د. إبراهيم نعيرات: البناء المؤسسي الراسخ ليس ترفًا، بل هو حالة مقاومة فريدة
د. إبراهيم نعيرات 15-3-2026: البناء المؤسسي الراسخ ليس ترفًا، بل هو حالة مقاومة فريدة
في مسار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ظهرت لحظات تاريخية بدت فيها إمكانية الانتقال إلى واقع سياسي مختلف أقرب مما تبدو عليه اليوم. ومن أبرز تلك اللحظات المرحلة التي أعقبت اتفاقات اوسلو، عندما تشكلت السلطة الوطنية الفلسطينية بوصفها إطارًا سياسيًا وإداريًا يمكن أن يتحول تدريجيًا إلى نواة لبناء مؤسسات دولة فلسطينية قادرة على تنظيم المجتمع وتعزيز صموده. كانت هذه المرحلة فرصة تاريخية لتعزيز الوجود الفلسطيني في أوقات كانت الظروف مهيأة، والعلاقات مع اسرائيل أفضل مما هي عليه اليوم، وكان يمكن أن تصبح سيادة القانون والحوكمة الرشيدة أدوات لربط المجتمع بالمؤسسات، وضمان تمثيل الأغلبية الفلسطينية بشكل شرعي وواضح.
لم تكن هذه اللحظة نتيجة ديناميات فلسطينية فقط، بل جاءت أيضًا نتيجة تحولات داخل المجتمع السياسي في إسرائيل، خصوصًا صعود ما عُرف بمعسكر السلام داخل حزب العمل الاسرائيلي، الذي قادته شخصيات مثل يتسحاق رابين و وشيمعون بيرس . هذا التيار راهن على أن قيام سلطة فلسطينية قادرة على إدارة مجتمعها ضمن إطار مؤسسي واضح يمكن أن يشكل أساسًا لتسوية سياسية طويلة المدى، ويمنح معسكر السلام الإسرائيلي حجة قوية للاستمرار في مشروع التسوية.
كان الرهان يقوم على فكرة أن الفلسطينيين، عبر بناء مؤسسات قوية وترسيخ سيادة القانون، سيقدمون نموذجًا لمجتمع قادر على توحيد المواقف الداخلية وضبط المجال العام. سيادة القانون كانت لتوحد المجتمع مع المؤسسة، وتبقي المعارضة ضمن الأطر القانونية دون أن تخرج عن المسار المؤسسي، ما يمنع أي فاعل فردي أو مجموعة من تغيير مسار السلطة في التعامل مع الاحتلال. وكان هذا يعني أن أي مبادرة فردية، أو حدث ميداني صغير مثل رمي طفل حجر، لن يكون قادرًا على قلب موازين المسار السياسي أو المفاوضات.
غير أن غياب مركزية واضحة للرؤية والقرار وضعف البناء المؤسسي جعلا هذا الرهان هشًا، وبقي المجال العام الفلسطيني مفتوحًا لتعدد المبادرات والمراكز السياسية، ما أدى إلى تآكل الثقة الداخلية والخارجية بقدرة السلطة على الالتزام بمسار تفاوضي منظم، وساهم في صعود تيارات يمينية أكثر تشددًا داخل إسرائيل، مهددة لأي مشروع سلام قائم على الرهان المؤسسي.
إن تجربة أوسلو والسلطة الفلسطينية تظهر بوضوح أن ضعف المؤسسات لا يضعف المجتمع الفلسطيني فقط، بل يضعف الرهان على الشريك الفلسطيني لدى الطرف الآخر، ويجعل المجال أكثر عرضة للتقلبات اليومية والأزمات الميدانية. وفي ظل الاحتلال تحديدًا، يصبح البناء المؤسسي الراسخ ليس ترفًا، بل حالة مقاومة فريدة. فالمجتمع الذي يمتلك مؤسسات قوية وقانونًا واضحًا يكون أكثر قدرة على الصمود وتنظيم الحياة العامة، ويحول دون استغلال الاحتلال لأي ضعف داخلي، سواء عبر التجاذبات السياسية أو المبادرات الفردية المتفرقة.
حتى في حالة صعود معسكر يميني إسرائيلي أكثر تشددًا، فإن وجود مؤسسات فلسطينية قوية كان ليغير طبيعة المواجهة. فالمجتمع المتماسك مؤسساتيًا ومجتمعيًا يصبح أصلب، ويصعب على أي طرف خارجي المراهنة على اختراقه أو تفكيكه. المؤسسات القوية تمنح المجتمع القدرة على إدارة المجال العام بفعالية، وتوحيد القرار السياسي، وتثبيت قواعد اللعبة السياسية، بحيث تبقى المعارضة ضمن إطار القانون وتُدار المبادرات الفردية بطريقة لا تهدد الوحدة المؤسسية.
إن هذه التجربة تقدم درسًا واضحًا: أن البناء المؤسسي لا يضمن السلام أو التسوية، لكنه يمنح المجتمع أدوات قوة طويلة المدى. المؤسسات القوية لا تعزز القدرة على التفاوض فقط، بل تمنح القدرة على الصمود أمام الضغوط الداخلية والخارجية، وتتيح للفلسطينيين الحفاظ على تماسكهم ووحدة قرارهم، سواء في مرحلة التسوية أو في مواجهة تصاعد الصراع. كما أن المؤسسات الفاعلة تعكس صورة عن كيان فلسطيني منظم، قادر على تمثيل المجتمع بأكمله، مما يعزز شرعية القرارات ويصعب على الاحتلال استغلال الفراغ أو الانقسامات.
وبهذا المعنى، فإن التفكير في مرحلة أوسلو والسلطة الفلسطينية لا يتعلق فقط بما ضاع من فرص سياسية، بل بما كان يمكن أن يتحقق من قوة داخلية، وبما كان يمكن أن يجعل المجتمع الفلسطيني أكثر صلابة، وأكثر قدرة على مواجهة التحولات الصعبة، وتحقيق وجود سياسي مؤسساتي واضح في مواجهة الاحتلال. إن الدرس الأبرز هو أن المجتمعات التي تنجح في بناء مؤسسات راسخة تصبح أكثر قدرة على مواجهة التحولات، سواء جاءت في اتجاه التسوية أو في اتجاه الصراع، وتتحول المؤسسات من أداة إدارية إلى عمود فقري للمقاومة الفعلية.



