د. إبراهيم نعيرات: استهداف إيران وإعادة رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط
د. إبراهيم نعيرات 7-2-2026: استهداف إيران وإعادة رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط
الشرق الأوسط يشهد اليوم ولادة استراتيجية أميركية جديدة، تختلف تمامًا عن الحسابات القديمة التي كانت تقوم على حماية أمن إسرائيل وحدها لضمان النفوذ في المنطقة. ما يثير الانتباه بشكل خاص هو السياسة الأميركية تجاه سوريا، حيث سمحت واشنطن للشرعية بإعادة توحيد البلاد رغم معارضة إسرائيل التاريخية، والتخلي عن الأكراد والدروز الذين كانوا يُنظر إليهم كحلفاء. هذه الخطوة ليست عشوائية، بل جزء من رؤية أميركية أكثر طموحًا تهدف إلى تحويل سوريا من ساحة صراع مفتوحة إلى لاعب يمكن إدراجه ضمن شبكة التحالفات العربية، محور قادر على مواجهة النفوذ الإيراني وإدارة التوترات بطريقة دقيقة.
العراق يمثل بوابة استراتيجية تمنع إيران من استخدام أراضيه كأداة ضغط ضد هذا المحور، فيما يوفر الأردن قاعدة استقرار وربطًا جغرافيًا وسياسيًا بين دول الخليج وبلاد الشام. أما دول الخليج، فتشكل القلب النابض لهذا التوجه لما تمتلكه من قوة اقتصادية وجيوسياسية وعسكرية، إضافة إلى قدرتها على ممارسة ضغط مباشر على إيران ومراقبة مضيق هرمز وخطوط الإمداد الحيوية. وفي هذا السياق، يُلاحظ أن إدارة ترامب منحت الدول العربية دورًا أكبر في المحادثات الإقليمية، مع إشراك تركيا بشكل نشط في بعض الملفات، في مؤشر واضح على سعي واشنطن إلى توزيع النفوذ وتمكين الحلفاء الإقليميين من لعب أدوار مباشرة في إدارة الأزمات، بعيدًا عن النهج التقليدي الذي كان يضع إسرائيل في مركز كل المعادلات.
ما يميز السياسة الأميركية اليوم هو أن التهديد باستخدام القوة ضد إيران لا يُنظر إليه كغاية في حد ذاته، بل كأداة ضغط ضمن استراتيجية غير معلنة تهدف إلى إخراج إيران تدريجيًا من المشهد العربي وفرض توازنات جديدة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة. في الوقت نفسه، ترسل واشنطن رسالة واضحة لحلفائها العرب بأنها قادرة على حماية مصالحهم وضمان الاستقرار الإقليمي. التحرك الأميركي تجاه إيران لم يعد يُقدَّم بوصفه خدمة مباشرة لإسرائيل كما في السابق، بل يأتي ضمن رؤية أوسع تشمل أمن الطاقة، النفوذ الإقليمي، والاستقرار الاستراتيجي للشرق الأوسط، وهي رؤية تحظى بقبول متزايد داخل الشارع الأميركي، حيث أصبحت فكرة خوض حروب مكلفة دفاعًا عن إسرائيل موضع تساؤل واسع.
هذا التحول ينعكس أيضًا في الخطاب الإسرائيلي نفسه، إذ أعلن بنيامين نتنياهو أن إسرائيل ستسعى في المستقبل إلى الاعتماد على نفسها بشكل أكبر، وتقليل اعتمادها العسكري على الولايات المتحدة في حماية أمنها. هذا التصريح لا يمكن فصله عن المتغيرات في السياسة الأميركية، ولا عن تصاعد الدعوات داخل الولايات المتحدة لعدم تزويد إسرائيل بالأسلحة التي تُستخدم في قتل المدنيين، وهو ما يعكس تغيرًا ملموسًا في المزاج السياسي والشعبي الأميركي تجاه طبيعة الدعم غير المشروط الذي كانت تحظى به إسرائيل لعقود.
ورغم كل ذلك، لم تتأثر العلاقات العربية–الأميركية عبر العقود، حتى في أكثر لحظات التوتر حدة، مثل دعم الولايات المتحدة لإسرائيل في حروبها ضد لبنان، واحتلال الأراضي الفلسطينية، وحروب غزة. فقد ظلت هذه العلاقات مستقرة نسبيًا، ما يعكس قدرة الدول العربية على الفصل بين خلافاتها السياسية مع إسرائيل وبين مصالحها الاستراتيجية مع واشنطن. اتفاقيات إبراهيم كانت محاولة أولى لترجمة هذا التوجه إلى واقع عملي، لكنها ليست شرطًا وحيدًا، إذ تستطيع الولايات المتحدة إدارة المشهد الجديد ودمج القضية الفلسطينية ضمن مسار دبلوماسي يخفف التوترات التاريخية دون الإضرار بالشراكات الاستراتيجية الأوسع.
بهذه المقاربة، تتحول التحديات القديمة إلى فرص لإعادة رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط. السياسة الأميركية لم تعد مجرد ردع لإيران أو مظلة حماية لإسرائيل، بل مشروعًا لبناء شبكة عربية متكاملة قادرة على تحقيق الاستقرار والانخراط في شراكات اقتصادية وسياسية طويلة الأمد، مع إدارة دقيقة للصراعات المزمنة. السماح بإعادة توحيد سوريا، ودمج العراق والأردن ودول الخليج في محور عربي متماسك، إلى جانب استخدام الضغط العسكري والسياسي على إيران، يعكس قدرة واشنطن على الحفاظ على دورها المركزي كضامن للتوازن الإقليمي، مع تحقيق أهداف استراتيجية أوسع تشمل تقليص النفوذ الإيراني، وإعادة صياغة العلاقة بين العرب وإسرائيل ضمن إطار أكثر براغماتية وأقل كلفة.
في الختام، تمثل هذه الاستراتيجية الأميركية تحوّلًا بنيويًا في مقاربة الشرق الأوسط: من الاعتماد شبه الكامل على إسرائيل إلى بناء توازن إقليمي أوسع، تُوزَّع فيه الأدوار بين الحلفاء العرب وتركيا، وتُدار فيه التهديدات بدل الانجرار إلى حروب مفتوحة. هذا النهج لا يعكس فقط تطورًا في فهم واشنطن لمصالحها، بل استجابة أيضًا لتحولات داخلية أميركية ترفض الحروب المكلفة والدعم غير المشروط، وتسعى إلى سياسة أكثر عقلانية تحقق الاستقرار، وتحمي المصالح الأميركية، وتمنح المنطقة فرصة حقيقية للخروج من دوامة الصراعات المستمرة.



