د. إبراهيم أبراش: كأس الأمم الأفريقية يضع المملكة المغربية تحت المجهر
د. إبراهيم أبراش 19-1-2026: كأس الأمم الأفريقية يضع المملكة المغربية تحت المجهر
مع انطلاق مباريات كأس أفريقيا لكرة القدم في المغرب تم وضع المملكة المغربية تحت المجهر حيث استغرَب كثير من الزوار والفرق الرياضية التي وفدت للبلاد مما شاهدوه في المغرب من مظاهر كرم الضيافة وحُسن التنظيم والنهضة العمرانية ومظاهر الاستقرار السياسي، وخصوصاً الذين يزورون المغرب لأول مرة، أيضاً من خلال بعض التعليقات والتقارير التي لا تخلو من سلبية تجاه هذا البلد .
صحيح أن الفريق الرياضي المغربي لم ينجح في الفوز بكأس الأمم الأفريقية ولكن المغرب نجح في نفل صورة مشرفة في قدرته التنظيمية وحسن الضيافة والروح الرياضية عند الفريق الرياضي المغربي وعن الشعب المغربي.
الاستغراب من نمط الحياة ومنهج التفكير في المغرب سبق وأن تحدث عنه العلامة ابن خلدون في مقدمته الشهيرة في القرن الرابع عشر ميلادي، وتجدد الجدل عن الاختلاف ما بين المغرب والمشرق عندما كتب المفكر المغربي محمد عابد الجابري في سلسلة كتبه حول العقل العربي ومنها كتابه في تكوين العقل العربي 1988 وتحدث فيه عن الاختلاف بين العقل المغربي الذي هو عرفاني متأثراً بالعقل اليوناني وعقلانية ابن رشد من جانب والعقل البياني في المشرق من جهة أخرى ،منطلقاً من رؤية ابستمولوجية وليس فقط جغرافية للاختلاف ما بين الشرق العربي والغرب العربي، ليرد عليه المفكر السوري جورج طرابيشي في سلسلة مقالات ثم في كتاب بعنوان (نقد نقد العقل العربي) مفنداً أطروحة الجابري ،وفي تلك الفترة وتحديداً في عام 2001 صدر لي كتاب عن دار الزمن للنشر في الرباط تحت عنوان (الديمقراطية بين عالمية الفكرة وخصوصية التطبيق:مقاربة للتجربة الديمقراطية في المغرب) وفيه قاربت التجربة الديمقراطية من منظور علم الاجتماع السياسي وخصوصية التركيبة الاجتماعية والثقافية ، وبعدها كتب كثيرون تحت عنوان (من دخل المغرب لا يستغرب) أو قريباً منه.
هذه المقولة كنت أسمعها منذ الصِغر دون أن أعقل معناها وأحياناً أربطها بتفسيرات سلبية عن المملكة المغربية أو مراكش كما تُعرف في بلاد المشرق،ولكن بعد أن وطأت قدماي أرض المغرب وعشت فيها لعقود طالباً ثم أُستاذاً جامعياً بدأت أفهم سر هذه المقولة بعيداً عن الالتباسات والتفسيرات السلبية .
نعم من يدخل المغرب عليه ألا يستغرب من أمور كثيرة لا يكون لها مثيل في غيرها من البلدان.
في المغرب لا تستغرب قدرة هذه البلاد على المزج بين الأصالة والمعاصرة أو بين الماضي والحاضر بطريقة خلاقة بحيث تشعر بأنك تعيش في أزمان مختلفة في نفس الوقت! وفي المغرب تتعايش معتقدات شعبية تؤمن بالسحر وطرق دينية سلفية وصوفية مع عالم الحضارة والحداثة والتقدم العلمي!
في المغرب تلمس التعايش الخلاق بين القوميات العرقية وخصوصاً بين الأمازيغ سكان البلاد الأوائل والعرب الذين سكنوا البلاد بعد الفتح الإسلامي، حيث الهوية المغربية الإسلامية صهرت الجميع في بوتقتها!
في المغرب نظام ملكي وراثي قد يكون من أقدم الملكيات في العالم، ولا يخلو الأمر من فقر ومظاهرات وإضرابات احتجاجاً على تدني مستوى المعيشة والمطالبة بمزيد من الحريات ،ولكن فيه أيضاً حياة ديمقراطية متقدمة ومتميزة عن كل التجارب الديمقراطية في المنطقة!
في المغرب لا تستغرب أن ملك البلاد هو نفسه بمقتضى الدستور أمير المؤمنين أو الخليفة، وفي نفس الوقت وبمقتضى نفس الدستور هناك أحزاب شيوعية واشتراكية وإسلامية!
في المغرب لا تستغرب الولاء العميق للملك مخمد السادس والمؤسسة الملكية عبر التاريخ بالرغم من أن الأسرة الملكية هي الأصغر عدداً بين الملكيات في العالم، حتى لا يكاد المواطنون يشعرون بوجودهم كأصحاب سلطة ونفوذ.
في المغرب تعترف الدولة رسمياً بإسرائيل وبينهم عديد الاتفاقات الأمنية والاقتصادية وهي علاقات في جزء منها تعود لاعتبارات تاريخية متعلقة بكثافة وجود اليهود في المغرب واستمرار التواصل ببن اليهود المغاربة في إسرائيل والمغرب وطنهم الأصلي، وفي جزء آخر تعود لاعتبارات سياسية واستراتيجية معاصرة لها علاقة بالتوتر في شمال أفزيقيا ومتانة العلاقات المغربية الأمريكية ، وفي نفس الوقت عرفت المغرب وما زالت أكبر المظاهرات المؤيدة للفلسطينيين وضد دولة الكيان الصهيوني ولا يمر يوم إلا ونسمع ونشاهد مظاهرات ضد الإرهاب الصهيوني اليهودي في قطاع غزة وعموم فلسطين وهي مظاهرات مرخص لها رسمياً!
عن المغرب يمكن أن تقول إنها دولة أسلامية وعربية وأفريقية وشرق أوسطية! وقد سبق الملك الحسن الثاني أن وصف المغرب بأنه “شجرة جذورها في أفريقيا وأغصانها تعانق أوروبا” وعن الإسلام في المغرب كان يكرر إسلامنا المغربي السني المالكي.
نعم المغرب دولة عربية اللسان وليس كلها عربية العرق، وعندما نتحدث عن الثقافة المغربية فهي مزج ما بين الثقافة الأفريقية والأمازيغية والعربية والإسلامية والأوروبية دون تعصب لأي منها، ولم تعرف المغرب امتداداً لأحزاب قومية عربية كحزب البعث أو حركة القوميين العرب أو الحركة الناصرية كما هو الحال في بقية الدول العربية، ولكنه عرف أحزابا أممية ماركسية واشتراكية وحركات إسلامية .



