسقط بسهولة. ولهذا السبب تبدو إيران، بالنسبة لخصومها، ليس مجرد نظام سياسي يمكن تغييره سريعًا، بل دولة مؤسسات استطاعت أن تصمد تحت ضغط طويل، وتعمل في الوقت نفسه على تثبيت موقعها كقوة لا يمكن تجاوزها في توازنات الشرق الأوسط.



