أقلام وأراء

د. إبراهيم نعيرات: إبقاء الفلسطينيين في المكان… وإخراجهم من المعادلة

د. إبراهيم نعيرات 19-2-2026: إبقاء الفلسطينيين في المكان… وإخراجهم من المعادلة

حين ميّز علي الجرباوي بين الترانسفر الفيزيائي والترانسفر القانوني، لم يكن يبحث عن مصطلح جديد بقدر ما كان يحاول أن يقرأ تحوّلًا عميقًا في أدوات الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي. ففي عام 1948 كان المشهد واضحًا وصادمًا: طرد مباشر، اقتلاع جماعي، وإعادة تشكيل للخريطة الديمغرافية بالقوة. كان الهدف آنذاك حسم الصراع على الأرض عبر تقليص الوجود العربي إلى الحد الأدنى الممكن.

لكن عام 1967 وضع إسرائيل أمام معادلة مختلفة. الأرض اتسعت، غير أن السكان لم يختفوا. فجأة وجدت نفسها أمام كتلة بشرية فلسطينية كبيرة لا يمكن اقتلاعها بسهولة، لا لأسباب ديمغرافية فحسب، بل لأن العالم تغيّر، وكلفة التهجير العلني أصبحت أعلى سياسيًا وأخلاقيًا. عند هذه اللحظة بدأ التحول: لم يعد السؤال كيف نُخرج الناس من الأرض، بل كيف نُبقيهم فيها دون أن يمتلكوها.

هكذا وُلد ما يمكن تسميته بـ«الترانسفر القانوني». يبقى الفلسطيني على أرضه، لكنه يُفصل عن مفاتيحها. الحدود ليست بيده، الموارد ليست بيده، المجال الجوي ليس بيده، القرار الأمني ليس بيده. تبدو الحياة اليومية طبيعية نسبيًا، مدارس وأسواق ومؤسسات، لكن السيادة غائبة. السيطرة لم تعد صاخبة كما في مشاهد الطرد الجماعي، بل أصبحت هادئة، منظمة، ومؤطرة قانونيًا.

في هذا النموذج، لا حاجة إلى شاحنات التهجير. يكفي نظام قانوني وإداري معقّد يعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والأرض، بحيث يبقى الجسد في المكان بينما تُدار الأرض من خارجه. السيطرة هنا أقل صدامًا مع المجتمع الدولي، وأقل كلفة أخلاقيًا في ظاهرها، لكنها أكثر رسوخًا على المدى الطويل.

ويبدو أن الواقع الحالي يمثل ذروة هذا المنطق. التوسع الاستيطاني، إعادة تصنيف الأراضي، تعزيز السيطرة على المناطق الاستراتيجية، وتعقيد البنية الإدارية في الضفة الغربية والقدس، كلها تعكس فلسفة واحدة: تثبيت السيطرة مع إبقاء السكان. لم يعد الهدف الطرد الجماعي كما في منتصف القرن العشرين، بل خلق بيئة ضاغطة وخانقة تدفع إلى «الهجرة الصامتة»، وتجعل الوجود الفلسطيني هشًا، محدود السيادة، ومقيد الإمكانات.

وفي قلب هذا التحول تقف محطة أوسلو. حين أُنشئت السلطة الفلسطينية، قُدّمت باعتبارها خطوة انتقالية نحو الدولة المستقلة. لكن مع تعثر المسار السياسي، تحولت تدريجيًا إلى كيان يدير السكان ضمن سقف ضيق من الصلاحيات. لم تعد المسألة تحرير الأرض بقدر ما أصبحت إدارة المجتمع تحت الاحتلال.

هنا حدث التحول الأخطر: إعادة تعريف المسؤولية.

قبل قيام السلطة، كما في الانتفاضة الأولى، كان المجتمع يتحرك من تلقاء ذاته. اللجان الشعبية تدير الحياة اليومية، والمبادرة تنطلق من القاعدة. لم يكن أحد ينتظر إشارة رسمية. أما بعد قيام السلطة، فقد أصبح السؤال يتكرر عند كل تصعيد: ماذا ستفعل السلطة؟ لا ماذا سنفعل نحن.

وجود سلطة رسمية أعاد تموضع الفعل السياسي. انتقلت المبادرة من المجتمع إلى المؤسسة، ومعها تغيّر منطق المواجهة. فالسلطة، بحكم كونها سلطة، تعطي الأولوية للاستقرار الداخلي، ومنع الفوضى، والحفاظ على النظام العام. هذا منطق إدارة، لا منطق حركة تحرر.

المفارقة أن السلطة مطالبة شعبيًا بالتحرك، لكنها تعمل ضمن ترتيبات لا تمنحها سيطرة على الأرض أو الحدود أو الموارد. إنها سلطة بلا سيادة. وإذا صعّدت، فإنها تخاطر ببنيتها ذاتها. وإذا امتنعت، تُتّهم بالتقاعس. في هذه المساحة الرمادية، تكرّس نموذج الإدارة بدل نموذج التحرير.

وهكذا يتشكل على الأرض ما يشبه «الحل الوسط»: لا دولة فلسطينية مستقلة، ولا دولة واحدة بحقوق متساوية، بل استمرار للسيطرة الإسرائيلية مع حكم ذاتي فلسطيني محدود. نموذج يؤجل الحسم ولا يلغيه، ويدير الأزمة بدل أن يحلها.

قد يوفر هذا الواقع مكاسب تكتيكية قصيرة المدى لإسرائيل، إذ يجنّبها قرارات كبرى تتعلق بالانسحاب أو منح الحقوق السياسية الكاملة. لكنه لا يحل التناقض البنيوي في جوهره. فالإبقاء على شعب كامل بلا سيادة، مع استمرار السيطرة على أرضه وموارده، لا ينتج استقرارًا دائمًا، بل يعيد إنتاج الصراع في شكل جديد.

السؤال هو كيف يمكن الجمع بين السيطرة على الأرض وحرمان السكان من السيادة أو المساواة؟ إلى متى يمكن إدارة هذا التناقض دون أن ينفجر من جديد؟

ما لم يُفتح أفق سياسي يعترف بالحقوق الكاملة — سواء عبر دولتين حقيقيتين أو دولة واحدة متساوية الحقوق — فإن الصيغة القائمة ستبقى إدارة مؤقتة لأزمة تاريخية عميقة.

وفي قلب هذه المعادلة يقف المجتمع الفلسطيني أمام امتحان صعب: هل يبقى منتظرًا ضمن نظام إدارة محكم، أم يعيد تعريف موقعه كفاعل لا كموضوع للسيطرة؟

ربما هنا، تحديدًا، يكمن السؤال الأهم في المرحلة المقبلة.

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى